القضية الشيشانية من ثكنات الجيش الى غرف المخابرات

قرر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يوم الاثنين (22/1) القيام بسحب جزئي للقوات الروسية من جمهورية الشيشان . في الوقت ذاته أكد بوتين أن قراره لا يعني بأي حال من الأحوال انتهاء ما يطلق عليه عملية (مكافحة الإرهاب) في الجمهورية المتمردة. وأشار إلى أن هذه العملية سوف تتواصل بقوة أكبر ولكن باستخدام طرق ووسائل أخرى . وأفصح بوتين عن أن الاهتمام الأساسي في المرحلة المقبلة يتعلق بالتركيز على العمليات الخاصة ضد المقاتلين . وبرر قراره بالقول (أنه لا تجرى الآن في الشيشان عمليات حربية واسعة النطاق ومن ثم لا توجد حاجة للعدد الموجود هناك من القوات الروسية ). وألحق بوتين قراره هذا بقرار آخر يقضي بإسناد قيادة العمليات العسكرية في الشيشان لمدير جهاز الأمن الداخلي ( المخابرات الداخلية) نيكولاي باتروشيف . ووفقا لخطط الكرملين المستقبلية فإن أية عمليات عسكرية في الشيشان مستقبلا سوف تقوم بها القوات التابعة لجهاز الأمن الفدرالي (المخابرات الداخلية ) ووزارة الداخلية ووحدات خاصة من القوات التابعة لوزارة الدفاع . وهو ما يعني بشكل واضح تغيير تكتيك الكرملين فيما يتعلق بالعمليات العسكرية في الجمهورية ونقلها إلى مرحلة العمليات الخاصة التي تستهدف اصطياد واغتيال قيادات المقاتلين . ويرى البعض أن قرار الرئيس الروسي بالسحب الجزئي لقواته من الشيشان لا يخلو من معنى أيضا حيث انه يأتي عشية اجتماع الجمعية البرلمانية للمجلس الأوروبي في ستراسبورج لمناقشة التقرير الذي وضعه اللورد جاد مؤخرا عن حقوق الإنسان في الجمهورية المنكوبة. ومن المعروف أن البرلمان الأوروبي حرم روسيا من حق التصويت في أبريل الماضي بسبب الأوضاع في الشيشان . كما أن تقليص القوات الروسية يعني بشكل أو بآخر استجابة لمطالب واشنطن التي اتهمت موسكو بتخطي العدد المسموح لها به من قوات وأسلحة تقليدية في شمال القوقاز وهو ما يخالف اتفاقية الحد من القوات والأسلحة التقليدية في أوروبا الموقعة عام 1990م . علاوة على ذلك فإن قرار الرئيس الروسي يرتبط بشكل واضح بفاعلية العمليات الفدائية التي يقوم بها المقاتلون والتي استنزفت بدرجة ما القوات الروسية وبالأعباء المالية الضخمة التي تتحملها الميزانية الروسية جراء التواجد العسكري الضخم في الشيشان . وبالنسبة للتواجد العسكري الدائم في جمهورية الشيشان فقد قرر الكرملين الإبقاء هناك على فرقة المشاة الآلية الثانية والأربعين وقوامها 15 ألف جندي تقريبا و لواء يتكون من 7 آلاف شرطي من جنود وزارة الداخلية .هذا بجانب الوحدات الخاصة التي تصل إلى الشيشان للقيام بمهام معينة وتظل هناك لمدد زمنية محددة . وتشير بعض المصادر إلى أن روسيا ستبقي بشكل دائم في الجمهورية المتمردة على حوالي 22 ألفا من قواتها . والبعض الآخر يرى أن موسكو ستقلص تواجدها هناك بحوالي نصف القوات المتواجدة حاليا . وهذا سيعني مرابطة حوالي 40000 من أفراد قواتها إذا أخذنا في الاعتبار الأرقام الرسمية للقوات المرابطة في الشيشان والمقدرة بـ 80 الف جندي من الأفراد. وعلى الأرجح عملية سحب القوات الروسية من الشيشان سيبدأ في منتصف فبراير المقبل وسيجري على عدة مراحل . ويرى العديد من المحللين الروس أن قرار بوتين بتقليص القوات الروسية في الشيشان يعد بمثابة استخدام (الاحتياطي الأخير) للكرملين في سياق معالجة القضية الشيشانية. أما إسناد قيادة العمليات هناك إلى مدير المخابرات فيعتبره الكثيرون بمثابة اعتراف من قبل الرئيس الروسي بفشل جنرالات الجيش في تنفيذ المهمة الأساسية التي وضعها, ألا وهي القضاء على المقاتلين . ويدلل هؤلاء على صحة رأيهم هذا بأن هيئة العمليات الجديدة الخاصة بإدارة عملية مكافحة الإرهاب في شمال القوقاز والتي أصدر الرئيس بوتين مرسوما (22/1) بتشكيلها برئاسة نيكولاي باتروشيف مدير المخابرات الداخلية لا تضم في صفوفها وزير الدفاع المارشال ايجور سيرجييف رغم أنه كان المسئول الأول عن العمليات في الشيشان . كما أن وجود رئيس الأركان العامة الجنرال أناتولي كفاشنين وأحد نوابه في صفوف الهيئة الجديدة يفسره آخرون بأنه من قبيل المؤشرات على قرب إقالة وزير الدفاع من منصبه . وتجدر الإشارة الى أنه خلال الشهور الأخيرة من العام الماضي كثرت الشائعات المتعلقة بهذه الإقالة وخاصة في ظل الخلافات بين وزير الدفاع ورئيس الأركان على طريقة إصلاح الجيش الروسي . وكان الجنرال أناتولي كفاشنين قد طالب أكثر من مرة جهرا بضرورة تعيين وزير دفاع جديد من صفوف المدنيين . في الوقت ذاته يعتبر البعض أن إسناد العمليات في الشيشان إلى مدير المخابرات يعني أن ثقة بوتين تميل أكثر وأكثر في اتجاه الجهاز الذي نشأ فيه وترأسه في عهد يلتسين . وفي هذا السياق تقول صحيفة (سيفودنيا) أنه على ما يبدو أن ثقة الرئيس بالعسكريين نفدت حيث ان الهدف الرئيسي من العملية العسكرية في الشيشان لم يتحقق عمليا . ففي الوقت الذي لم تتحقق فيه نجاحات ملموسة لم يغير الجنرالات من تكتيكهم . لقد طرح رئيس الأركان العامة الجنرال أناتولي كفاشنين مؤخرا خطة للتصدي للمقاتلين تقضي بالعمل على نشر القوات الروسية في جميع مناطق الشيشان ووضع وحدات صغيرة للجيش في كل منطقة سكنية. ولكن الرئيس بوتين بقراراته الأخيرة رفض هذه الفكرة . وفي هذا السياق يرى وزير الداخلية السابق ,نائب الدوما حاليا , الجنرال أناتولي كوليكوف أن تنفيذ خطة كفاشنين سوف يؤدي إلى هلاك الجيش تماما . ويعتقد كوليكوف أن خطة قاديروف أيضا ليست أفضل من أفكار كفاشنين.ومن المعروف أن رئيس الإدارة الشيشانية الموالي للكرملين أحمد قاديروف طرح التركيز والرهان على الشرطة الشيشانية في معالجة الوضع في الجمهورية عن طريق زيادة عدد أفرادها إلى 20 ألفا من الأفراد . ويقول كوليكوف انه إذا فعلنا ذلك سوف تضطر روسيا لغزو الشيشان مرة ثالثة . وتجدر الإشارة أنه أثناء الحرب الشيشانية الأولى (1994 ـ 1996م ) شهدت روسيا تولي جهاز المخابرات عملية التصدي للمقاتلين الشيشان . ونقصد هنا الأحداث التي وقعت في منطقة بيرفامايسكايا بداغستان منذ خمس سنوات خلت عندما أسند الرئيس يلتسين لمدير المخابرات آنذاك ميخائيل بارسكوف قيادة عملية القضاء على القائد الميداني رادويف ومجوعته المسلحة. وكما هو معروف انتهت هذه العملية بالفشل التام وهرب رادويف وعدد كبير من مقاتليه إلى داخل الشيشان . ويعتقد البعض أن مهمة المدير الحالي للمخابرات ستكون أكثر تعقيدا حيث ان الرئيس بوتين حدد يوم الخامس عشر من مايو المقبل كموعد لتحقيق نتائج ملموسة لقيادة باتروشيف للعمليات في جمهورية الشيشان . في الوقت ذاته نعتقد أن قرار بوتين بسحب وتقليص القوات الروسية جزئيا يفيد بشكل مباشر رئيس الإدارة الشيشانية أحمد قاديروف الذي كان يطالب بهذه الخطوة في الفترة الأخيرة . وتكمن الإفادة هنا في كون قاديروف الذي لا يتمتع بشعبية داخل جمهورية الشيشان بسبب اعتباره مواليا للكرملين قد يحسن صورته ويجملها أمام قطاعات واسعة من شعبه على أساس أنه طالب بسحب القوات واستجابت موسكو لطلبه. وأخيرا فيما يتعلق بربط بعض المحللين لقرارات بوتين الأخيرة باحتمال التفاوض مع الرئيس أصلان مسخادوف ( الذي تنتهي مدة رئاسته نهاية الشهر الجاري ) , نعتقد أن هذا الربط غير دقيق واحتمالات التفاوض حاليا ضعيفة للغاية حيث لا توجد ضغوط عسكرية أو سياسية كبيرة ترغم الكرملين على هذه الخطوة . غير أنه في الغالب ستبدأ مرحلة جديدة من الصراع والنضال الشيشاني من أجل الاستقلال . ويجمع العديد من المراقبين على أن قرارات بوتين الأخيرة بشأن سحب القوات وتحميل مسئولية قيادة العمليات لمدير المخابرات مباشرة لن تغير كثيرا من الأحداث في الشيشان حيث ستتواصل الهجمات التي يشنها المقاتلون . كما أن هذه القرارات لن تحل مشاكل اللاجئين وبالطبع لن تخلق فرص عمل لأكثر من 80% من الشباب الشيشاني الذي يعاني من البطالة . وبالنسبة لمستقبل المرحلة الحالية من الصراع الروسي ـ الشيشاني فقد يتجمد لبعض الوقت عند النقطة الراهنة وربما حتى الانتخابات الرئاسية القادمة مع عدم استبعاد احتمال إشعال الحرب مرة أخرى لتجديد رئاسة بوتين .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات