اثبت التاريخ, واكدت الاحداث ان القدس هي لب الصراع الاسرائيلي الفلسطيني وان اي تسوية للسلام في المنطقة العربية التي تسعى اسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة لوضعها بالشرق الاوسط لا يمكن ان تتم دون عودة القدس العربية للحضن الفلسطيني العربي. وكانت القدس على مر القرون محلا للاطماع الاستعمارية والصراع وقد دافع عنها المسلمون بكل ما أوتوا من قوة وايمان من منطلق ان المقدسات الدينية لا يمكن التفريط فيها لو تم التضحية من اجلها بكل حياة وثمين. وها هو التاريخ يعيد نفسه من قبل اليهود الذين لم يخفوا في كل المراحل طمعهم في القدس ورغبتهم في الهيمنة على المقدسات المهمة. وكانت القدس هي واحدة من اخطر القضايا التي تعتبر اهم شوكة في الخلافات التي تسود المفاوضات الفلسطينية ـ الاسرائيلية للمرحلة الاخيرة, مثلما كانت دائما عقبة في الوصول لتفاهم سلام نهائي. وحول القدس التاريخ والحاضر والصراع وآمال السلام التقت (البيان) في هولندا بمستشار جمعية السلام الهولندية الفلسطينية لدعم التعاون بالشرق الاوسط ابراهيم الباز الذي قال: الخلافات التاريخية وتسمية القدس وبدايات الاطماع اليهودية, وتتجلى احداث القدس التاريخية في الاسماء الكثيرة التي اطلقت عليها, فأقدم اسم لها (اورشالم), وذلك بنسبها إلى الإله (شالم) أي إله السلام لدى الكنعانيين العرب, وفي التوراة وردت كلمة اورشليم التي تلفظ بالعبرية (بروشالايم) اكثر من 680 مرة, وهذه الكلمة مشتقة مباشرة من التسمية الكنعانية الاصلية, كما اسم يبوس على القدس وهذا الاسم نسبة إلى اليبوسيين من بطون العرب الاوائل في الجزيرة العربية وهم سكان القدس الاصليون الذين نزحوا من جزيرة العرب مع من نزح من القبائل الكنعانية حوالي سنة 2500 قبل الميلاد, هذا وقد بنى اليبوسيون قلعة حصينة على الرابية الجنوبية الشرقية من يبوس سُميت حصن يبوس الذي يعد أقدم بناء في مدينة القدس أقيمت حوله الاسوار وبرج عال في احد اطرافه للسيطرة على المنطقة المحيطة بيبوس للدفاع عنها وحمايتها من غارات العبرانيين والمصريين بزعامة ملكهم سالم اليبوسي, وعرف حصن يبوس فيما بعد بحصن صهيون واحيانا بجبل صهيون, ولم يستطع اليهود الاستيلاء على حصن صهيون الا في عهد النبي داود والذي اتخذ اورشليم عاصمة له واطلق على الحصن (مدينة داود) وكان اكثر سكان المدينة في عهده من اليبوسيين والكنعانيين والعموريين والفلسطينيين, وقد ازدهرت المدينة في عهد سيدنا سليمان الذي شيد الهيكل بمساعدة المعماريين الفينيقيين, واستمرت سيطرة اليهود على اورشليم من عهد النبي داود حوالي 1000 قبل الميلاد حتى 586 قبل الميلاد إلى ان فتحها نبوخذ نصر ودمرها ونقل سكانها اليهود إلى بابل, وبعد ذلك خضعت المدينة لسيطرة الفرس ومن بعدهم الرومان إلى ان فتحها الخليفة عمر سنة 15 ـ 636م وبقيت تحت سيطرة المسلمين إلى ان استولى عليها الصليبيون سنة 492هـ ــ 1099م واحتفلوا بانتصارهم بارتكاب مجزرة رهيبة خصوصا في منطقة الحرم الشريف. * ومتى انتهى حكم الصليبيين على القدس؟ ــ لم يبق حكم الصليبين في القدس اكثر من 88 سنة فانهارت مملكتهم وانهزموا في معركة حطين سنة 583هـ ــ 1187م وبعدها دخل صلاح الدين الايوبي وبقيت المدينة تحت سيطرة العرب لحين الغزو الصهيوني الحديث في عام 1948م, ولقد تميز المسلمون بالتسامح الديني في تعاملهم مع الديانات الاخرى في القدس, فعند استرجاع صلاح الدين للقدس عقد صلحا سمح بموجبه للفرنجة بمغادرة المدينة بعد دفع جزية بسيطة عن كل شخص, وامتازت معاملته بالانسانية فاعفى كثيرين من دفع الجزية وسمح للمسيحيين الشرقيين بالبقاء في المدينة, كما رفض عمر بن الخطاب الصلاة في الكنيسة خوفا من تحويلها إلى مسجد. * وما هو مدى كذب الادعاءات اليهودية حول القدس؟ ـ المزاعم الصهيونية حول القدس واهية ولا اساس لها, فأول من سكن القدس هم العرب الكنعانيون والتاريخ يثبت ذلك, وحتى الان لم يتمكن اليهود من اثبات تواجدهم بالمدينة المقدسة خارج فترة حكم داود وسليمان, اما المزاعم المستمدة من التوراة فلا أساس علمي لصحتها كون ان التوراة قد حرفت على مر العصور بحيث اصبحت مجموعة من القصص المشكوك بصحتها. وقد تصارعت حول القدس الاديان الثلاثة لكن طابعها العربي الاسلامي بقى مسيطرا لحين الغزو الصهيوني الحديث والذي فعل المستحيل لتهجير سكان المدينة من مسلمين ومسيحيين, وبالرغم من ذلك فلم ينجح نجاحا كاملا فمازالت قضية القدس تتخذ الصدارة في امور الفلسطينيين من مسلمين ومسيحيين وايضا الشعوب الاسلامية في كل مكان, وقد جاءت انتفاضة الاقصى لتأكيد موقع القدس في ارادة وقلوب المسلمين في كل مكان. * كيف يمكن تكييف الدفاع عن القدس؟ ــ الصراع حول القدس ليس فقط شأنا فلسطينيا عربيا وانما شأنا يخص كافة المسلمين في كل بقاع العالم, فمرجعية القدس بالدرجة الاساسية اسلامية ولا يحق لمن كان ان يتصرف في امرها دون مرجعيتها الاسلامية, من هذا المنطلق فواجب تحرير القدس ليس واجبا فلسطينيا فقط وانما هو واجب اسلامي عام يقع على كافة المسلمين, فالصراع حول القدس وفلسطين بشكل عام تتداخل فيه الابعاد الوطنية الفلسطينية والقومية العربية والبعد الاسلامي, وهنا لا يجب ان ننسى الدور الوطني الفلسطيني المسيحي والذي هو جزء لا يتجزأ من حركة الشعب الفلسطيني الوطنية في حرصها على عودة السيادة العربية للقدس, فالصراع عربي اسلامي صهيوني تعمل الحركة الصهيونية على تجنيد كافة اليهود في كل اماكن تواجدهم في العالم مستفيدة من دعم العالم الغربي لها انطلاقا من دوافعه العنصرية بالتخلص من اليهود بهذه الطريقة. * إلى اي مدى يمكن ان تثمر محاولات السلام آمالاً لاستعادة القدس؟ ـ لقد بذل الفلسطينيون والعرب كل ما في وسعهم لاتباع طريق السلم في التعامل مع التواجد الصهيوني على ارض فلسطين ولكن الاطماع الصهيونية اكبر من ان يكبح جماحها أي توجه سلمي فاستمرت في كل ما من شأنه عرقلة اي تحرك سلمي فمن المزيد من الاستيلاء على الاراضي وبناء المستوطنات إلى التنصل من كافة الاتفاقيات المعقودة بالرغم من ظلمها للجانب العربي, وهذا يقودنا إلى نتيجة مفادها ان اسرائيل لا تسعى اطلاقا للعيش بسلام مع العرب والاعتراف بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وحقه في العودة, وهو الامر الذي يؤكد ان اسرائيل تدفع باتجاه الحرب املا منها في خلق حقائق جديدة, فعلى العرب والمسلمين اليقظة والاستعداد لهذا الامر, ولا اعتقد بان تدويل القدس يشكل حلا للصراع, ففي حالة قبول اسرائيل بتدويل القدس فيعني ذلك ان موقفها أصبح ضعيفا ولم تعد قادرة على التمسك بموقفها فلماذا يقبل العرب بذلك؟