لاشك في ان جريمة غسل الاموال تترك آثارا بالغة السوء على اقتصاد الدول التي تكون مسرحا لها, وقد اصبحت الظاهرة من المشاكل المستعصية نتيجة للتطور المستمر في العمل المصرفي والمالي بسبب التقدم التقني الذي اسهم في تيسير عمليات غسيل الاموال وسهولة نقلها عبر الحدود. ويمكن توضيح آثار عمليات غسيل الاموال بما يلي: * تُضعف جرائم غسيل الأموال من بنية الاقتصاد, حيث يتم تهريب جانب من الدخل القومي المشروع خارج البلاد (وهي حصيلة النقود التي يحصل عليها تجار المخدرات, أو الأموال الحكومية العامة المستولى عليها نتيجة الفساد), ويؤدي ذلك إلى تراجع معدل زيادة الدخل القومي سنوياً, وزيادة العجز في ميزان المدفوعات, وحدوث أزمة سيولة في النقد الأجنبي تهدد احتياطيات الدولة من العملات الحرة لدى البنك المركزي. * يؤدي غسيل الأموال إلى حدوث خلل في توزيع الدخل القومي, وزيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء أو محدودي الدخل, مما يؤدي إلى عدم وجود استقرار اجتماعي, كما يرتبط بغسيل الأموال زيادة الإنفاق غير الرشيد, والذي يؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية, وحدوث ضغوط تضخمية في الاقتصاد الوطني, ويتأثر أصحاب الدخل المحدود وأصحاب الإعانات الاجتماعية بهذاً تأثراً شديداً. * يمكن أن تؤدي جرائم غسيل الأموال إلى انهيار البورصات التي تستقبل الأموال الناتجة من الجرائم الاقتصادية, حيث يكون اللجوء إلى شراء الأوراق المالية من البورصة ليس بهدف الاستثمار, ولكن من أجل إتمام مرحلة معينة من مراحل غسيل الأموال, كما يتم بيع الأوراق المالية بشكل مفاجئ, مما قد يؤدي إلى حدوث انخفاض حاد في أسعار الأوراق المالية بشكل عام في البورصة, ومن ثم انهيارها, كما قد يؤدي غسيل الأموال إلى انهيار البنوك المتورطة في عمليات الغسيل. هذا وتعتبر الإمارات من الدول التي باتت مستهدفة لعمليات غسيل الأموال في الفترة الأخيرة, ورغم أن حجم هذه العمليات لايزال محدوداً إلا أن الدولة سارعت باتخاذ عدة إجراءات وقائية لتسد الطريق أمام أي محاولة لاستخدام أرضها كمستقر لهذه العمليات الإجرامية, ويمكن رصد هذه الإجراءات فيما يلي: اجراءات محدودة * وقعت الإمارات على اتفاقية الأمم المتحدة في فيينا عام ,1998 والمتعلقة بسن قوانين وتشريعات لمكافحة غسيل الأموال, كما شاركت في الاجتماعات التي تهدف لإعداد اتفاقية دولية لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الحدود الوطنية, وهي الاتفاقية التي تدرج قضية غسيل الأموال في بنودها. * أنشأت وزارة الداخلية إدارة لمكافحة الجرائم الاقتصادية, كما تعمل الوزارة على رفع كفاءة ضباطها وأفرادها لمواجهة مثل هذه الجرائم من خلال عقد الدورات المحلية لتثقيف المنتسبين إليها بأركان الجرائم الاقتصادية, إلى جانب الدورات التخصصية المرتبطة بمكافحة غسيل الأموال. * وضعت الدول عدداً من اللوائح والقوانين التي تحكم عمليات التداول في سوق الأسهم, كما أن الحجم المسموح به لتعاملات الأجانب والمقيمين مازال مقنناً وفي شركات محدودة وبنسب منخفضة للغاية (20% فقط وعلى أسهم شركة واحدة), وهو ما من شأنه أن يبعد سوق الأسهم عن أية عمليات لغسيل الأموال. * أقرت الدولة ثلاثة مناهج عملية للحد من جرائم غسيل الأموال في المصارف وتتلخص في: اعرف عميلك, والمحافظة على سجلات التعامل والعملاء, والتدريب الجيد للمحققين الماليين لإكسابهم الخبرة العملية اللازمة لكشف مجرمي جرائم غسيل الأموال ومحاولات التلاعب بأموال المصارف. * قامت الإمارات بالتعاون مع بعض الدول في إطار هدف مكافحة عمليات غسيل الأموال, مثل تعاونها مع الولايات المتحدة لاستعادة اموال بنك دبي الإسلامي . * تفرض الإمارات قوانين صارمة على مهربي وموزعي المخدرات تصل إلى حد الإعدام, كما أن هناك ثلاثة أنواع من العقوبات للشخص الذي يقوم بعمليات الغسيل, وللشخص الذي يمتنع عن الإدلاء بمعلومات أو التعاون مع الجهات الرسمية. * أصدر المصرف المركزي مؤخراً نظام إجراءات لمواجهة غسيل الأموال يطبق على البنوك والصرافات وشركات التمويل والمنشآت المالية الأخرى, ويشمل أيضاً أعضاء مجالس الإدارات والموظفين في هذه المنشآت المالية, كما يطبق على الفروع والشركات التابعة للمنشآت المالية المؤسسة في الدولة والعاملة في خارج الدولة إذا كانت الدول التي تعمل بها هذه الفروع والشركات التابعة لا تطبق أي إجراءات, أو تطبق إجراءات أقل منها, حسابات وانظمة ويشدد هذا النظام فيما يتعلق بالوثائق المطلوبة لدى فتح الحساب: حيث يجب التأكد من الحصول على جميع المعلومات والو ثائق الضرورية والتي تشمل: الاسم الكامل لصاحب الحساب والعنوان الحالي وفحص جواز السفر الفعلي والاحتفاظ بنسخة منه. وبالنسبة للأشخاص الاعتباريين فالوثائق المطلوبة هي: صورة الرخصة التجارية مع تدوين تاريخ التجديد, وكذلك اسم وعنوان المالك وعناوين الشركات. وبالنسبة لشركات المساهمة العامة, يجب الاحتفاظ بأسماء وعناوين المساهمين الذين تزيد ملكيتهم على 5%. وبالنسبة للجمعيات التعاونية أو الخيرية أو الاجتماعية فيجب على البنك عدم فتح الحسابات إلا للجمعيات التي تقدم شهادة أصلية موقعة من وزير العمل والشئون الاجتماعية تؤكد شخصيتها والسماح لها بفتح الحسابات المصرفية, كما أن جميع التغيرات اللاحقة في المعلومات يجب أن يتم تحديثها بانتظام, كما يمنع النظام فتح حسابات بأسماء أو أرقام مستعارة. كما يتضمن هذا النظام عدداً من الضوابط, هي: * يجب على البنوك التحقق من هوية العميل الذي يرغب في الدفع نقداً مقابل الحوالات, في الحالات التي تزيد قيمة المعاملات المصرفية فيها على 200ألف درهم أو أكثر أو ما يعادلها بالعملات الأخرى, إذا لم يكن له حسابات في البنوك. * ونفس الحال ينطبق على حالة استلام تحويل لكي يدفع نقداً أو على شكل شيكات مسافرين لأشخاص ليس لديهم حسابات في البنك أو وردت عن طريق إحدى الصرافات وكانت قيمته 200ألف درهم أو أكثر أو ما يعادلها بالعملات الأخرى. * كما يجب الانتباه والأخذ بالحيطة والحذر حينما تودع مبالغ نقدية أو شيكات في حساب قائم بواسطة شخص أو الأشخاص لا تظهر أسماؤهم في عقد توكيل يخص ذلك الحساب, أو كان هؤلاء الأشخاص من غير الموظفين أو المراسلين لصاحب الحساب. في حالة الشك بعملية غسيل أموال يجب عمل الآتي: * التحقق من هوية العميل بغض النظر عما إذا كان المبلغ المعني 200ألف درهم أو أقل. * الاحتراز بشكل خاص بشأن استئجار صناديق الأمانات, ويجب تسجيل تفاصيل عن العملاء الذين يستأجرون صناديق أمانات يزيد حجمها على 70سم X 70سم. * الحذر في حالة كون المستفيد من خطابات الاعتماد أو كون شركات الشحن مملوكة من قبل عميل البنك, ويجب فحص الوثائق على أساس انتقائي منتظم مع شركات الشحن وسلطات الجمارك ــ الميناء ـ المطار, كما يجب أن يكون حجم التسهيلات مطابق للضمانات في الحيازة ومع طبيعة العمل أو مستوى النشاطات. * لمواجهة احتمال غسيل الأموال عن طريق الخدمات المصرفية الإلكترونية, على البنك أو المنشأة المالية التي توفر لعملائها أنظمة التحويل الإلكتروني أن تراعي في البرامج المستخدمة قيامها برصد كافة المعلومات المصرفية غير العادية, بهدف تمكين المنشأة المالية المعنية من الإبلاغ بشأن تلك المعاملات. كما على البنوك أن تطلب من عملائها من شركات التأمين في حالة شراء بوليصة التأمين على الحياة الادخارية بمبلغ أولى قدره مليون درهم نقداً أو أكثر أو ما يعادلها من العملات الأخرى, أن يطلب من ذلك الشخص ملء نموذج خاص لتقديمه في إيداعات شركة التأمين المعنية, وإذا أشتبه البنك فعليه الاتصال بالبنك المركزي. * على البنوك التأكد من مصدر الأموال النقدية المقدمة من محلات المجوهرات للتحويل إلى الخارج أو للإيداع في الحساب, وكذلك ملء نموذج خاص في حالة مشتريات الذهب التي تزيد على 500ألف درهم. * في حالة المبالغ النقدية المشكوك فيها أو المضبوطة في نقاط الحدود أو نقاط الطرود البريدية أو البضائع المشحونة أو في الحملات الأمنية يقوم المصرف المركزي بالتنسيق مع السلطات المعنية. * على البنوك عدم قبول خصم شيكات أطراف ثالثة غير معروفة من خارج الدولة ما عدا البنوك, حتى وإن كان بإمكانها تحصيلها لدى البنوك المراسلة, وعلى البنوك أيضاً نصح عملائها بعدم قبول مثل هذه الشيكات حتى ولو قدمت برسم التحصيل. اجراءات اخرى * عند القيام بقبول الأوراق المالية وأدوات الاستثمار الأجنبي لإيداع قيمتها في حساب عميل أو لرهنها مقابل قرض, على البنوك أن تتأكد من أنها صحيحة غير مزورة, وتستفسر عن مصدر أموال الشراء وإذا ثبت أنها مزورة أو أن مصدر الأموال المستخدمة في شرائها غير قانوني فيجب تسليمها للبنك المركزي بعد إخطار العميل. * التعاون بين البنوك والصرافات والمنشآت المالية الأخرى, وعلى هذه الجهات أخذ موافقة المصرف المركزي قبل اتخاذ أي خطوة من الخطوات الآتية : * رفض استلام التحويل وإرجاعه, وتجميد المبلغ المحول, وتعطيل تعليمات التصرف به, وإغلاق حساب العميل المحول إليه وبعد موافقة البنك المركزي وإصداره قراراً بتجميد أي مبلغ فيجب على البنوك إخطار صاحب الحساب المعني فوراً. * عدم فتح الصرافات للحسابات الجارية لدى البنوك والمنشآت المالية الأخرى خارج الدولة إلا بعد الحصول على موافقة البنك المركزي. * رفع التقارير بشأن المعاملات المالية والمصرفية غير العادية, فجميع البنوك والصرافات والمنشآت المالية وأعضاء مجالس إدارتها ومدرائها وموظفيها ملزمون بالإخطار عن أي معاملات مالية غير عادية تستهدف غسيل الأموال. * يتم معاقبة البنوك التي تتخلف عن الإبلاغ عن المعاملات المصرفية غير العادية المشبوهة وفقاً للقوانين والأنظمة السارية (السجن 5أعوام أو الغرامة بمبلغ مليون جنيه أو العقوبتين معاً). * يعاقب كل من يرتكب جريمة غسيل أموال بالسجن لمدة 14عاما أو الغرامة بمبلغ لا يتجاوز 5 ملايين درهم أو العقوبتين معاً ومصادرة المبلغ المستخدم في غسيل الأموال. * تتعاون الجهات الرسمية في الدولة مع الجهات المختصة الرسمية في دولة أخرى تربطها بالدولة اتفاقية مصدق عليها, أو شريطة المعاملة بالمثل في اتخاذ الإجراءات الملائمة لتقديم المعاونة في الأمور المتعلقة بجريمة غسيل الأموال, كما يجوز الاعتراف بأي حكم أو أمر قضائي ينص على مصادرة أموال أو متحصلات أو وسائط متعلقة بجرائم غسيل الأموال تَصْدُر من محكمة أو سلطة قضائية مختصة بدولة أخرى تربطها بالدولة اتفاقية مصدق عليها أو شريطة المعاملة بالمثل, وذلك كقرينة على أن الأموال أو المتحصلات أو الوسائط التي يشير إليها هذا الحكم أو الأمر جائز إخضاعها وفقاً لقانون. * وإضافة إلى هذه الضوابط الدقيقة التي أقرها البنك المركزي, يشير الخبراء الماليون إلى عدة مقترحات لتفعيل إجراءات الحماية ضد جرائم غسيل الأموال ومنها: * الاستفادة من خبرة عدد من البنوك العالمية التي اتجهت مؤخراً لرفضها إيداع مبالغ لديها في حسابات سرية تحسباً لاحتمالات تكوين هذه الأموال من جراء عمليات مشبوهة, والوقوف على المستجدات العالمية لمكافحة جرائم الأموال خاصة فيما يتعلق بعمليات (الغسيل) والعمل على إيجاد آلية تنسيق وتعاون دولي تقوم على تبادل المعلومات والخبرات القانونية والاقتصادية التي من شأنها مواجهة جرائم غسيل الأموال, والتعاون الدولي في تضييق الخناق حول الهاربين بأموال الجرائم المتعددة. * تطوير قوانين سرية الحسابات المصرفية, بحيث لا تقف عقبة أمام مكافحة الجريمة, وتعقب عمليات غسيل الأموال وإبطال مفعولها في التوقيت المناسب. * تدريب العاملين في البنوك والمؤسسات المالية ومؤسسات سوق المال والعاملين في الضرائب والجمارك والأمن العام والأمن الاقتصادي والأموال العامة على الأساليب الحديثة في كشف محاولات غسيل الأموال والإبلاغ عنها, وكيفية الاستفادة من التقدم العلمي والتكنولوجي في مكافحة غسيل الأموال. * توفيق أوضاع البنوك التي تم إنشاؤها بموجب اتفاقيات دولية خاصة ولا تخضع لإشراف ومراقبة البنك المركزي, والتي يمكن أن يساء استخدامها في عمليات غسيل الأموال, الأمر الذي يتطلب تعديل قوانين إنشائها بحيث يمكن مراقبتها مصرفياً والتحقق من عدم تورطها في غسيل الأموال. * مراقبة التحويلات القادمة من أو المتجهة إلى الدول المشهورة بتجارة المخدرات زراعة وإنتاج, والتفرقة بين النقد الأجنبي معلوم المصدر وغير المعلوم المصدر عند فتح الحسابات لدى البنوك, ومراقبة حركة المعاملات في الحسابات غير معلومات المصدر. * فرض الرقابة على أسعار الصرف حيث أن تحرير الصرف له أثره السلبي من خلال تيسير انتقال الأموال المغسولة عبر الدول المختلفة, وهو الأمر الذي يستدعي اتخاذ إجراءات وقائية من شأنها توفير المعلومات الخاصة بانتقال رؤوس الأموال بالقدر الذي يسمح باكتشاف الأموال المغسولة. * مكافحة التهرب الوظيفي والذي يمثل صورة من صور الجرائم المنظمة, ولذا على الدول أن تسعى لبناء نظام ضريبي فعال يسمح بالكشف عن الأموال المغسولة وتعقب أصحابها.