الدبلوماسية العراقية تحرك كل الملفات لرفع الحصار

بداية يمكن القول ان الدبلوماسية العراقية نجحت في تطبيع علاقاتها ـ ولو الاقتصادية والتجارية ـ مع سوريا حتى ان دمشق أعلنت على لسان وزير خارجيتها فاروق الشرع بعد زيارة طارق عزيز نائب رئيس الوزراء العراقي، للعاصمة السورية في سبتمبر الماضي .. أنها تؤيد رفع الحظر المفروض على العراق منذ عام 1990 .. حيث أشار الشرع إلى أنه (لم يعد هناك أي مبرر للحظر خصوصاً أن الشعب العراقي هو من يعاني من المشكلة بشكل أساسي .., إلا أن دمشق قد أشارت أيضاً الى أنها وإن كانت مع رفع المعاناة عن الشعب العراقي لكنها تأخذ في الاعتبار كل المتطلبات المتعلقة بالحظر المفروض على العراق), وقد أكدت سوريا باستمرار أنها مع رفع الحصار ولكنها تؤيد ضرورة تنفيذ العراق لقرارات الشرعية الدولية. وفي ضوء هذا الموقف العام بات تحسين العلاقات مع العراق وتعزيزها من خلال البوابة الاقتصادية موضوعاً في أولويات دمشق اعتقاداً منها بأن الاقتصاد هو أفضل مدخل لبناء علاقات مستقرة آمنة بدلاً من البعد السياسي المباشر الذي يحمل في طياته عناصر التوتر والسلبية بحكم الاختلاف والخلافات العديدة الناتجة عن البيئة الجيو ـ سياسية والتاريخية لنشوء الكيانات السياسية في المنطقة. وقبل التعرض لخطوات ومظاهر التقارب بين العراق وسوريا فإنه قد يكون من اللازم إلقاء نظرة سريعة على طبيعة العلاقات بين الدولتين في مرحلة ما قبل التقارب حيث شهدت تلك العلاقات تدهوراً شديداً أثناء الحرب العراقية ــ الإيرانية حيث كانت سوريا قد أيدت إيران ضد العراق وهو ما أثار حفيظة الأخير وأدى في النهاية إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين وزاد الأمر سوءاً بعد غزو العراق لدولة الكويت عام 1990 ووقوف سوريا إلى جانب قوات التحالف الدولي ومشاركتها في طرد القوات العراقية من الأراضي الكويتية. ويرى فريق من الباحثين ان الأمر لا يقتصر على ذلك فقط وإنما يمتد إلى عوامل أخرى أشمل وأعم حيث ان أبرز أسباب الخلاف بين الدولتين يعود إلى قضايا عقائدية تتعلق بالمضمون الفكري الحاكم لكلا البلدين وقد ولد هذا الخلاف مع ولادة النظامين في بغداد ودمشق وكان يتمحور حول من يمتلك الشرعية الحزبية وجدير بالذكر ان البلدين يحكمهما جناحان متنافسان من حزب البعث, وهو وإن كان يحمل تشابهاً في الاسم, إلا أن الخلاف كبير في المضمون, وأخيراً ومع بدء خطوات التقارب عام 1997 ــ وإن كان بصورة بطيئة كما سنعرض لاحقاً ــ فإن بعض المصادر ترى أن البلدين يرجعان أسباب حالة التوتر والعداء بينهما إلى بعض القوى الدولية والإقليمية في المنطقة سيما المثلث الأمريكي الإسرائيلي التركي .. فأضلاع هذا المثلث تعمل جاهدة لمنع أي تقارب أو لقاء بين سوريا والعراق خوفاً من حدوث تغييرات جذرية في أوضاع المنطقة تعرض مصالح هذه القوى للخطر,أما تركيا فهي تتطلع ــ بالإضافة إلى إسرائيل ــ لأن تلعب دور القوى الإقليمية الأساسية في المنطقة كما تتطلع إلى مشاريع التنمية المستقبلية مع سوريا والعراق من خلال درجة التحكم في كمية المياه العابرة إلى هذين البلدين ولاشك أن أنباء مشروع خط أنابيب كركوك ــ بانياس لنقل النفط العرقي إلى سوريا قد سبب إزعاجاً لتركيا التي قد تقل عائداتها من جراء نقل النفط العراقي عبر أراضيها. ورغم تلك الأسباب والأوضاع إلا أن الدولتين قد بدأتا في الاتجاه نحو تقارب متبادل بدأ عام ,1997 إلا أن الانفتاح السوري على العراق قد تميز في بدايته ومنذ انتهاجه في عهد الرئيس حافظ الأسد بتحفظه وحذره إزاء عدم تجاوز القرارات الدولية أو حتى قرار (النفط مقابل الغذاء) وأثار اهتمام المراقبين أنه ظل يتطور ببطء شديد حتى في مراحل محاولات عزل سوريا ولم تنفع دعوات وتنازلات النظام العراقي في إغراء دمشق بتسريع خطوات التقارب واتخاذ خطوات ولو رمزية لخرق الحصار .. وفي هذا الصدد ظل التبادل التجاري محدوداً بين البلدين واستمرت إجراءات فتح مكتب رعاية مصالح عراقية في دمشق أشهر بدون أن تصل إلى فتح مكتب رعاية مصالح سوريا في بغداد, ورغم ذلك فقد نشأ في الآونة الأخيرة نهج سياسي جديد بين البلدين قائم على أساس تجاوز العداوات القديمة وتقريب وجهات النظر, وقد نشأ هذا النهج مع تولي القيادة الشابة الجديدة الرئيس بشار الأسد مقاليد الحكم في سوريا ولعل الطرفان قد أدركا تماماً أن ما يساعدهما على المضي نحو علاقات سياسية واقتصادية أفضل تحقق مصالح الدولتين هو الابتعاد أكثر فأكثر على المضمون الأيديولوجي لخطابهما السياسي والإعلامي وتغليبهما السياسي على الأيديولوجي والمصالح المشتركة على غيرها من عوامل اختلاف كانت قائمة منذ الماضي. وفي ضوء تلك المبادئ والخطوط العامة اتخذت الدولتان مجموعة من الخطوات الدالة على بدء التقارب بينهما ويمكن أن نوجز هذه الخطوات فيما يلي: * فتح الحدود والمعابر منتصف عام 1997 لأسباب تجارية وإنسانية. * افتتاح مكتبين تجاريين في كل من بغداد ودمشق لتشجيع التبادل التجاري عام (1998). * افتتاح مكتب لرعاية المصالح العراقية في دمشق (1999). * تشغيل خط السكك الحديدية بين حلب والموصل المخصص لنقل البضائع والركاب (2000 ). * إعادة فتح مكتب الخطوط الجوية العراقية في دمشق (2000). * تشكيل لجنة سورية لرفع الحصار عن العراق تحت غطاء الجمعيات الأهلية بموافقة السلطات السورية (2000). * وصول طارق عزيز في أول رحلة جوية مباشرة من بغداد إلى دمشق بطائرة عراقية وللمرة الأولى (2000). * زيارات عزت إبراهيم الدورية إلى دمشق واجتماعه بالرئيس بشار الأسد لأول مرة (2000). وقد استمرت خطوات التقارب بين البلدين فقد تكررت اللقاءات على مستوى عال من المسئولين السوريين والعراقيين منذ يوليو الماضي حتى أعرب بعض المراقبين عن اعتقادهم بأن رفع مستوى الزيارات واللقاءات بين الجانبين إلى درجة متقدمة جداً بحيث لم يعد مسئول عراقي بارز باستثناء صدام حسين إلا وزار دمشق ويمكن أن يتوج ذلك كله بلقاء بين الرئيسين بشار وصدام. ومن جهة أخرى تشير بعض المصادر الدبلوماسية إلى أن لقاءات مستمرة تحدث بين ممثلين وضباط من أجهزة الأمن والاستخبارات في البلدين فيما تشهد منطقة الحدود المفتوحة حركة نشيطة في كلا الاتجاهين الأمر الذي زاد الحاجة إلى إقامة مستوى معين من التمثيل الدبلوماسي لرعاية المصالح المتزايدة لكل طرف لدى الطرف الآخر, وهو الإجراء الذي أقدم عليه العراق في وقت سابق وأعلن وزير خارجية العراق في مطلع شهر ديسمبر 2000 ان سوريا ستفتح قريباً شعبة لرعاية المصالح السورية في بغداد, واعتبر الصحاف هذا الإجراء بمثابة (خطوة أولى) على طريق إعادة فتح سفارتي البلدين في وقت لاحق. وجه آخر للتقارب والوجه الآخر للتقارب يبرز بصورة واضحة في حجم التبادل التجاري المتنامي بين الدولتين حيث وصل إلى 500 مليون دولار عام ,2000 ومن المأمول ان يرتفع هذا الرقم حتى يصل إلى 4.1 مليار دولار خلال الفترة المقبلة, حيث اجتمعت اللجنة العليا المشتركة بين البلدين للمرة الاولى منذ عشرين عاماً, ولعل الأمر الأبرز في مجال التقارب هو الأنباء التي تواترت حول التشغيل الفعلي لخط أنابيب النفط الذي ينقل إلى دمشق الخام العراقي, وكانت مصادر عراقية قد أعلنت ان بغداد تنوي تصدير 200 ــ 300 ألف برميل من النفط الخام يومياً عبر خط أنبوب النفط السوري العراقي إلى سوريا بـ (أسعار مخفضة) الأمر الذي يتيح لدمشق رفع كمية صادراتها النفطية التي تبلغ الآن 300 ــ 350 ألف برميل يومياً من أصل إجمالي الإنتاج البالغ 650 ألف برميل يومياً وهو ما سيوفر لسوريا نحو مليون دولار في اليوم, ورغم امتناع الدولتين عن تأكيد أنباء التشغيل الفعلي لخط الأنابيب إلا أن نشرة (ميدل إيست إيكونوميك سورفي) أشارت إلى أن سوريا بدأت بالفعل في 25 نوفمبر الماضي في تلقي النفط العراقي عبر خط الأنابيب المشار إليه بين البلدين. وقد أثارت خطوات التقارب المتصاعدة بين العراق وسوريا العديد من التكهنات حول دوافع هذا التقارب الذي بدأ بطيئاً ولكنه اخذ في الوضوح والاستمرارية خلال عام ,2000 ويمكن القول أن كلا البلدين يهدف من خلال تقاربه من الآخر إلى تحقيق مجموعة من الأهداف بعضها قد يمكن القول أنه خاص بهذا الطرف أو ذاك وبعضها الآخر يمكن القول أنه مشترك بين الطرفين. وبالنسبة للدوافع المشتركة فإن بداية التقارب عام 1997 جاءت رداً على اتفاق التعاون العسكري الإسرائيلي ــ التركي الموقع في عام 1996 والذي ترى فيه دمشق وبغداد تهديداً مهماً حيث توجد مخاوف مشتركة نتيجة لأجواء التهديد التي تشيعها الآلة العسكرية التركية خاصة بعد إنجاز التحالف الاستراتيجي مع إسرائيل وهو التحالف الذي فُسر من منطلقات عدة من ضمنها أنه يسعى إلى إدخال تغييرات جغرافية في الإقليم والتي من ضمنها تقسيم العراق وهو ما يثير مخاوف سوريا التي ترى أنها يمكن أن تكون هي المرشح الثاني لمثل هذه المخططات. وعلى جانب آخر يرى فريق من الباحثين أن كل من العراق وسوريا يواجه أعداء استراتيجيين مشتركين .. ففي إطار صراع الشرق الأوسط هناك ثلاث قوى خارجية تقوم سياستها على ضرورة تعطيل سوريا والعراق عن القيام بأي دور راديكالي استقلالي على الصعيد الإقليمي وخاصة في نطاق الصراع العربي ــ الإسرائيلي وهذه القوى هي إسرائيل والولايات المتحدة وتركيا ترتبط استراتيجياً ببعضها البعض بما يخدم أهدافها المشتركة في إبقاء شعوب ودول المنطقة العربية مشتتة وضعيفة. فإسرائيل ترى سوريا كقوة عربية مساندة لمنظمات المقاومة الفلسطينية ومنظمة حزب الله اللبناني, ولهذا السبب فإن الولايات المتحدة كشريك استراتيجي لإسرائيل تصنف سوريا كدولة راعية للإرهاب كما أن إسرائيل والولايات المتحدة تريان العراق كقوة عربية ذات موارد ونفوذ يمكن أن تلعب دوراً قيادياً في حشد وتجميع القوى العربية التي تهدد بقاء إسرائيل, وتركيا ترى أن كلا من سوريا والعراق جارتين تزاحمانها في اقتسام مياه نهري دجلة والفرات بالإضافة إلى أنهما تمثلان قاعدتين محتملتين للقوى التركية المعارضة الإسلامية وغير الإسلامية. الدوافع العراقية وبالنسبة للدوافع العراقية فإن أبرزها هو دفع سوريا نحو المساعدة والمساهمة في كسر الحصار المفروض على العراق منذ عام 1990 .. ويرى البعض أن العراق اتجه إلى سوريا على اعتبار أنها تصلح لكي تكون (بوابة) العبور له خاصة وأنه ساد اعتقاد عراقي بأن الأردن لم يعد يشكل تلك البوابة في الوقت الراهن لذلك كانت دمشق هي النافذة البديلة والمتاحة ومما يؤكد ذلك الرأي أن سوريا أصبحت محطة لعبور المسئولين العراقيين إلى الخارج بدلاً من الأردن, ومما يزيد هذا الرأي قوة إشارة بعض المصادر الإعلامية إلى أزمة عراقية أردنية انطلقت في شهر إبريل الماضي عندما اعترضت السلطات الأردنية الطائرة الإيطالية التي سعت إلى خرق الحظر الجوي والتوجه إلى العراق, ومنذ ذلك الحين رصد العراقيون ــ من وجهة نظرهم ــ مواقف أردنية اعتبروها أكثر تشدداً في التزام الحصار والعقوبات على طريقة الولايات المتحدة ومن هذه المواقف تشديد الإجراءات الأمنية الحدودية والحد من التسهيلات التي كان يوفرها الأردن للمسئولين العراقيين الذين يعبرون حدوده في زياراتهم الخارجية وحتى رجال الأعمال وخرجت هذه الأزمة عن صمتها عندما تبين فجأة أن الحدود العراقية السورية باتت المعابر المفضلة للمسئولين ورجال الأعمال العراقيين. وعلى جانب آخر تتطلع بغداد أيضاً من وراء تقاربها مع سوريا إلى توفير منافذ تصدير وإيرادات جديدة وخلق بدائل طرق سعياً إلى استخدام هذه البدائل كورقة ضغط كلما اقتضت الحاجة, ويمكن هنا الإشارة إلى المنافذ المتعلقة بتصدير النفط عبر المنافذ التركية وحصر عملية التصدير بكاملها أو الجزء الأغلب منها بالمنافذ السورية .. الأمر الذي يجعل من المنافذ السورية ورقة بغداد الاقتصادية في التعامل مع تركيا, وفي هذا الصدد فإن إعادة تشغيل خط كركوك ــ بانياس بين البلدين لنقل النفط العراقي يعد عاملاً لتخفيف الضغط التركي على العراق مما سيضطر أنقرة إلى إعادة النظر في موقفها من بغداد, وبالإضافة إلى ذلك يشير البعض أن العراق سيجني فوائد أخرى من جراء انفتاحه على سوريا أبرزها تحييد أحد مراكز المعارضة العراقية في سوريا وذلك أن الأخيرة هي الحاضنة التاريخية للمعارضة العراقية .. وتحييد هذا المركز من شأنه أن يتيح للنظام العراقي الحركة بحرية أكبر ذلك أن الخلاف السوري ــ العراقي أخذ في السابق أشكالاً وصوراً عديدة فكان من ضمنها تشجيع السوريين للمعارضة العراقية بكل أشكالها وتوجهاتها السياسية وفي المقابل شجع العراق المعارضة السورية وقدم لها كل أوجه الدعم على أرضه. وبالنسبة للدوافع السورية فإنها تتنوع ما بين اقتصادية وأخرى استراتيجية, وقد عبرت بعض الشخصيات السورية الرسمية عن بعض هذه الدوافع فقد أشار نائب رئيس الجمهورية السوري عبد الحليم خدام إلى ضرورة تطوير العلاقات مع العراق على قاعدة (العمق الجغرافي) و(الوحدة الأيديولوجية) واعتبر خدام أن مواصلة الضغط على النظام العراقي أحد أمرين إما عودته إلى المنطقة عبر التطبيع مع إسرائيل على حساب سوريا والموقف العربي القومي أو تقسيمه على أساس ديني قومي, ولكلا الأمرين أو لأحدهما انعكاساته الخطيرة على سوريا. وفي ضوء تلك المقولة بدأت سوريا في التقارب نحو العراق على أمل أن يساعد ذلك في حدوث إنعاش للاقتصاد السوري المتعثر والذي صار يؤمن بقوة التكتلات الاقتصادية الإقليمية. غير ان الواقع الأهم والأبرز يتعلق بعملية السلام مع إسرائيل خاصة بعد رحيل الرئيس حافظ الأسد وفي ظل الآفاق الكئيبة التي صارت ترمي بظلالها على المنطقة بعد توقف عملية المفاوضات بسبب طريقة التعاطي الإسرائيلية, وبعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني مضافاً إليها تطورات عملية السلام على المسار الفلسطيني. وفي ظل ذلك الوضع صارت دمشق تدرك أهمية الاقتراب من العراق كأسلوب لإعادة التوازن الجيبوليتيكي في المنطقة رغم كل الخلافات التاريخية وقلة الثقة بالنظام العراقي ورغم وطأة وشدة القرارات الدولية المفروضة على العراق وأيضاً رغم التحفظات من بعض الدول الخليجية, كما تعمل دمشق من خلال تقاربها مع العراق إلى الاستفادة من كل الأوراق الممكنة في إطار مشروعها التفاوضي مع إسرائيل, وفي هذا السياق يرى بعض المراقبين أن سوريا بدأت في التلويح بالورقة التي تحتفظ بها منذ عهد الرئيس حافظ الأسد وهي ورقة التحالف بين دمشق وبغداد وما تعنيه من تكريس لمحور يهدد بقلب الأوضاع في المنطقة ومواجهة المخططات الأمريكية بانضمام طهران إليه حيث يمكن أن يتم تفعيل محور (دمشق ــ بغداد ــ طهران) مثلاً ليصبح واقعاً فيما لو سارت عملية التسوية مع إسرائيل نحو آفاق مسدودة, وعلى جانب آخر يرى البعض أن سوريا تهدف من تقاربها مع بغداد إلى تفعيل أكبر لدورها الإقليمي ويرى هؤلاء ان هذا التفسير صار ضرورياً لأن قيمته لا تقف عند حدود العلاقات بين بلدين عربيين بل لأن امتداداته الجغرافية (إيران) ربما تجعل طريقة التعاطي الإسرائيلي مع ملف السلام تأخذ في الحسبان العمق القومي والبعد الإقليمي للدول العربية. السيناريو الأسوأ ولا تهمل دمشق السيناريو الأسوأ مع إسرائيل .. فالمتابع للخطاب السياسي السوري في لحظات التقارب مع العراق يلاحظ أن دمشق تضع في حسبانها احتمال قيام حرب إسرائيلية ضد سوريا خاصة في ظل أزمة الاحتقان السياسي التي تعيشها دول المواجهة وفي حالة كهذه تعمل سوريا على تأمين جبهة خلفية توفر لها نوعاً من الاحتياطي الإسرائيلي في عناصر المواجهة العسكرية, وقد تحدثت بعض التقارير الإعلامية عن أن الطائرات وأقمار التجسس الأمريكية قد رصدت عملية تحرك لفيلق من الحرس الجمهوري العراقي (حمورابي) وحذرت بعد التقارير الاستخباراتية من توجه الفيلق في اتجاه سوريا وذلك استعداداً لدخول الحرب ضد إسرائيل إلى جانب سوريا. وأخيراً فإن سوريا في اتجاهها نحو التقارب تجاه العراق معنية بأن تتوخى الحرص مع دول الخليج خاصة الكويت والسعودية خصوصاً وأن سوريا لا تستطيع الاستغناء عن التعاون مع دول مجلس التعاون لأن الأخيرة باتت لها وزنها السياسي وثقلها الاقتصادي في المنطقة, وفي هذا السياق فإن دمشق مضطرة لبذل الجهود المقنعة على المستوى الخليجي لتوضيح موقفها من التقارب مع العراق وهذا يتطلب منها أيضاً جهوداً مضاعفة لمساعدة دول الخليج والكويت تحديداً على الترفع عن الجرح القومي الذي كان من ورائه النظام العراقي, لذلك فإن رأب الصدع سيحتاج للوقت الكثير ولخطوات عملية تقوم بها دمشق في إطار مشروع التقارب مع بغداد, كما عليها أيضاً أن تعمل على إقناع بغداد بتنفيذ مقررات الشرعية الدولية أو أن تعمل على حل قضية الأسرى الكويتيين في السجون العراقية. التحرك صوب مصر استطاعت الدبلوماسية العراقية في الآونة الأخيرة أن تحسن علاقاتها مع مصر خاصة وأن تطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية مع القاهرة هو إحدى الأولويات التي يضعها صدام حسين على أجندة علاقاته العربية خاصة وأنه سبق أن أصدر توجيهات للمصالح والجهات العراقية بإعطاء أفضلية للشركات والمنتجات المصرية في الأسواق في إطار اتفاق النفط مقابل الغذاء, ولاشك أن محاولات العراق المستمرة تهدف في الأساس إلى دفع القاهرة من أجل المساعدة في رفع الحظر المفروض منذ عام ,1990 وكانت الحكومة العراقية قد طالبت أكثر من خمس مرات على مدار السنوات الأربع الماضية ــ من نظيرتها المصرية استئناف علاقاتهما الدبلوماسية وإعادة تبادل افتتاح سفارتيهما في القاهرة وبغداد, ولم يكن الرد المصري ــ على حد قول المصادر العراقية ــ سلبياً كما أنه لم يكن إيجابياً وهو ما اعتبرته بغداد نوعاً من التحفظ على الاستجابة لمطالبها في هذا الصدد. وفي هذا السياق يرى المتابعون ان القاهرة بدأت تتجاوب نسبياً مع الدعوات العراقية لاستئناف العلاقة في ضوء المصالح الاقتصادية التي تسعى مصر نحو الاستفادة منها. وفي إطار تجاوبها مع العراق بدأت مصر في تصعيد حملتها المؤيدة لإنهاء العقوبات ورفع الحظر عن العراق حيث أشارت بعض المصادر الدبلوماسية أنه قد حان الوقت لإنهاء العقوبات, كما رفضت هذه المصادر أبدية هذه العقوبات وفي نفس الوقت أكدت المصادر تأييد مصر إلى أهمية تنفيذ قرارات الشرعية الدولية وحل الخلافات العالقة بين الكويت والعراق في إشارة إلى مسألة الأسرى والمفقودين الكويتيين, ومن جهة أخرى دعا وزير الخارجية المصري عمرو موسى في 28 يوليو الماضي إلى (رفع الحظر الدولي المفروض على العراق منذ اجتياحه الكويت عام 1990 معتبراً أنه غير مقبول لا عربياً ولا منطقياً) كما أشار موسى إلى ان (موقف مصر والموقف العربي واضح من ضرورة إنهاء الحصار الاقتصادي على العراق). وفي ضوء ذلك الموقف المصري الرسمي تبادلت بغداد والقاهرة خطوات التقارب على المستوى الشعبي أو الاقتصادي والتجاري وحتى الدبلوماسي .. فقد شهد المستوى الشعبي للعلاقات المصرية ــ العراقية نمواً متزايداً في حجم نشاطات اللجان الشعبية لمناصرة العراق في مواجهة العقوبات الدولية ومن أبرز هذه اللجان: اللجنة الشعبية للتضامن مع العراق التي أسسها مثقفون ومفكرون وفنانون وحزبيون عام ,1994 وهناك أيضاً اللجنة المصرية لإغاثة أطفال العراق التي تقوم بأنشطة إنسانية لمساعدة العراقيين, وقد استطاعت هذه اللجان أن ترسل طائرات مصرية للمساهمة في خرق الحظر الجوي, وبصفة عامة فإن نشاط الجمعيات المصرية تركت آثاراً إيجابية على مستوى التعاطف الشعبي مع العراق, كما أن السلطات المصرية لا تعارض عمل هذه الجمعيات واللجان بل وتعتبره دليلاً على الرغبة الأكيدة للشعب المصري في تخفيف المعاناة والحصار المفروض على الشعب العراقي بكل الوسائل المتاحة. وعلى الجانب الاقتصادي فتشهد العلاقات الاقتصادية والتجارية بين بغداد والقاهرة تطوراً ملحوظاً على مدى السنوات الأربع الماضية حيث تم إعادة فتح المكتب التجاري المصري والعراقي بالتبادل بين الطرفين, كما قام أكثر من وزير مصري بزيارة بغداد لمتابعة هذه العلاقات الاقتصادية, ومما يزيد من قوة العلاقات الاقتصادية بين بغداد والقاهرة أنه تم الاتفاق أثناء اجتماعات اللجنة المشتركة للتعاون التجاري المصري العراقي على أن يصل حجم الصادرات المستهدفة خلال عام 2000 إلى 2.1 مليار دولار مقابل نحو 400 مليون دولار عام ,1999 بل من المتوقع أن تصل هذه الصادرات إلى نحو ملياري دولار خلال عام 2001 في ضوء الزيارات المتبادلة بين الوزراء والعلاقات المباشرة بين الشركات المصرية والحكومة العراقية. وبالنسبة للمستوى الدبلوماسي .. فمن المعروف أنه قد تم قطع العلاقات الدبلوماسية بين الدولتين في أعقاب أزمة الخليج الثانية, إلا أن القاهرة وبغداد قد استأنفا علاقتهما الدبلوماسية على مستوى شعبة رعاية المصالح من خلال سفارة الهند في عاصمة البلدين عام 1993 حيث يترأس شعبة رعاية المصالح العراقية في القاهرة قائم بالأعمال يعاونه سبعة أعضاء من البعثة الدبلوماسية العراقية ويقتصر عمل الشعبة على منح التأشيرات للراغبين في القيام بزيارة بغداد, وخلال السنوات الأربع الماضية طالب العراق بضرورة استئناف العلاقات الدبلوماسية كاملة مع مصر وهو ما لم تستجب له القاهرة بصورة واضحة وإن كانت لهجة القاهرة بدأت في التغير تجاه العراق وقد بدا ذلك واضحاً أثناء مؤتمر القمة العربية الذي عقد أخيراً في القاهرة فقد برر الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس مبارك دعوة العراق للجهاد ضد إسرائيل بأن العراق لم يقصد إعلان الحرب وإنما قصد الجهاد بصوره وأشكاله كافة عن طريق الدعم المعنوي والمادي والسلاح, وفي هذا السياق أيضاً اعتبر مساعد وزير الخارجية المصرية سليمان عواد أن التصريحات التي صدرت في لندن عن انتهاك حقوق الإنسان في العراق مثيرة للدهشة ووصف التصريحات بأنها من قبيل (ازدواجية المعايير) واستخدام (اليد الغليظة مع العراق واليد الحانية والقفاز الحريري مع إسرائيل) مؤكداً أن ما يتعرض له الإنسان في العراق هو المعاناة بسبب استمرار العقوبات التي تمثل انتهاكاً لحق الإنسان العراقي في الحياة والتنمية. وفي السابع من نوفمبر الماضي تم إعادة افتتاح السفارتين المصرية والعراقية على مستوى القائم بالأعمال وتم رفع الأعلام فوق مقر السفارتين ويعني ذلك أن شعبتي رعاية المصالح المصرية والعراقية لم تعد بحاجة إلى العمل كما هو الحال في السابق تحت العلم الهندي وإنما أصبح كل منهما كياناً دبلوماسياً وإن لم يرق إلى مستوى السفارة المتعارف عليه, ومع أن الاتفاق على تبادل رفع الأعلام لا يمثل بالضرورة عودة كاملة للعلاقات الدبلوماسية المقطوعة بين القاهرة و بغداد منذ اندلاع حرب الخليج الثانية عام1990 إلا أن الزخم المعنوي لهذه الخطوة يمثل أهمية نسبية كونها تعتبر مؤشراً على التحسن المستمر في العلاقات المصرية ــ العراقية. وفي هذا السياق فقد أشارت بعض المصادر الدبلوماسية العربية في القاهرة اختيار كل من نوري التكريتي قائماً بالأعمال العراقي بدرجة سفير بالقاهرة وكذلك اختيار محسن خليل سكرتير صدام حسين الصحفي السابق مندوباً دائماً لدى الجامعة العربية يعكس الأهمية الكبيرة التي توليها الحكومة العراقية لأنشطتها في القاهرة وسعيها إلى الانتشار السياسي والدبلوماسي والأمني على الساحة المصرية خاصة وأن التكريتي وخليل على درجة كبيرة من المسئولية الأمنية والمخابراتية. وعلى الجانب الآخر تقول المصادر الدبلوماسية في القاهرة أن الاتفاق على تبادل العلمين هو بمثابة مكافئة مصرية للعراق بسبب التزامه باتفاق توصل إليه الطرفان قبيل انعقاد القمة العربية الطارئة التي استضافتها القاهرة يومي 22,21 أكتوبر الماضي وأوضحت هذه المصادر أن عدم إثارة العراق لأية قضايا جانبية على هامش هذه القمة, فضلاً عن إعلان الرئيس العراقي صدام حسين رسمياً موافقته على تخصيص القمة لدعم الشعب الفلسطيني قد أسهم في نجاح المؤتمر خاصة وأن العراق الذي طالب بإعلان الجهاد على إسرائيل. وفي ضوء تلك العلاقات بين القاهرة وبغداد وخاصة الاقتصادية التي تعول عليها مصر كثيراً يبرز السؤال وهو هل يمكن أن تتطور العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية الحالية (على مستوى قائم بالأعمال) بين الجانبين إلى إقامة علاقات دبلوماسية كاملة وتطبيع العلاقات السياسية؟.. الواقع أن المصادر المصرية الرسمية أكدت أنه لا علاقة بين المستوى الراهن ــ للعلاقات المصرية ــ العراقية في الإطار الاقتصادي أو التجاري وأي أطر أخرى بما في ذلك الإطار الدبلوماسي, وقالت هذه المصادر أن قرار استئناف العلاقات الدبلوماسية الكاملة بين القاهرة وبغداد يخضع لاعتبارات سياسية بالدرجة الأولى وليس لاعتبارات اقتصادية أو تجارية, كما أشارت المصادر إلى أن القاهرة لا ترى ضرورة ملحة في استئناف علاقاتها الدبلوماسية المقطوعة مع العراق. وعلى النقيض من الموقف الرسمي يرى المراقبون أن تطور العلاقات التجارية قد يكون له أثار إيجابية على دفع الحكومة المصرية لتطوير علاقاتها الرسمية السياسية مع العراق بما في ذلك استئناف العلاقات الدبلوماسية المقطوعة, خاصة وأن هناك 2.1 مليون مصري في سوق العمل العراقية التي يمكن أن تستوعب المزيد, كما رأى المراقبون أن هناك إشارات تدل على قرب عودة العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين أبرزها تبادل الأعلام بين القاهرة وبغداد على مقار السفارات وإن كانت على مستوى القائم بالأعمال فقط. ومما يزيد من جدية توقعات المراقبين أن بعض وسائل الإعلام قد ذكرت أن الخارجية المصرية تدرس في تكتم شديد فرص تعزيز وتطبيع العلاقات المصرية العراقية على وجه السرعة أسوة بالقرار السوري الخاص بتطبيع العلاقات مع بغداد استناداً إلى خلفية الموقف المصري بأن العقوبات طال أمدها وسنوات الحصار حان وقت إنهائها, إلا أن مصر تفضل أن تأتي خطوة تطبيع العلاقات مع بغداد بشكل تدريجي ومتسق مع القرارات المتوقع صدورها في القمة العربية الدورية التي ستعقد في مارس المقبل في عمان بالأردن من أجل اتخاذ خطوات إيجابية نحو المصالحة العربية ــ العربية, ولذا فإن خطوة قرار القمة العربية القادمة في الأردن سوف تتبعها خطوات مصرية مرتقبة نحو عودة العلاقات كاملة مع العراق حيث سيسبق هذا التحرك اتصالات سياسية مهمة مع السعودية والكويت, حيث ستكون قضية العراق وإمكانية عودته إلى الصف العربي وإعادة النظر في الحصار العربي قبل الحصار الدولي موضوعاً مشتركاً ورئيسياً في مباحثات موسى في السعودية والكويت. العلاقات مع الأردن استطاع العراق أن يطور نمط علاقاته مع الأردن فبعد أن كانت بغداد تعول على عمان كبوابة لها ومنفذ للعالم الخارجي أصبح الأردن هو الذي يرغب في تدعيم علاقاته مع الحكومة العراقية فقد أصبح الأردن أكثر حاجة للعراق الذي يمده بحاجاته الأساسية من النفط وبأسعار تفضيلية خاصة وأن بغداد قد وجدت لها منفذا وبوابة بديلة عن عمان وهي دمشق التي أصبحت محطة عبور عراقية نحو العالم الخارجي. بداية كانت العلاقات الأردنية العراقية قد أخذت بالتوتر خلال فترة حكومة عبدالرؤوف الروابدة السابقة في الأردن وقد تباينت آراء المراقبين بخصوص أسباب ذلك التوتر فالبعض أشار ــ وحسب وجهة النظر العراقية ــ إلى أن تلك الحالة تعود إلى مبالغة حكومة الروابدة في تطبيق تعليمات حرفية تحكم الحصار على تحركات المسئولين العراقيين الذين يمرون عبر الحدود الأردنية, ومما يزيد من هذه الأزمة قيام بغداد في مايو الماضي بإعدام مواطن أردني دون أن تبلغ السلطات الأردنية بالأسباب الداعية لإعدامه, كما رفضت السلطات العراقية الاستجابة لأي وساطات على جميع المستويات, وقد اعتبرت بعض المصادر أن إعدام المواطن الأردني كان رسالة للسياسة الأردنية التي كانت قد بدأت في التقارب مع الكويت, ومما يدعم ذلك الرأي أن التقارب الأردني ــ الكويتي قد رافقه تراجع في حركة التبادل التجاري بين الأردن والعراق, كما تزامن مع استخدام المسئولين العراقيين دمشق ممراً لهم في رحلاتهم الخارجية بدلاً من عمان. وعلى جانب آخر يرى فريق ثان ان أسباب التوتر في العلاقات بين الدولتين يعود إلى طلب العراق من الأردن أن يكون رأس جسر عربي يكسر العقوبات وخرق الحصار الدولي وذلك بالبدء على الأقل بتسيير رحلات جوية مدنية بين البلدين وهو ما لم تكن عمان قادرة على تنفيذه في ظل الظروف الدولية القائمة. وكان نائب الرئيس العراقي طه ياسين رمضان قد أشار أثناء زيارته للأردن في منتصف يوليو الماضي إلى أنه طبقاً للبند 50 من ميثاق الأمم المتحدة يحق للأردن عدم الالتزام بقرارات الحصار على اعتبار أن الاقتصاد الأردني متضرر بشدة من هذه القرارات, غير أن العلاقة الاستراتيجية بين واشنطن وعمان لم تخول الملك الشاب سوى أن يعد رمضان بالضغط على الأمم المتحدة من خلال القنوات الشرعية المعروفة لرفع الحصار. ومع قدوم حكومة المهندس علي أبو الراغب بدأت العلاقات في التحسن.. فرئيس الوزراء الأردني الجديد له علاقة جيدة مع بغداد بحكم تواجده في القطاع الخاص الأردني منذ فترة طويلة, ومما يدعم هذا الأمر ما ورد في كتاب التكليف الملكي لحكومة أبو الراغب بخصوص العراق حيث أكد العاهل الأردني على حرص بلاده الدائم على وحدة العراق وسيادته على كامل أراضيه داعياً المجتمع الدولي للقيام بواجبه تجاه العراق برفع الحصار. ومن جانبه أكد أبو الراغب على أهمية خلق أجواء حميمة مع بغداد وهو ما ظهر بوضوح في بيان حكومته أمام مجلس النواب وهو ما اعتبره المراقبون تحولاً جديداً نحو العراق لاسيما أن رئيس الوزراء الأردني ومواقفه تصب في خانة دعم العلاقات مع العراق وإعطاءها أولوية على غيرها من العلاقات, وهو ما لقي آذاناً صاغية لدعم قطاع التجار ورجال الأعمال الأردنيين الذين يعتمدون اعتماداً شبه كامل على المستهلك العراقي لترويج منتجاتهم. وقد استمرت العلاقات الأردنية العراقية في التحسن حتى أن عمان كانت أول دولة عربية ترسل طائرة تابعة للخطوط الملكية الأردنية. وفي 27 سبتمبر الماضي في مسعى لخرق الحظر الجوي المفروض على العراق وكان على متن الطائرة وفد مكون من سبعين عضواً برئاسة وزير الصحة طارق سميحات, ورغم أن المصادر الأردنية أكدت أن المرحلة لا تنطوي على أغراض سياسية فإن بعض المراقبين أكدوا على المضمون السياسي للرحلة الذي ينطوي على تأييد وتقارب واضح مع العراق ولكن من دون الوصول لحد التصادم مع السياسات الأمريكية في المنطقة. وجاءت زيارة رئيس الوزراء الأردني علي أبو الراغب للعراق على متن طائرة لتكون بمثابة خطوة أردنية واضحة للتقارب مع العراق وإعلان التأييد لرفع الحظر والعقوبات عنه .. حيث كان أبو الراغب أول مسئول عربي يزور بغداد على هذا المستوى منذ عشر سنوات وأثناء زيارته تم توقيع ثلاث اتفاقيات مهمة للأردن الأولى تقضي بــ (تزويد الأردن أربعة ملايين طن من النفط الخام العراقي ومليون طن من المشتقات النفطية) وهو ما يعادل كل احتياجات الأردن البترولية لعام ,2001 وستقدم بغداد نصف الكمية مجاناً والنصف الآخر بأسعار تفضيلية هي 20 دولاراً للبرميل, والاتفاق الثاني هو زيادة حجم التبادل التجاري مع العراق إلى 400 مليون دولار عام 2001 في مقابل 300 مليون دولار عام ,2000 أما الاتفاق الثالث فيقضي بإنشاء خط أنابيب للنفط بين الأردن والعراق بتكلفة 350 مليون دولار وبطول 75 كيلو متراً يمتد من منطقة الحديثة في العراق إلى معامل تكرير شركة مصفاة النفط الأردنية قرب عمان. وأخيراً فإنه إذا كان من السهولة معرفة دافع التقارب مع الأردن وهو المساعدة في خرق ورفع الحصار فإنه من الضروري معرفة دوافع الأردن في التقارب مع العراق حتى أن البعض أطلق على ذلك الأمر (الهرولة الأردنية) تجاه العراق .. والواقع أن الدافع الأساسي من التقارب الأردني العراقي هو النفط الذي يشكل القضية الأساسية على جدول العلاقات الثنائية باستمرار فالعراق يقدم نفطاً مجانياً للأردن بقيمة تصل إلى 300 مليون دولار سنوياً إضافة إلى تزويده بالمتبقي من احتياجاته النفطية بسعر تفضيلي أو تشجيعي يقل عن سعر السوق وهو ما يعني الاعتماد الأردني الواضح والمتزايد على النفط العراقي الأمر الذي يمكن ترجمته في ضرورة وجود واستمرار علاقات جيدة بل وممتازة مع الجانب العراقي. دوافع أخرى وبالإضافة إلى النفط هناك دوافع أخرى عديدة أهمها أن هرولة الأردن ــ على حد قول البعض ــ تجاه العراق ترجع إلى مخاوف الأردن من تقارب سوري عراقي بدت نتائجه واضحة المعالم والبروز مباشرة في أعقاب وفاة الرئيس حافظ الأسد واعتلاء نجله بشار الأسد الحكم حيث توطدت العلاقات التجارية بين دمشق وبغداد تدريجياً وبدا واضحاً من هذه الخطوات العراقية إرسال رسالة غير مباشرة للأردن حول مقدار الخسائر التي يمكن لعمان أن تتكبدها نتيجة علاقات سيئة مع بغداد. ولا تقتصر دوافع التقارب الأردني مع العراق على ذلك بل أنها تمتد لتشمل الأوضاع الاقتصادية الأردنية .. فالمملكة تعكف على إصلاحات اقتصادية محضة وتغرق في ركود اقتصادي شديد وتحاول جاهدة زيادة صادراتها, ويرى كثير من رجال الأعمال ومن الاقتصاديين الأردنيين أن العراق سواء الآن أو في مرحلة ما بعد الحظر تشكل أفضل حل للوضع الاقتصادي الراهن الذي تعاني منه المملكة, بمعنى آخر فإن إعادة تنشيط الروابط مع العراق يعد أمرا منطقيا فيما يشهد الاقتصاد الأردني مرحلة انتقالية صعبة تقتضي التحول إلى اقتصاد للخدمات أكثر تحولاً وقدرة على التنافس وأفضل استعداداً للمنافسة في الأسواق الأوروبية والأمريكية, ومن شأن المرحلة الانتقالية هذه أن تكون مؤذية لبرنامج الخصخصة في الأردن وهو البرنامج الذي سوف يؤدي في الغالب إلى تزايد البطالة فوق معدل ارتفاعها الخيالي الحالي حيث تصل إلى حوالي 30%, كما أن الإصلاحات في الإدارة الأردنية البيروقراطية من شأنها أيضاً أن تزيد أعداد العاطلين عن العمل, وحتى دخول الأردن منظمة التجارة العالمية من شأنه أن يصيب الصناعة بأضرار فادحة في المدى القصير. وفي ضوء أن برنامج الإصلاح الاقتصادي الأردني لن يعطي ثماره قبل سنوات عديدة فإنه من المرجح أن يسوء الوضع الاقتصادي قبل أن يبدأ في التحسن وبالنظر إلى هذا الواقع الاقتصادي في المدى القريب فإنه يبدو واضحاً ضرورة تعزيز الروابط الاقتصادية مع العراق في محاولة لزيادة الصادرات الأردنية إلى العراق والفوز بنصيب في مرحلة ما بعد الحصار مما قد يزيد من فرص العمل ويقلل الآثار الجانبية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي خاصة وأن العراق يمكن أن تستوعب الكثير من العمالة الأردنية التي تعاني البطالة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات