نشرت احدى الصحف الامريكية مؤخرا رسما يصلح ان يكون ملخصا جيدا لطبيعة الشخصيات الاساسية التي ستدير استراتيجية السياسة الخارجية الجديدة في عهد الرئيس بوش. بدأ الرئيس في الصورة وهو يمسك بكلتا يديه مجسما للكرة الارضية وكأنه لا يدري ما يفعل به, ويظهر في الصورة على يساره وزيره للشئون الخارجية ــ الجنرال كولن باول ــ وعلى يمينه مستشارته لشئون الامن القومي ــ كوندوليزا رايس ــ ويحاول كل منهما ان يساعد الرئيس في التعرف على بعض المواقع في الكرة الارضية, وقد بدأت على وجهه علامات الحيرة والتوتر والخوف, بينما بدأت في المقابل علامات الارتياح على الجنرال باول, كما علت ابتسامة عريضة على وجه مستشارة الرئيس لشئون الامن القومي. يريد الفنان الصحافي ان يقول من خلال تلك الصورة ان الرئيس الجديد لا يعرف شيئا عن الكرة الارضية التي ألقيت بين يديه على حين غرة, وأن هندسة السياسة الخارجية والعلاقات الدولية ستوكل الى مساعديه ومستشاريه. ويعزز هذا الزعم الانطباع السائد بأن الرئيس بوش بالفعل ليس له إلمام كبير بالعلاقات الدولية, وأنه لم يسافر الى خارج الولايات المتحدة الا مرات معدودة, مما يؤكد قلة اهتمامه بالخارج, شأنه في ذلك شأن كثير من مواطنيه. على ان كل هذا لا يعني ان الرئيس بوش ليست له رؤية عن العلاقات الدولية او خطة لادارتها. فهو من حيث التأهيل العلمي يحمل شهادة من جامعة هارفارد ــ كبرى الجامعات الامريكية ــ في ادارة الاعمال, وله قدرة على القيادة وخبرة فيها (اذ كان حاكما على ولاية تكساس), ويتمتع بشيء من البساطة وسهولة التعامل تجعل له جاذبية خاصة يستعيض بها عن قدراته الخطابية والتعبيرية المتواضعة والضعيفة في بعض الاحيان (كما بدأ ذلك ابان حملته الانتخابية). وهو فوق هذا وذاك ليس من اصحاب الفلسفات والافكار الكبيرة, ولذلك فهو يجنح باستمرار الى نموذج رجال الاعمال الذين يبحثون عن الانجاز والارباح ويكون شعار احدهم: بع ما لديك من سلعة, وفوّض ما لديك من سلطات, وتنحى عن الطريق. ولذلك فهو لا ينظر الى السياسة من زاوية الايديولوجيا, ولكنه ينظر اليها من زاوية الاداري الذي يولي اهتماما خاصا بالشخصيات ذات الكفاءة العالية والقدرة على الانجاز ــ باعتبار ان الادارة الحسنة هي التي تضع السياسة الحسنة وليس العكس. ولذلك تراه يقول في بعض حكاياته (ان رجل الدولة المقتدر هو الذي يدرك كيف يستقطب الكفاءات, وكيف يفوض لها الصلاحيات, وكيف يؤلف فريقا من العاملين, وكيف يترك له التفاصيل ويحاسبه على النتائج) ان هذه الرؤية تعتبر في تقدرينا مفتاحا مهما لادراك الاتجاهات الجديدة في السياسة الامريكية عموما, ولادراك الخطوط الدقيقة في السياسة الخارجية لامريكا ــ على وجه الخصوص فالرئيس بوش ــ على عدم خبرته بالعلاقات الدولية, او ربما بسبب ذلك ــ استطاع ان يؤلف (ثالوثا) قويا لادارة السياسة الخارجية, فكان ضلعه الاول الجنرال كولن باول, الذي نال شهرة واسعة بسبب حرب الخليج وبسبب ادائه المتميز في المجال العسكري والسياسي حتى اصبح من الرموز القومية المهمة في السياسة الامريكية المعاصرة. اما الضلع الثاني في ادارة السياسة الخارجية فتمثله الدكتورة كوندوليزا رايس, مستشارة الرئيس لشئون الامن القومي, وهي ادارية سابقة في مجال التعليم العالي, متخصصة في الشئون الروسية وقد عملت من قبل في مجلس الامن القومي في عهد الرئيس الاسبق بوش, وتتمتع بالذكاء والصرامة, ويمثل الضلع الثالث في ثالوث الادارة الخارجية (رونالد رمزفيلد) وزير الدفاع, وهو من ضباط البحرية وقد عمل وزيرا سابقا للدفاع ورئيسا لهيئة الاركان وعضوا بالكونجرس ومديرا للبيت الابيض, هذا علاوة على وضع السياسي والعسكري المخضرم ديك تشيني نائبا له. ان ادراك التوجهات الجديدة في السياسة الخارجية لامريكا لن يكتمل الا بعد قراءة الافكار الاساسية التي يحملها هذا (الثالوث) ـ خاصة في مجالات التسلح وانزال القوة العسكرية في بعض المواقع الساخنة في العالم, وادراك المساحات التي سيتحرك فيها اي منهم, والتعريف على القدرات المتاحة لهم. استخدام القوة العسكرية ان ما ذكرناه سابقا من عدم معرفة الرئيس بوش بالعالم الخارجي سيترك بلا شك مجالا واسعا للجنرال باول ليكون مهندسا اساسيا في مجال السياسة الخارجية, فما هي التوجهات الرئيسية التي ستحكم مساره؟ يؤمن باول بصورة جازمة انه لا ينبغي استخدام القوة العسكرية الامريكية الا في الحالات التي يكون فيها الهدف السياسي واضحا وضوحا تاما, ويكون ذلك الهدف مطابقا للمصالح الامريكية, وتكون هناك موارد كافية لاحراز النجاح التام في المهمة العسكرية. كما يؤمن من ناحية اخرى ان لامريكا مصالح في كل اركان العالم ولا تستطيع حمايتها الا من خلال حلفاء اقليميين اقوياء يعملون في تنسيق مع الادارة الامريكية في مقابل المعونات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية ويؤمن ثالثا بضرورة وأهمية ان يسود النظام الديمقراطي الرأسمالي كل بقاع العالم,. وأن على الادارة الامريكية من ثم ان تعزز من قدرات الديمقراطيات الناشئة وأن تعمل ما في وسعها لمحاصرة الديكتاتوريات وتضييق الخناق عليها. وهذا يعني ان الجنرال باول سيحاول احياء الحلف القديم مع دول اوروبا والشرق الاوسط في سبيل الحفاظ على النفط وعلى الامن الاسرائيلي ومحاربة الارهاب الدولي ــ اما فيما عدا ذلك فلا يتوقع ان يحدث تغييرا كبيرا في السياسات الراهنة. اما كوندوليزا رايس فهي تتفق تماما مع هذه الرؤية الاستراتيجية, بل وقد تبالغ احيانا في التعبير عنها فهي ترى ان استخدام المؤسسة العسكرية من اجل (المصالح الانسانية) لا يعبر الا عن عدم المسئولية وقلة الاكتراث, وأن السياسة الخارجية اذا تمحورت حول (القيم) فإن المصالح (القومية) ستزاح عن مكانها الطبيعي وستوضع عليه مصالح مجتمع عالمي متوهم. ولذلك فهي لن تتحمس لانزال قوات امريكية من اجل ايقاف المذابح البشرية مثلا, او لابقاء قوات امريكية في شرق اوروبا من اجل حماية الاطفال والارامل. فانزال القوات الامريكية لن يكون الا من اجل حماية المصالح الامريكية المباشرة (البترول) اما فيما عدا ذلك (الشئون الانسانية) فينبغي الاعتماد على القوى الاقليمية, وهذا يعني بصورة مباشرة ان الادارة الجديدة قد تتباعد قليلا عن مسائل الامن الاوروبي, وتترك ذلك للدول الاوروبية, وذلك امر يثير المخاوف والقلل في عواصم هذه الدول. شبكة الصواريخ الدفاعية يهتم الرئيس بوش وتهتم ادارته الجديدة باصلاح المؤسسة العسكرية وتعزيز قدراتها القتالية وتأتي على رأس الاهتمام قضية الصواريخ الدفاعية التي رفض الرئيس السابق ان يوقع عليها بينما تبناها بوش في حملته الانتخابية. ويريد ان يجعلها الآن ركنا اساسيا في سياسته الخارجية باعتبار ان هناك خطرا ماثلا يهدد الامن الامريكي يتمثل في اسلحة الدمار الشامل التي صار في مقدور الكثير من الدول الحصول عليها. ولكن هذه المسألة تثير مخاوف كلا من روسيا والصين اللتين تعتبران ذلك خرقا واضحا لاتفاقية عام 1972 التي تعتبرانها اساسا مقبولا للحد من التسلح النووي, فإذا سارت امريكا في هذا الاتجاه فذلك يعني انها ستنسحب من تلك الاتفاقية, وهذا سيؤدي بدوره الى قدر من التقارب بين الصين وروسيا, وقد بدأ ذلك التقارب بالفعل, وقد صرح المسئولون في الدولتين بأنهما يريدان ما اسمياه (شراكة استراتيجية) مع ان كلا منهما قام بتطمين الولايات المتحدة التي تتلقيان منها العون الاقتصادي والتكنولوجي. اما الولايات المتحدة فيبدو انها عازمة على اقامة شبكة الصواريخ المقترحة ــ سواء رغبت الدول الاخرى في ذلك او كرهت ــ وهذا مؤشر آخر يدل على ان الادارة الجديدة ترغب في الاستفراد والاحادية العالمية وأنها تتمتع بقدر كبير من صلف القوة. آليات السياسة الخارجية لأمريكا يخطىء من يظن ان السياسة الخارجية لأمريكا تنطلق من وزارة الخارجية وحدها, اذ انه الى جانب وزارة الخارجية ووزارة الدفاع يوجد مستشار الرئيس لشئون الامن القومي والذي يرأس مجلسا كبيرا يضم مدير وكالة الاستخبارات المركزية وقائد هيئة الاركان للقوات المسلحة, ومدير وكالة الحد من التسلح وغيرها من الوزارات والوكالات المتخصصة, وقد ذكر ذات مرة ان 80% من الذين يعملون في مجالات السياسة الخارجية لا ينتمون الى وزارة الخارجية. مما يعني انه مهما كبرت المساحة التي سيتحرك فيها الجنرال باول, فإنها ستبدو مساحة صغيرة ومحدودة ــ خاصة اذا وضعنا في الاعتبار ان الحزب الجمهوري الحاكم لا يتمتع بأغلبية في الكونجرس, ولكي ينال وزير الخارجية دعما ماليا لتنفيذ سياساته فسيكون مضطرا للتنازل عن بعضها, ويقود بعض التعديلات التي يقترحها خصومه الديمقراطيون. كما سيكون على وزير الخارجية ــ من جانب آخر ــ ان يظل محتفظا بثقة الرئيس فيه, وأن ينال منه تفويضا كاملا, على ان التجربة التأريخية تدل على ان وزراء الخارجية عادة ما يفقدون مواقعهم لمنافسيهم في مستشارية الامن القومي والبنتاجون, وأن من يحتل موقع مستشار الرئيس للأمن القومي سيزحف بصورة متدرجة على كل المساحات التي يتحرك فيها وزير الخارجية, وسيفقده كل قدرة على المبادرة. فهل يستطيع الجنرال باول ان يكرر شخصية ومنهجية هنري كيسنجر الذي استطاع من خلال قربه وحظوته من الرئيس نيكسون ان يفتح بوابة الصين ويخلخل قواعد الاتحاد السوفييتي؟ ام هل تستطيع الدكتورة رايس من خلال القرب من الرئيس والاتصال والتواصل المستمر معه ان تقلم اظافر الجنرال باول او تحل محله؟ ان نجاح الادارة الجديدة في سياساتها الخارجية يعتمد الى حد كبير في نجاحها في الاحتفاظ بالتماسك الداخلي بين اعضاء الثالوث الذي يصنع السياسة الخارجية ويقوم بتنفيذها. وبالرغم من انه لا توجد مؤشرات في الوقت الراهن تدل على الاختلاف او النزاع, الا انه في ظل رئيس ضعيف فلا يستغرب ان يقوم كل قطب من اقطاب السياسة الخارجية بجذب السفينة في اتجاهه مما يعني انها ستفقد المقدرة على التحرك في اي من المسارات. بقلم: د. التيجاني عبدالقادر * فرجينيا ــ الولايات المتحدة