رغم ان تحقيق التقارب او المصالحة بين شطري شبه الجزيرة الكورية يبدو للوهلة الاولى امرا ذا طابع قومي يتعلق بتسوية صراع استمر نصف قرن بين ابناء امة واحدة, الا ان الواقع يؤكد ان هذا التقارب ـ ولا نقول الوحدة حاليا ــ تراقبه عن كثب في توجس عدة قوى خارجية, مع ترحيبها المعلن بهذا التقارب. ومما لاشك فيه ان الصورة التي ستتخذها هذه المصالحة لابد ان تتماشى على نحو ما مع مصالح كل من الولايات المتحدة واليابان والصين والاتحاد السوفييتي, بل واوروبا ايضا, ومن هنا ستظل هذه القوى مفتوحة الاعين تسعى بكافة السبل علنا احيانا ومن وراء ستار في معظم الاحيان لدفع جهود التقارب بين الكوريتين الى مسار يتفق مع مصالحها, ومن المؤكد ان النتيجة النهائية التي ستكون عليها صورة هذا التقارب لن تكون سوى انعكاسات وفقا لتوازن المصالح العالمية والاقليمية. محمية أمريكية والمعروف ان الولايات المتحدة سارعت الى وضع اقدامها في الشطر الجنوبي من كوريا بمجرد ان لاحت بوادر اندحار الاحتلال الياباني للبلاد خلال الحرب العالمية الثانية على يد الجيش الشعبي الكوري بزعامة كيم ايل سونج الذي كان معروفا بانتمائه الشيوعي, فاقر الحلفاء في مؤتمر بامستردام ان تحل الادارة العسكرية الامريكية محل الاحتلال الياباني جنوبي خط العرض 28 درجة بينما سيطر الشيوعيون على شمال هذا الخط بدعم من الاتحاد السوفييتي, ورغم اعلان قيام جمهورية كوريا في الجنوب عام 1948 الا انها ظلت من الناحية الواقعية شبه محمية امريكية في مواجهة النفوذ الشيوعي في الشطر الشمالي. ولجأت الولايات المتحدة الى دعم الحكومات المتعاقبة في سيئول بكافة السبل وساعدت البلاد على ان تصبح بعد ذلك من اقوى النمور الاقتصادية الآسيوية عبر ضخ الاستثمارات الاجنبية واقامة بنية اساسية قوية للاقتصاد الكوري الجنوبي بهدف خدمة القوات الامريكية المتواجدة هناك والتي يصل عددها حاليا الى نحو 37 الف فرد, كما عملت واشنطن على ان تجعل من الشطر الجنوبي نافذة عرض جاذبة تروج للنمط الرأسمالي في مواجهة النمط الاشتراكي في الشمال ولم تبخل في سبيل تحقيق ذلك من بذل كافة الجهود لتعزيز الاقتصاد الكوري الجنوبي, ورغم تشهير الاعلام الامريكي الدائم بحكم الفرد وانعدام الديمقراطية في الشمال, الا انها لم تلق بالا الى حقيقة الحكم العسكري الاستبدادي في الجنوب كما حرص الاعلام الغربي على التعمية على حقيقة ان الاقتصاد الكوري الجنوبي ليس اقتصادا رأسماليا بالمعنى الغربي المعروف لهذا الاقتصاد, وانما هو في الحقيقة اقتصاد قائم على رأسمالية الدولة ــ ان جاز القول ــ يعتمد اساسا على تدخل من الدولة في كافة انواع الانشطة الاقتصادية ويفرض قوانين حمائية مشددة لحماية الاقتصاد الكوري الجنوبي من المنافسة وتعزيزه ودعمه. وعلى الجانب الآخر, ظلت الولايات المتحدة ترقب في توجس وقلق نمو الآلة العسكرية في كوريا الشمالية مدعومة من الاتحاد السوفييتي والصين طوال فترة الحرب الباردة حتى حققت تقدما ملحوظا خاصة في برنامجها للصواريخ الباليستية وبناء قدرات تطوير السلاح النووي, وبدأت بالفعل تصدير اسلحة متقدمة وصواريخ لبعض بلدان الشرق الاوسط. العصا والجزرة ومثلما هي عادة القوة العظمى الوحيدة الحالية في العالم, لجأت الولايات المتحدة الى استخدام سياسة العصا والجزرة مع بيونج يانج التي دأبت الادبيات الغربية على تسميتها باسم (الدولة المارقة), باعتبار الامر الواقع الذي يقول ان كل من يخرج عن طاعة امريكا (مارق) بالضرورة ومارست واشنطن عددا من اساليب الضغط, على كوريا الجنوبية عبر حصارها سياسيا واقتصاديا والتهديد بفرض المزيد من العقوبات واستعداء المجتمع العالمي ضدها. حتى ان حكومة الرئيس الامريكي السابق كلينتون كادت ان تصل في عام 1994 الى حد اعلان توجيه ضربة صاروخية شاملة ضد كوريا, غير ان مساعي الرئيس الاسبق جيمي كارتر افسدت خطط دعاة الحرب في الادارة الامريكية, عندما ذهب كارتر الى بيونج يانج واجرى محادثات استمرت ثلاثة ايام استطاع بعدها الحصول على التعهدات التي كانت ادارة كلينتون تطالب كوريا الشمالية بتنفيذها, عندما وقع الزعيم كيم ايل سونج اتفاقا يقضي بتجميد برنامج بلاده النووي مقابل اقامة مفاعلين نووين يعملان بالماء الخفيف للاستخدامات السلمية وحصل بدوره على وعد من الولايات المتحدة بتقديم المساعدة العسكرية, وبعد وفاة الزعيم الشمالي كيم ايل سونج واصلت بلاده نشاطها النووي والصاروخي كما توسعت في صفقات مبيعات الصواريخ في منطقة الشرق الاوسط خاصة في زيادة حاجة بيونج يانج لتدبير العملات الصعبة بعد تردي اوضاعها الاقتصادية الذي اشتدت حدته مع ماشهدته البلاد من كوارث الفيضان الجارف. وزادت حدة الهلع الامريكي من اطلاق بيونج يانج الصاروخ الباليستي تاي يو دونج الذي اخترق الاجواء اليابانية وكان مداه يتسع ليشمل هاواي والاسكا ضمن اراضي الولايات المتحدة نفسها. وبات من الواضح اصرار كوريا الشمالية على المضي قدما في تصدير برامج الصواريخ البالستية واعلان وزارة خارجيتها في تقرير نشرته وكالة الانباء الكورية الشمالية ان قضية الصواريخ مسألة مبدأ لا يحتمل التنازل, وقال ان واشنطن تخطىء باعتقاد انها يمكن ان توقف برنامج الصواريخ, كما اتهم واشنطن باستخدام مسألة الصواريخ الكورية ذريعة لترويج برنامجها للدفاع الاستراتيجي. ضبط النفس وتزامن ذلك التطور مع تطور آخر له اهميته في كوريا الجنوبية وهو تنامي مشاعر العداء للامريكان بين شباب البلاد, ورغبة قطاع واسع من المواطنين في انهاء ما يعتبرونه شبه احتلال امريكي لاراضي وطنهم بدعوى حمايته من أي اعتداء يأتي من الشمال, وتزايد الدعوة داخل الرأي العام الجنوبي بتسوية الصراعات بينهم وبين جيرانهم في القطر الشمالي. وازاء ما تمثله القواعد العسكرية الامريكية من اهمية استراتيجية للولايات المتحدة بات عليها ان تمارس قدرا من ضبط النفس يتيح لها ان تظل متمسكة بخيوط الامور في تلك المنطقة الحيوية للغاية, فحرصت على مواصلة توثيق علاقتها بالنظام الحاكم في كوريا الجنوبية وتقديم الدعم والمساندة التقنية والاقتصادية بل والنووية للنظام في سيئول, مع اللجوء الى سياسة الجزرة لاستمالة الشماليين, فأعلن المسئولون الامريكيون عن استعداد بلادهم لمساعدة كوريا الشمالية على تطوير برنامجها الخاص بغزو الفضاء اذا تخلت بيونج يانج عن جهودها في تطوير الصواريخ الباليستية طويلة الاجل, كما اعلنت الحكومة الامريكية عن تخفيف العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على الدولة (المارقة) قبل نصف قرن, وذلك عبر فتح طريق جوية مباشرة بين الدولتين للمرة الاولى والسماح بالتبادل التجاري بينهما على ان هذه التقارب بالطبع لم يؤثر على اصرار الولايات المتحدة على المضي قدما في برنامجها للدفاع الصاروخي الذي تحرص دائما على تبريره بانه يهدف لحمايتها وحلفائها من خطر الدول المارقة مثل كوريا الشمالية وايران, وذلك رغم معارضة القوى الرئيسية في العالم لهذا البرنامج. ولعل هذه الملابسات هي التي دعت الولايات المتحدة الى الترحيب علنا بمحاولات تحقيق التقارب بين الكوريتين, وان كان من المؤكد انها ستسعى بكافة السبل الى ضمان الا يحدث هذا التقارب على نحو مستقل يستبعد الدور المهيمن للولايات المتحدة على المنطقة مثلما هو على العالم, فالواضح ان الولايات المتحدة ستسعى جاهدة لان يحدث هذا التقارب ولكن وفقا لشروطها وبما يمكنها من احتواء الدولة المارقة وتكريس نفوذها في آسيا. خيارات محدودة وبالنسبة لليابان, فرغم مخاوفها من حالة عدم الاستقرار التي تمر بها شبه الجزيرة الكورية, واعلانها الترحيب بجهود التقارب بين شطريها الا انها تشعر بالقلق ايضا بشأن العواقب الامنية لتطوير برنامج صواريخ كوريا الشمالية. وقد اوضح اطلاق الصاروخ تاي بو دونج ــ 1 في اغسطس 1998 الذي اخترق الاراضي اليابانية قدرة بيونج يانج على تهديد اهداف يابانية في حالة حدوث ازمة مستقبلا في شبة الجزيرة. وعزز اطلاق هذا الصاروخ تأييد قطاعات واسعة من الدوائر السياسية اليابانية لخيار التعاون مع الولايات المتحدة لتنشيط نظام الدفاع الصاروخي التكتيكي الاقليمي, كما دعم دوافع طوكيو لمواصلة التحالف الوثيق مع الولايات المتحدة بصرف النظر عن تأثيرات ذلك على شبة الجزيرة الكورية. وفي نفس الوقت, مازالت الخيارات المتاحة امام اليابان محدودة في حالة حدوث ازمة كورية, فهناك قيود دستورية على حق اليابان في تأكيد المسئوليات الجماعية للدفاع, ومازال الاطار القانوني للنظام السياسي الياباني غير واضح فيما يتعلق بالتدابير والسياسات التي تحكم إدارتها للازمة, كما تفتقر البلاد الى آلية امنية قومية فعالة. وهناك عامل آخر لا يقل أهمية بالنسبة لعلاقة اليابان بما قد يجري في شبه الجزيرة الكورية وهو التاريخ الامبريالي والاستعماري لليابان في كوريا الذي يوضح الحساسيات العميقة لدى الكوريين بشأن احتمالات تدخل اليابانيين في اي ازمة مستقبلية. ولعل هذه الأسباب كانت الدافع وراء احتكار اليابان موقف المتابع لتطورات التقارب بين الكوريتين بدلا من التدخل الصريح لتوجيه هذه التطورات, غير انه لم يفت على ادراك اليابانيين احتمال ان تجد طوكيو نفسها متورطة في ازمة كورية ربما تحدث مستقبلا, وان لم يكن على نحو عسكري مباشر, حيث تشير بعض التحليلات الى سيناريو يحتمل لحدوث نزاع مسلح في شبة الجزيرة الكورية, ربما تواجه اليابان بسببه ازمة تدفق لاجئين او تضطر للقيام بعمليات اخلاء ضخمة لمواطنين يابانيين يقيمون في كوريا الجنوبية, كما قد تضطر طوكيو لتقديم مساعدات للقوات الامريكية في حالة تدخل امريكا في مثل هذه الازمة عبر قواعدها العسكرية في اليابان. وهذه الاعتبارات مجتمعة كانت من اهم القضايا المثارة خلال بحث الخطوط العامة للدفاع العسكري الامريكي الياباني المشترك وفي تشجيع الولايات المتحدة لتعزيز المباحثات العسكرية بين كوريا الجنوبية واليابان. وهكذا, فبرغم تفضيل اليابان لتحقيق الاستقرار في شبه الجزيرة الكورية الا ان احتمالات وقوع ازمة في المنطقة وفقا لبعض التحليلات يدفع اليابان الى التمسك على نحو اكبر بتحالفها الامني بالتحديد مع الولايات المتحدة. الحليف التاريخي واذا انتقلنا الى موقف الصين التي تسعى منذ فترة لتعزيز علاقاتها مع العالم الغربي في اطار محاولاتها للانضمام الى منظمة التجارة العالمية, وما يتيحه لها ذلك من امكانية الوصول الى اسواق العالم المختلفة نجد انها لا تعارض بالطبع قيام وحدة قومية كورية, الا انها لن تقبل قط بقيام وحدة وفقا للشروط الامريكية اي باستدراج كوريا الشمالية (حليفتها التاريخية) الى حظيرة الولايات المتحدة على نحو يضمن السيطرة الامريكية الكاملة على شبه الجزيرة. ومن المعروف ان الصين تسعى بدأب الى ان تصبح قوة عظمى ضمن عصر التعددية القطبية المتوقع قريبا بعد انتهاء عصر الاحادية القطبية الذي نشهده حاليا, كما تحرص بكين على تكريس مكانتها كعملاق اقليمي في آسيا, لهذا فهي تساند كوريا الشمالية في مطالبتها باجلاء القوات الامريكية من كوريا الجنوبية كما تطالب بالمساواة في التنسيق على الانشطة النووية في كل من الكوريتين. ولعل ذلك هو ما دعا بكين الى زيادة مساعداتها الاقتصادية لبيونج يانج منذ منتصف العقد الماضي, كما اعلنت في اكثر من مناسبة معارضتها لنظام الدفاع الصاروخي القومي الامريكي وأكدت ان كلا من الولايات المتحدة واليابان تستخدمان البرنامج الصاروخي الكوري ذريعة لتبرير تطوير نظامهما الاقليمي للدفاع الصاروخي التكتيكي فيما استخدمت الصين الفيتو في مجلس الامن لمنع اصدار قرار دولي بادانة كوريا الشمالية بسبب انشطتها النووية. وفي نفس الوقت, لم تتوان الصين عن تعزيز علاقاتها السياسية والاقتصادية مع كوريا الجنوبية. ووصل حجم التجارة بين الدولتين حاليا الى نحو 25 مليون دولار واصبحت الصين تحتل المرتبة الثالثة بين اهم الشركاء التجاريين لكوريا الجنوبية. ومع ذلك, فما زال لدى بكين مخاوفها بشأن سيناريوهات مطروحة لتحقيق الوحدة الكورية خاصة تلك التي تعزز من الدور الامريكي في المنطقة المتاخمة للحدود الصينية والماسة بالقطع بمصالحها هناك. دور هامشي ثم نصل اخيرا الى العامل الروسي, فقد ظلت موسكو طوال معظم حقبة الحرب الباردة اكبر مصادر العون لبيونج يانج, وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي بات دور موسكو هامشيا في شبه الجزيرة الكورية, وبوجه خاص بعد تنامي العلاقات الاقتصادية بين كوريا الجنوبية والصين على نحو لم تعد فيه موسكو قادرة على المنافسة مع بكين, وتدريجيا بدأت روسيا تشعر بانها باتت مستبعدة تدريجيا من التطورات السياسية في شبه الجزيرة الكورية في عدد من المناسبات, فلم تدع روسيا على سبيل المثال الى المحادثات الرباعية التي جرت بين الولايات المتحدة والصين والكوريتين للاعداد للقاء القمة بين زعيمي الشطرين الجنوبي والشمالي, كما تراجع مستوى العلاقات الامنية والاقتصادية مع كوريا الشمالية. غير ان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي تعهد باستعادة مكانة بلاده كقوة فاعلة على الساحة الدولية ويتطلع الى الوقوف في وجه بسط الهيمنة الامريكية على العالم لم يدع مناسبة الا وسعى من خلالها لحشد اكبر قدر من المعارضة الدولية للنظام الدفاعي الصاروخي القومي الامريكي, بل دعا الى اقامة نظام دفاعي صاروخي مشترك في اوروبا. وقد سارع بوتين الى زيارة كوريا الشمالية بعد شهر واحد من اجتماع القمة بين الكوريتين في محاولة لانعاش حجم التبادل بين روسيا و (الشريك التاريخي) لها في الشطر الشمالي من شبه الجزيرة الكورية. وهكذا فرغم الترحيب الروسي العلني بالتقارب بين الكوريتين الا ان روسيا لم تخلص من مخاوفها بشأن امتداد النفوذ الامريكي الى كوريا الشمالية التي ظلت حليفا تاريخيا لها خلال معظم فترة الحرب الباردة. ومن هنا تتضح مدى صعوبة المضي قدما بشأن زيادة التقارب بين الكوريتين مع تعارض المصالح الدولية وصراع النفوذ بين القوى ذات المصالح في المنطقة الامر الذي يؤكد ان شكل التسوية المقبلة للصراع في شبه الجزيرة الكورية سيتوقف اساسا على تحقيق توازن بين هذه الارادات المتعارضة, الامر الذي ليس من المتصور حدوثه قبل مضي فترة زمنية ليست بالقصيرة على اي حال. بقلم: إكرام يوسف