كشفت انتفاضة الاقصى الثانية خلال الشهور الماضية عن جوانب الشلل والخلل والضعف التي بنى عليها الاقتصاد الفلسطيني حيث تدنت الايرادات والصادرات لاكثر من 50% كما تعطلت قطاعات الانتاج المختلفة بنسب، متفاوتة تجاوزت لدى الكثير منها الـ 50% كما قدرت الخسائر وفق احدث التقديرات بما لا يقل عن 9 مليارات وبدت المساعدات التي تقدمها الجمعيات الاهلية والجهات المتاحة هي السبيل الوحيد لمساعدة المواطنين بل ان الموازنة الرسمية شبه معطلة بسبب عدم انتظام الموارد مما اضطر السلطة للجوء إلى الاقتراض للوفاء بالتزاماتها بينما لاتزال المنح والمساعدات التي اعلنت عنها الدول العربية مجرد وعود تفتقد لآليات عملية للاستفادة منها, في هذه الاثناء تسود حالة من الارباك في القطاعات الاقتصادية المختلفة كما تعطلت المشاريع التطويرية والخدمية وهو ما فاقم من تراجع الاداء الاقتصادي ولاتزال حالة من الترقب والانتظار هي المسيطرة على الاوساط الاقتصادية قبل تقرير ما يمكن ان تفعله للخروج من ازمتها حيث تبنى هذه الحالة على نتائج المفاوضات والقرارات التي تتخذها السلطة من اجل معالجة الاوضاع الناجمة عن استمرار الانتفاضة, وتكثر التساؤلات والتوقعات في الوقت الذي يؤكد فيه الكثيرون ان السلطة مازالت عاجزة حتى الان عن تبني استراتيجية واضحة للاقتصاد تأخذ بعين الاعتبار النتائج التي افرزتها الانتفاضة وتعزز قدرة شعبنا على الصمود ومواجهة متطلبات الحياة اليومية بعيدا عن الارتباط بالجانب الاحتلالي. وفي السياق ذاته اعلنت اللجنة الاقتصادية في المجلس التشريعي عن عزمها باجراء دراسة شاملة للاقتصاد الفلسطيني يشارك فيها مجموعة من الخبراء الاقتصاديين, واوضح جمال الشوبكي رئيس اللجنة ان الدراسة ستحدد الاضرار الحقيقية التي لحقت بها وتقترح الحلول الملائمة لها مضيفا ان الاضرار اكبر من قدرة اي جهة على تقديرها, وقال ان من الوهم ان نتصور ان بمقدورنا بناء اقتصاد حقيقي في ظل الاحتلال وهذا ما كشفت عنه الاحداث مشيرا إلى انه ليس بمقدور اي اقتصاد الصمود مهما بلغت قوته في ظل الظروف الراهنة, واشار إلى ان بناء الاقتصاد بدون سيادة واستغلال حقيقي وسيطرة على المعابر والحدود لن يجدي شيئا خاصة في ظل الاجراءات الاحتلالية في تقطيع اوصال الوطن وتدمير البنية التحتية وتحويل حياة الناس لانماط بدائية. لكن مروان البرغوثي امين سر حركة فتح في الضفة الغربية يقدم رؤية مختلفة للواقع الاقتصادي قائلا ان ما كشفت عنه الانتفاضة ان بنية الاقتصاد لم تكن على قاعدة الصراع مع الاحتلال لكن على قاعدة الاستهلاك والترفيه, واوضح انه كان مفروضا لهذا الاقتصاد انه يقوم على اساس توسيع قاعدة التصنيع والانتاج واستيعاب العمالة لا الاشتراك في الوكالات الاسرائيلية على حساب الاقتصاد الوطني, واكد البرغوثي وجود فرصة لاعادة النظر ومراجعة سياساتنا بمشاركة السلطة والمجتمع المدني والقوى السياسية والفعاليات المجتمعية وذلك في اطار الحملة الوطنية للمقاطعة وتشجيع المنتج المحلي, مؤكدا ان المقاطعة توفر فرص عمل وتطوير للصناعات والشركات والمنتجات الفلسطينية, وقال حتى الان لم نلمس تغييرات داعيا لاقامة مجلس اقتصادي للطوارىء تشترك فيه الجهات ذات العلاقات مؤكدا ان المواطن لم يشعر حتى الان بالتغيير. من جانبه يرى الباحث هاني حبيب ان الانتفاضة قدمت خدمة للاقتصاد الوطني بكشفها عن العيوب التي تنخر في هذا الاقتصاد ليس فقط بارتباطه بالاقتصاد الاسرائيلي بل بالاداء الاقتصادي الهش للسلطة, وقال: الانتفاضة فرضت اداء اقتصاديا يعتمد على الذات بفعل الاجراءات الاسرائيلية وهو ما يعطي فرصة للتصحيح وتنمية القدرات والمواد الذاتية وان كانت صغيرة, ومحدودة بحيث يلبي الاحتياجات المحلية, واوضح انه بفضل سياسة الحصار وجدنا منتجاتنا الوطنية عادت للتواجد في السوق المحلي واثبات قدرتها على المنافسة وهذا يتطلب منا توفير الدعم اللازمة وتوفير المواد الخام واعفاءها من الجمارك والضرائب التي تثقل كاهلها, مؤكدا انه بدون دعم كاف من السلطة لن تستطيع صناعاتنا المواجهة والصمود في ظل هذه الظروف مشيرا لوجود تصور هائل في الاداء الاقتصادي, وقال ان المبادرات الشعبية والاهلية غير كافية لانقاذ الاقتصاد ولابد من تدخل مباشر واجراءات حقيقية معتبرا ان الانشغال بالمفاوضات ربما يكون السبب وراء اهمال الاداء الاقتصادي. فيما يرى الباحث جميل هلال ان الانتفاضة كشفت عن التبعية الكاملة للاقتصاد الاسرائيلي سواء من حيث العمالة حيث يعمل اكثر من نصف العمال داخل الخط الاخضر ومن حيث حجم التجارة حيث الاعتماد على سلطات الاحتلال في معظم الواردات بما فيها المواد الخام والخدمات كالكهرباء والماء معتبرا ان الحديث عن تنمية في ظل الاحتلال حديث ممجوج مشيرا إلى انه بدون سيادة الاستقلال التام لن يكون ذلك مجديا واضاف المطلوب فك الارتباط عن الاقتصاد الإسرائيلي بكل ما هو ممكن وتنمية الذات الانتاجية وتشجيع الصناعة المحلية, وقال ان النجاح لن يتم قبل تكريس خطوات حقيقية للاستقلال والسيادة على الحدود والمعابر والتأكيد على البعد العربي والاسلامي في بناء الاقتصاد الفلسطيني. واوضح اننا بحاجة لوضع خطة اقتصادية تفصيلية واعادة هيكلة الاقتصاد بما يوفر فرص عمل لنا وتعبئة مواردنا ومواجهة السياسة التدميرية التي يتبعها الاحتلال لاقتصادنا عبر الاغلاقات والحصار واقتلاع وتدمير الاشجار والمزارع والمصانع وغيرها مشيرا إلى اننا بحاجة إلى سياسة مواجهة بأساليب واشكال جديدة. وعن فرص خروج الاقتصاد الوطني من أزمته قال النائب الشوبكي نحن لا نبالغ اذا قلنا هناك شلل تام فالكثير من القطاعات الانتاجية توقفت اما بشكل تام أو جزئي والبضائع المستوردة محجوزة في الموانىء والاجراءات باتت معقدة, فمثلا مرور سيارة اسعاف من مدينة لاخرى بحاجة لتنسيق امني واضاف الناس مطلوب منها تغيير انماط استهلاكها والعودة بحياتها إلى الاساسيات وتجنب الكماليات وتساءل لماذا لا توجد ادارة للطوارىء تشرف على الاقتصاد رغم صعوبة الاوضاع, وقال هناك مشاكل جدية نحن بحاجة لمواجهتها فحتى الان اجهزة ووزارات السلطة اثبتت ضعفها في الاداء, واضاف نحن بحاجة لطوارىء في كل شيء, وكل شىء الان يبني على المساعدات التي ستأتي من الخارج من ناحيته يقول البرغوثي اننا في ضائقة حقيقية يدفع ثمنها عملنا ونحن بحاجة لتدخل عاجل وسريع لتدارك الاوضاع الاقتصادية, ويرى هلال ان مقومات الصمود متعددة اهمها خلق نوع من التواصل بين السلطة والجمهور واشراك الجمهور في تحمل ما يجري فحتى الان الشارع مغيب واستراتيجية السلطة غير واضحة ماذا تريد الاحداث وان تقوم القوى السياسية بتفعيل دورها وتنظيم المجتمع لتعزيز قدرته على الصمود والمجابهة بتشكيل لجان شعبية ولجان في الحارات والاحياء حتى يشعر الناس بأن لها دورا للمشاركة وليس الامر مقصورا على المواجهات, مشيرا إلى ان معظم الناس لا تجد دورا لها للمشاركة كما دعا مؤسسات المجتمع المدني لخلق لجان تكافل مع المتضررين واعالة العمال العاطلين عن العمل. لكن د. ماهر الكرد وكيل وزارة الاقتصاد والتجارة يقدم تقييما شاملا للوضع الاقتصادي خلال هذه المرحلة بقوله كان من المفروض ان السنوات السبع من عمر المرحلة الانتقالية ان يصار إلى تأهيل المجتمع الفلسطيني واعادة هيكلة اقتصاده وبناء المؤسسات الاقتصادية تدريجيا بالانفكاك عن الاحتلال لكن مرحلة الانتفاضة كشف أوجه الضعف والفشل في هذه التجربة من كل الجوانب, واوضح انه كان متاح من اجل ذلك ثلاث ادوات هي اتفاقية باريس, المعونات الدولية, وتعبئة الاستثمار داخليا وخارجيا, ومع ذلك كل هذه الادوات فشلت في تحقيق النتائج المرجوة بمسئولية مباشرة من السلطة وعوامل اخرى. وقال لقد كشفت الانتفاضة الحالية ان 90% من تجارتنا مازالت مع اسرائيل والصناعة مرتبطة بالاقتصاد الاسرائيلي وصادراتنا مرتبطة باسرائيل حيث ان مقابل 800 مليون دولار موجهة لاسرائيل يقابلها 40 مليون دولار كانت مع مصر والاردن والعمالة اغلبها تعتمد على اسرائيل حتى ان كثيرا من الورش تعمل لحساب مصانع اسرائيلية اي اننا ظللنا في حالة تبعية مطلقة لاسرائيل حتى في مجال البنية التحتية الكهرباء والماء والاتصالات كلها معتمدة على اسرائيل بل حتى الطرق لم يتسن اقامة شبكة طرق جديدة تلائم الاحتياجات التنموية والخلاصة اننا لم نستفد من المرحلة الانتقالية, واوضح انه بامكان اي مواطن ان يتصور ما سيكون عليه الوضع القادم مشيرا إلى انه لا يمكن ان نجد حلا في ظل الحصار وان اي حديث بالاعتماد على النفس مبالغ فيه وغير ممكن, وقال لن نستطيع الاستمرار في الاعتماد على المساعدات ايضا هذا غير ممكن معتبرا انه لا يوجد مجال لتحريك القطاعات الانتاجية وتوفير فرص عمل, واضاف الشهور القليلة المقبلة لا يمكن ان نتحدث الا عن الحصار والحرب وعلينا ان نحدد الهدف, واكد الكرد ان الخطوة الاولى بعد رفع الحصار هو تحديد المشروع التنموي الفلسطيني مؤكدا ان ما كان لنا في السابق ليس خطة تنمية انما مجموعة مشاريع اطلق عليها خطة تنمية.