مع تسلم الرئيس الامريكي الجديد بوش الابن, مقاليد الحكم, وخروج كلينتون من البيت الابيض دون ان يحقق آماله وأحلامه في تحقيق السلام الفلسطيني ــ الاسرائيلي, يتوج به فترة حكمه ويؤهله للحصول، على جائزة نوبل للسلام او الحصول على مقعد في مسار التاريخ. امام ذلك ما هو موقف الادارة الامريكية الجديدة من الملفات العربية الشائكة والمتعددة, وفي مقدمتها قضية السلام, وهل يستمر الراعي الامريكي لها, ام تنتهي بخروج كلينتون. ذلك ان ملفات السلام متعددة ولم يفتح بعد الملف السوري, ولم يغلق الملف اللبناني, مع استمرار الانتفاضة على الساحة الفلسطينية. وفي الوقت ذاته فإن الحالة بين العراق والكويت كما وصفتها القمة الاسلامية ما زالت ماثلة امام تآكل الحصار يوميا. هل يتغير الموقف الامريكي ويستجيب للتغيرات التي شهدتها خلال الفترة الماضية. في خرق العديد من الدول للحصار المفروض على العراق, فيوقف هجماته, ام يستمر في تصعيده وتشديد قبضة حصاره ودعم المعارضة؟ ومع دعم الوجود الامريكي في المنطقة وترسانات السلاح المتعددة بحرا وبرا وجوا, من اجل حماية النفط والمصالح الامريكية في المنطقة.. هي تستمر هذه الاوضاع ام تتغير في منطقة شائكة ملتهبة تزيدها القوى الكبرى اشتعالا من اجل مصالحها وتشعل حرب الحدود العربية ــ العربية بين الاشقاء وتؤجج نيران الخلاف بين ايران وجاراتها العربيات. ومن الخليج الى السودان, الى متى تستمر الحرب في الجنوب بدعم العديد من القوى الخارجية الغربية وبالتحديد الامريكية والداخلية باسم حقوق الانسان والصراع على السلطة. والتهديد بشبح فرض الحصار الذي لم يغلق ملفه بعد في الجماهيرية الليبية, رغم استمرار المحاكمات التي كشفت عن الكثير من المعلومات, مشيرة الى براءة المشتبه فيهما. وتتعدد الملفات العربية الى الصومال, الحاضر الغائب على الخريطة العربية والافريقية والدولية, الى المؤامرات الاثيوبية بدعم من الامريكان لاعادته الى الحرب الاهلية والتجزئة الى استمرار العنف بالجزائر رغم جهود الاصلاح التي يقودها الرئيس بوتفليقة لاعادة هذا القطر العربي الهام الى عافيته وإلى مقدرته على دعم الحقوق العربية, وإتاحة الفرصة لهذا البلد العربي الكبير للعب دوره في افريقيا والوطن العربي. ومن حين لآخر تتجدد المواجهات بين المغرب وجبهة البوليساريو في صراع على الصحراء لتعطيل التنمية والجهد في المغرب بتهديد وحدته. الملفات متعددة, ولكن اغلبها مرحّل خارج الوطن العربي والمنطقة, الى الراعي الامريكي, والمجتمع الدولي, ولذلك فالاهتمام كبير بالادارة الامريكية الجديدة وما ستفعل, بينما الواقع يشير الى ان التساؤلات مطروحة في الشارع العربي: ماذا نحن فاعلون كأمة واحدة لحل مشاكلنا بالحوار والعقل, وليس بالخلاف والحروب وصراع الاشقاء. عناصر القوة لابد ان تقوى وتدعم, وتتحول الى اسلوب مفيد وليس رد الفعل لكل ما هو اسرائيلي او امريكي. الفرصة لا تزال امامنا بانشغال الادارة الامريكية الجديد بترتيب شئونها وهو ما يجب ان نفعله كأمة مصيرها واحد. علينا الا ننشغل بالانتخابات الاسرائيلية المقبلة, ولكن علينا ان ننشغل من الآن بإعداد الارضية المناسبة لعقد القمة العربية بعد شهرين في الاردن, وأساس عملها لابد ان ينطلق من تحقيق المصارحة والمصالحة العربية, التي تساعدنا جميعا على البدء بحل خلافاتنا العربية ــ العربية المتعددة, والتي تنطلق بتضامننا لمواجهة الاعداء بقوة.. فهل نتحرك؟ فرص السلام بين الادارتين قد يكون الرئيس المنصرف كلينتون حقق أداء افضل في قضايا اخرى مثل اعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع فيتنام, وإنجاز اتفاق استخدام سلمي للطاقة النووية مع كوريا, وابرام الحد من انتاج الاسلحة النووية مع روسيا, وعقد اتفاق تجاري مع الصين. وقد تأكد انه ارتكب بالمقابل (اعمالا عدوانية مثل قصف البلقان وافغانستان والسودان. وتشديد الحظر على ليبيا وكوبا والعراق وايران. لكنه وقد ابرم اتفاق سلام بين الكاثوليك والبروتستانت في ايرلندا حيث كان الراعي النزيه. لكنه لم ينحح بالمقابل في انجاز سلام بين العرب واليهود, حيث كان الراعي (الظالم و(الشريك) المنحاز. فلا نجح في نتائج اتفاقيات (اوسلو) 93 او (طابا) 95 او واي بلانتيشن) 98, ولا ساهم في انجاح مباحثات اوسلو 99 او كامب ديفيد 2000 بين الاسرائيليين والفلسطينيين, ولا في انجاح مباحثات (شبردز تاون) 2000 بين سوريا والاسرائيليين ليعود الوضع الى الدائرة نفسها: تعنت اسرائيلي, وانتفاضة عربية في وجه اسرائيل. فيما تحولت جهود رئيس امريكا (السابق) الى مجرد (وثيقة مقترحات) حافلة, كما في العديد من مواقفه ووقفاته بالتناقضات. ويكفي بيل كلينتون من هذه التناقضات انه في الوقت الذي حشد كل الحلف الاطلسي وأعاد لاجئي كوسوفو الى كوسوفو, انكر, بالمقابل في وثيقته على لاجئي فلسطين حتى مجرد (الحق في العودة) الى فلسطين! كلما جاء رئيس امريكي جديد يمني العرب انفسهم بأنه سوف يخرج على السياسة الامريكية الظالمة المنحازة لاسرائيل. وهذه المتجمدة تشرئب دوما مع كل رئيس جديد, وبما ان التغيير المطلوب لم يحدث تحت اي ادارة امريكية فالنظام العربي المستمر على عدم استخدام اوراقه, يودع الرئيس الذي انتهت ولايته, ويرحب بأسلوب مفعم بالترقب العبثي بالرئيس الجديد, مثلما يفعل اليوم مع كلينتون, الذي كان يعتبره الى ما قبل ايام قليلة اكثر رؤساء امريكا اهتماما بالقضية الفلسطينية وعملا من اجل ايجاد حل لها, ثم ما ان غادر كرسي الرئاسة, حتى صار يزعم انه كان اكثر من رؤساء امريكا صهيونية, وأن بوش لن يجاريه في صهيونيته مهما حاول. ما الاسس التي ستصدر عنها سياسة بوش؟ يقول قادة الادارة الجديدة في تقرير لخبراء معهد واشنطن نشر قبل تسلم بوش السلطة: ان بلدهم يجب ان يقلع عن القيام بما يسمونه (مهمات انسانية) ويمارس سياسة خارجية تتركز حول مصالحه القومية العليا, التي يجب ان تفرض بكل ما لديه من قوة دبلوماسية وعسكرية واقتصادية ووسائل ضغط مادي ومعنوي, على ان يحدد بدقة سبل الخروج من المشكلات قبل الانخراط فيها, كي لا يورط نفسه في مآزق تضر بمصالحه. ان المراقبين في الساحة الفلسطينية يتفاءلون لاعلان الادارة الامريكية الجديدة عن تغيير خطة العمل واسلوب التدخل اليومي الرئاسي, وإلغاء منصب دنيس روس الصهيوني الذي كان مكلفا بالشأن المتعلق بالسلام, يتركز هذا التفاؤل ازاء مستقبل عملية السلام, اذا تم العمل بأسرع وقت ممكن على اعادة العراق الى الساحة العربية لوقف الهدر في القدرة العربية ومن ثم اتخاذ عدد من الامور منها: اولا: وجود مصالح امريكية بمنطقة الشرق الاوسط, فإنه يمكن للعرب ان يستثمروا قوتهم والاوراق التي يمتلكونها. ثانيا: ان نوضح للرأي العام الامريكي بالارقام, حجم وقيمة التجارة العربية مع الولايات المتحدة, ليعرف ماذا نأخذ منه وماذا نعطيه, في مقابل ما يأخذ هو وما يعطي لاسرائيل. ثالثا: انه ليس من المتوقع ان ترهن الادارة الامريكية الجديدة مصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط بالدفاع عن احتلال واغتصاب من دولة عنصرية, خارجه عن سياق المنطقة تعتبر نفسها فوق القانون, وتعمل ضد قرارات الشرعية الدولية. رابعا: ان الصوت اليهودي في الولايات المتحدة, لم يدعم الرئيس الامريكي الجديد, مثلما لم يدعم والده بوش الاب, الذي قاد اطراف الصراع العربي ــ الاسرائيلي الى مؤتمر مدريد وأرسى قاعدة ومبدأ الارض مقابل السلام. خامسا: ان هناك تحركا عربيا ظهر وليدا في الانتخابات الرئاسية الاخيرة, داعما بوش الابن الذي ادرك قيمة وأهمية هذا الصوت العربي وذهب اليه بنفسه, قاطعا له الوعود بإسقاط ما يسمى بقانون الادلة السرية الذي كان يستخدم ضد العرب. سادسا: انه اصبح اليوم لدى الدول العربية, خطاب موحد يتعامل معه العالم باحترام. ولكي تؤتى هذه العوامل ثمارها لمصلحة قضايا العرب وحتى تتضح الصورة لدى المسئولين الامريكيين عما يجري في المنطقة علينا ان نتصدى لمقاومة ما تفعله اسرائيل وأدواتها في هذا المضمار, وان نقدم الدعم والمساندة لجماعات التحرك العربي الوليد في الولايات المتحدة, حتى يتمكن من ايجاد رأي عام داخل امريكا متفهما لقضايا العرب وتاريخهم وحقوقهم المشروعة. اكبر الظن انه لن تغير امريكا بوش مواقفها من الصراع العربي ــ الاسرائيلي, ولن يغير العرب موقفهم من امريكا. لذلك سيبز الرئيس الجديد كل من سبقوه في دعم الصهاينة, وستتفوق حكومات العرب على نفسها في احتمال الاذلال الامريكي والصبر عليه, الى ما شاء الله. فلقد سئل الرئيس الامريكي الاسبق جونسون قبل حرب عام 1967: لماذا تؤيدون ثلاثة ملايين يهودي وتعادون مائة وخمسين مليون عربي؟ فأجاب: لأن العرب لا يفعلون شيئا ضدنا. ان قضايا كثيرة ومشاكل عويصة ومستعصية تنتظر الادارة الامريكية الجديدة في مختلف انحاء العالم. وإن توسع المهمات يقضي بوجوب البحث في الاولويات. لذا ما زال الوقت مبكرا لمعرفة الاتجاهات في الوقت الذي تتبدل فيه المتغيرات تقدما وتأخرا. ولنأخذ ثلاثة من المشاكل الساطعة حسب الاولوية ونتساءل: هل الحالة بين الكويت والعراق تتصدر اولويات الادارة الجديدة؟ الملف العراقي امريكيا يختلف عنه عربيا؟ يأتي تسليم الملف العراقي, من ادارة كلينتون الى ادارة بوش الابن, في وقت يميل الميزان فيه لصالح العراق, الذي تمكن خلال الشهور القليلة الماضية, من كسب معركة تسعير نفطة باليورو بدلا من الدولار وكسر الحصار الجوي, بتشغيل رحلات داخلية وخارجية للخطوط الجوية العراقية, ومبادرة الكثير من دول العالم بالقيام برحلاتها على متن طائرات خاصة او عامة الى بغداد في تحد قوي للعقوبات المفروضة على العراق منذ اكثر من عشر سنوات. ذلك ان حظر الطيران الى بغداد يعتبر غير شرعي كالطلعات العدوانية الجوية في مجاله الجوي. يتضح من عرض موضوعي فلسطين والعراق ان هناك عنوانين كبيرين للقضايا العربية اليوم, هما الصراع العربي الصهيوني منذ مئة عام وتداعيات العدوان على العراق وحصاره منذ عشر سنوات. بالطبع هناك قضايا اخرى لا تقل خطرا تواجه الامة العربية مما اوردته في مطلع هذا البحث. من جهة اخرى ان المسار السوري ــ الاسرائيلي في عملية السلام, يعد اقل تعقيدا من المسار الفلسطيني ــ الاسرائيلي. الا انه حاسم في عملية الحرب والسلام. الادارة الامريكية طيلة فترة حكم الرئيس بيل كلينتون, لم تنجح في مساعدة الجانبين السوري والاسرائيلي في التوصل الى اتفاقية سلام عادل, على اساس مرجعية مؤتمر مدريد عام 1991, وقرارات الشرعية الدولية لأنها لم تكن وسيطا نزيها لذا بقي المسار المذكور متجمدا ومن اهم الاسباب والعوامل المرتبطة بإدارة كلينتون, انها ركزت بشكل اساسي على المسار الفلسطيني ــ الاسرائيلي, باعتبار ان القضية الفلسطينية تمثل لب الصراع العربي ــ الاسرائيلي, وتسوية هذه القضية من منطلق انه, بحلها يمكن الضغط على سوريا لتقبل بالعروض الاسرائيلية والمقترحات الامريكية. واعتبر ذلك من امريكا اسهاما في تجزئة القضية باعتبارها نزاعا حدوديا وتبنيا للطروحات الصهيونية. كذلك فإن ادارة كلينتون لم تستوعب جيدا رغبة سوريا في التوصل الى سلام مع اسرائيل واعتبرت ان اصرار سوريا على ان يكون هذا السلام, الذي تنشده سلاما عادلا, من خلال استعادتها الجولان المحتل قبل التفاهم حول المسائل الاخرى, مثل قضيتي الامن والمياه, ومسألة التطبيع, حيث اعتبرت واشنطن ان هذا الموقف يمثل شروطا مسبقة, وهو ما بدا جليا في تصريح كلينتون عقب فشل قمته مع الرئيس الراحل حافظ الاسد في جنيف, في مارس من العام الماضي, بأن الكرة باتت في ملعب سوريا. ومن جهة ثانية في السودان تسلمت الادارة الامريكية الجديدة مهام عملها وملفه ما زال احد الامور الشائكة التي تخلفها ادارة الرئيس بيل كلينتون السابقة, حيث ظلت العلاقات بين الولايات المتحدة والسودان طيلة سنوات حكم الرئيس كلينتون على حالها من العداء والمواجهة المستمرة والمتوترة. هذا العداء الذي وصل الى ذروته حينما قصفت واشنطن مصنع الشفاء للادوية في الخرطوم بصواريخ كروز الامريكية بدعوى انتاجه لمكونات غازات سامة وعلاقته بالمنشق ابن لادن, ولم تستطع واشنطن اثبات هذا الاتهام كما لم تقدم دليلا علنيا يؤكد صحة اتهامها, كما رفضت طلب السودان بإجراء تحقيق دولي حول قصف مصنع الشفاء. ان ما يحدث للأمة العربية اليوم يبين بقوة صدق الاتهامات الموجهة الينا من كذبها, وبأننا لا نتعلم من الدروس ولا نتيقظ الى ما يحدث لنا, ونقع دوما في الهوة السحيقة التي يعدها لنا الامريكان والصهاينة اكثر من مرة. تلك مؤشرات تستحق من الادارة المنتفعة من اغراءات القوة والهيمنة السياسية الامريكية بثوابتها المعروفة التي وردت في هذه الدراسة الموجزة.