الكوريتان تواجهان وحدة ام احتواء دولة مارقة؟

قبل ثمانية اشهر عقدت وسط ضجة اعلامية عالمية قمة تاريخية بين رئيسي الكوريتين وحفلت وسائل الاعلام بتغطيات واسعة للحدث تنضح بالتفاؤل بقرب لم شمل شعب فرقته الحرب الباردة والتناحر بين القوتين العظميين، آنذاك, ولم يفت الالة الاعلامية الامريكية والغربية بالتحديد ان تضفي على الحدث بعدا رومانسيا بالتركيز على لقاء افراد العائلات الممزقة بين شطري شبه الجزيرة الكورية الذين لم يلتقوا منذ نصف قرن تقريبا, وكيف كان اللقاء مؤثرا والمشاعر جياشة كما لم تغفل المحافل الاعلامية الاشارة الى جو الود والتفاؤل الذي ساد لقاء الزعيمين الشمالي كيم يونج ايل وسميه الجنوبي كيم داي يونج بل وذهبت بعض الاقلام الى الاشارة اليهما باسم (الاخوين كيم) بيد ان الاعلام الغربي حرص على الايحاء بان هذا اللقاء انفتاح من الشمال على الجنوب, وخروج للدولة المنعزلة او المنغلقة التي طالما سميت في الكتابات الامريكية خصوصا بالمارقة من انعزالها ولم تخل التغطيات الصحفية من مغازلة ظاهرة للنظام في كوريا الشمالية, فسجلت في اكثر من مناسبة قول مراسلين من كوريا الجنوبية او دول غربية ان زعيم كوريا الشمالية بدا ودودا لطيفا على غير الصورة التي كانت مأخوذة عنه بسبب عزلته وانغلاقه في السابق, بل ان مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية السابقة رددت نفس هذا المعنى بعد لقائها بكيم الشمال لكن الكتاب والمحللين الغربيين لم ينسوا التعريض ايضا بالتردي الاقتصادي والفقر في الشطر الشمالي والتلويح بالرخاء الذي سيجلبه الانفتاح على الغرب مع الاشارة بطرف خفي حينا والتصريح في معظم الاحيان بان ذلك مشروط بتخلي كوريا الشمالية عن برنامجها الصاروخي اولا وتوجهاتها المذهبية ثانيا فما هو شكل الوحدة الذي تسعى اليه الكوريتان وهل ينظر الشعبان في كوريا الى الوحدة من نفس المنظور, وماهي التباينات في رأي القوى الرئيسية المحيطة بالقضية من السيناريوهات المطروحة للوحدة؟ اكرام يوسف (أغنية للموتى) .. كان ذلك عنوان قصيدة اهداها الشاعر الكوري الشمالي اوه يونج ــ جي لروح والدته التي افترق عنها قبل خمسين عاما ولن يلقاها ابدا, والقى جي قصيدته في اول لقاء عقد بين العائلات الممزقة بين شطري شبه جزيرة كوريا في منتصف اغسطس من العام الماضي, وتقول ابيات القصيدة: هل ذهبت حقا .. أمي, أمي, لا اريد ان اصدق . لقد وعدت ان تبقين حية حتى نلتقي ثانية .. وقلت ان خطاباتي وصوري كانت تجلب لك السعادة .. لست بالأم التي تنكث وعودها, وانا لست بالابن الذي لا يصدق وعد امه. وتقول وقائع التاريخ ان الشعب الكوري الواحد ظل يقاوم الاحتلال الياباني تحت قيادة الزعيم الشيوعي كيم ايل سونج, وما ان لاحت بوادر الانتصار على المحتل حتى خشيت الولايات المتحدة من سيطرة الشيوعيين على هذه المنطقة المهمة في آسيا فسارعت بالتدخل لاحلال نفوذها محل الاحتلال الياباني الراحل الامر الذي دفع الاتحاد السوفييتي بدوره للتدخل لحماية حليفه كيم ايل سونج لتبدأ منذ 1945 مأساة تقسيم الشعب الواحد خدمة لمصالح اجنبية عنه فنشأت في الشمال جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بقيادة سونج وقامت في الجنوب الجمهورية الكورية تحت حكم موال للولايات المتحدة. وكان العديد من الجنوبيين قد فروا الى المناطق الشمالية التي تسيطر عليها قوات سونج هربا من عمليات القمع والتطهير الوحشية في ظل نظام سينج مان ري الموالي لامريكا في الجنوب, وما ان اندلعت الحرب بين الكوريتين في 1950 حتى فر الكثيرون ايضا الى الجنوب متأثرين بالدعاية الغربية هربا من الحكم الشيوعي واملا في حياة رغدة تضمنها المساعدات الامريكية وبين اولئك وهؤلاء الكثيرون من الجانبين الذين شتتهم ظروف الحرب التي استمرت ثلاث سنوات فتركوا ذويهم وراءهم او فقدوهم وسط خوض القتال. بون شاسع ولكن هل كان الداعي الحقيقي وراء الوحدة هو لم شمل الاقارب بعد فرقة دامت نصف قرن؟ وهل يكون ذلك سببا لتوحيد نظامين بينما يفصل بينهما بون شاسع من الخلاف الايديولوجي وفجوة اقتصادية, وتاريخ حافل بالتوجس وسباق التسلح: الامر كما هو واضح ليس شأنا رومانسيا, فالاقارب الذين تفرقوا قبل نصف قرن او من بقي منهم على قيد الحياة على الاقل ــ لم يعد معظمهم يعرفون بعضهم البعض, واتسعت شدة الخلاف بينهم باتساع البون بين النظامين, اذ لا يعقل ان يظل المرء خمسين عاما دون ان يترك الزمن والبيئة المحيطة اثارها على قناعاته وتوجهاته. وربما تعكس قصة شاعرنا اوه يونج جي ـ على سبيل المثال صورة الانقسام التي حدثت بين العائلات على الجانبين, فقد فر (جي) الى الشمال ليناضل ضمن قوات كيم ايل سونج ضد الحكم الموالي لامريكا في الجنوب قبل اندلاع الحرب بين الكوريتين في 1950. وطبقا للبيانات الرسمية في كوريا الجنوبية عبر مليون شخص الحدود الى الجنوب خلال الحرب التي استمرت ثلاثة اعوام بينما ذهب مئة الف الى الجانب الآخر او القى القبض عليهم واستقروا هناك, وعلى اي حال فقد استقر (جي) في الشمال واصبح شاعرا متميزا في ظل النظام الشيوعي. وكما هو معروف فقد بدأت كوريا الشمالية نهضتها الصناعية بسرعة في ظل كيم ايل سونج مدعومة من الصين والاتحاد السوفييتي, وبدأت كوريا الجنوبية قفزتها الاقتصادية في السبعينيات تحت حكم الديكتاتور (كما تصفه وسائل الاعلام الغربية نفسها) بارك تشانج هي مقتفية الى حد ما اثر النموذج الاقتصادي الياباني وبدعم قوي من الولايات المتحدة التي حرصت على تعزيز تواجدها في المنطقة عبر قواعدها العسكرية التي يبلغ قوامها حاليا 37 الف فرد وعبر الدعم الاقتصادي المتواصل الذي ساهم في جعل (الجمهورية الكورية) ضمن النمور الاقتصادية الآسيوية التي شكل نموها الاقتصادي معجزة قبل تعرضها لازمة 1998. واذا عدنا الى اسرة شاعرنا التي تركها في الجنوب سنجد شقيقه الاصغر اوه هيونج جي قد تخرج من اكاديمية عسكرية في كوريا الشمالية ودرس الرياضيات وعلوم الكمبيوتر في الولايات المتحدة, وقبل لقاء الاخوين ضمن اول مجموعة من العائلات تلتقي على الجانبين اعرب الشقيق الاصغر في تصريح لصحيفة (الجارديان) عن مخاوفه بشأن لقائه باخيه قائلا: ربما يكون شقيقي قد اصبح يساريا تماما بينما انا معاد للشيوعية تخرجت من مدرسة عسكرية ودرست في الولايات المتحدة ربما كان علينا ان نتوخى الحذر. ولعل في هذه الكلمات الواضحة ما يؤكد ان قضية التوحيد مسألة يتعين النظر اليها من زاوية المصالح في المقام الاول, وهي الزاوية الوحيدة التي يمكن اعتمادها في هذا العصر مصالح الكوريتين ومصالح القوى الاخرى المعنية بالقضية, وهي بالتحديد الولايات المتحدة واليابان والصين وروسيا. وحيدة في المعترك ففي القسم الشمالي, لم يعد التدهور الاقتصادي وتردي الاحوال المعيشية للسكان بالامر الذي يمكن ان يخفى على احد بعدما اسفر انهيار الاتحاد السوفييتي في 1991 وانشغال الصين بقضاياها الداخلية ومحاولاتها الانضمام الى منظمة التجارة العالمية وما استتبعه ذلك من التركيز على تحسين علاقاتها بالغرب. فوجدت كوريا الشمالية نفسها وحيدة في المعترك دون مساعدات خارجية تذكر مما دفعها الى التركيز على تطوير برامج الصواريخ البالستية حتى ان التقديرات الغربية تشير الى ان بيونج يانج باتت تخصص ما يقرب من 25 في المئة من الناتج القومي الاجمالي المتداعي بالفعل لاعتبارات التسليح. ومع معاناة استمرت تسع سنوات متتالية من التراجع الاقتصادي الذي تفاقم بفعل حالة الجفاف التي اصابت البلاد منذ 1994 وقضت على جانب كبير من المحاصيل الزراعية فضلا عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها الولايات المتحدة لاجبار البلاد على التخلي عن تطوير برامج الصواريخ البالستية مما اسفر عن نقص حاد في واردات الوقود والعملة الصعبة وبات من الجلي للجميع انه لم يعد امام بيونج يانج سوى السعي قدما في محاولات تحسين علاقاتها مع الغرب وتحقيق مصالحة مع الولايات المتحدة واليابان, مرورا بالطبع بمسألة تطبيع العلاقات مع كوريا الجنوبية ثم تحقيق الوحدة. بيد ان معظم معالجات المحللين الغربيين انصبت على استعراض الاوضاع الاقتصادية في بيونج يانج لابراز حاجتها للوحدة وجرى التعتيم على ان كوريا الجنوبية تعاني ايضا من تدهور في اوضاعها الاقتصادية, والذي بدأت بوادره حتى من قبل بداية الازمة المالية التي عمت آسيا في خريف 1997 حتى ان محللا بارزا مثل سانج يوك سوه وصف في دراسة له عن ازمة الاقتصاد الكوري افلاس مجموعة (هانبو) الكورية الجنوبية في يناير 1997 بانها (كشفت ضعف النظام الاقتصادي في سيئول امام مجتمع المال العالمي) مشيرا الى اعتماد الشركات الكبرى على القروض المصرفية على نحو مبالغ فيه والفساد السياسي وتورط دول النفوذ السياسي مع الشركات فضلا عن انعدام الشفافية في حسابات المجموعات الاستثمارية وضعف فعالية آليات الرقابة المصرفية. تحديات ضخمة وتشير التقديرات الرسمية في سيئول الى ان عدد العاطلين بلغ مليوني مواطن عام 1998 في اعلى مستوى له خلال ثلاثة عقود بينما بلغت نسبة الانكماش الاقتصادي 8.5 في المئة ورغم بعض مظاهر الانتعاش التي بدأت في 1999 فيما عزاه محللون الى زيادة الاستثمارات الاجنبية المباشرة على نحو كبير, الا ان التحديات الاقتصادية مازالت ضخمة . ولاشك ان الازمة الاقتصادية كانت لها ايضا تداعياتها الامنية, فقد اضطرت حكومة سيئول الى تأجيل عدد من برامج تحديث القوات المسلحة, ولجأت الى تخفيض بعض مخصصات التسليح, وشهدت موازنة 1999 تخفيض ميزانية التسليح بنسبة 4.0 في المئة وهو اول تخفيض تسجله الجمهورية الكورية منذ انشائها قبل نصف قرن. ورغم زيادة موازنة الدفاع خلال الخطة الخمسية التي بدأت في 2000 الا ان تأثيرات هذه الزيادة ستظل مرتبطة بمرحلة نجاح الاداء الاقتصادي للبلاد, بمعنى انه اذا لم تشهد سيئول نموا اقتصاديا مرتفعا في المدى القصير, فسيكون لذلك تداعياته الامنية على المدى البعيد, وعلى سبيل المثال, ففي حالة اندلاع ازمة سياسية او عسكرية حادة في كوريا الشمالية خلال السنوات القليلة المقبلة سيفرض ذلك قيودا على قدرات كوريا الجنوبية على ادارة ازمتها الاقتصادية والخلاص منها. والمعروف ان كوريا الجنوبية نجحت بمساعدة الولايات المتحدة واليابان في تنويع قاعدتها الصناعية, وحققت مكانة متميزة في مجالات صناعة الصلب وبناء السفن والسيارات والاجهزة الالكترونية والبتروكيماويات فضلا عن الميكنة الثقيلة والانشاءات غير ان نقطة الضعف الرئيسية في اقتصاد سيئول تتمثل في القطاع المالي, خاصة صناعتها المصرفية التي تتمتع بحماية حكومية هائلة تمثلت في العلاقات الوثيقة بين الحكومة والشركات والبنوك, وتنذر هذه التداخلات بتداعيات خطيرة على اقتصاد البلاد في حالة حدوث ظروف اكثر ضعفا مثل اندلاع ازمة في الشمال. ومن هنا, فان تطور القدرات العسكرية في الشطر الشمالي تزامن مع ازمة اقتصادية دفعت الشطر الجنوبي مثل معظم البلدان الآسيوية التي ضربتها الازمة المالية الى تخفيض المخصصات المالية للبرامج العسكرية, مما يزيد من مخاوف الجنوب الامنية ودفعه بالتالي الى السعي لتحقيق مصالحة تؤمن الاوضاع على حدوده التي انتهت الحرب بينهما في 1953 كانت معاهدة هدنة وليست اتفاق سلام. معادات الامريكيين وعلى صعيد آخر, فعندما تولى الرئيس الكوري الجنوبي الحكم في فبراير 1998 بعد سلسلة من الحكام العسكريين المستبدين شهدت عهودهم الكثير من فضائح الفساد التي تورط في بعضها اثنان من رؤساء الجمهورية السابقين, كان امام الرئيس الجديد عدة تحديات يتعين مواجهتها لتثبيت اقدامه في الحكم بعد فوزه بنسبة ضئيلة في الانتخابات التي جرت في ديسمبر ,1997 من ابرز هذه التحديات مواجهة الفساد الذي اصبح متغلغلا في كثير من جوانب الحياة اليومية. كما واجه كيم داي يونج في بداية عهده تنامي ظاهرة معاداة الامريكيين ورجال الادارة الحكومية بل انها طالت بعض عناصر القوات المسلحة وبات الكثير من الكوريين يطالبون برحيل القوات الامريكية من سيئول مع الابقاء على علاقة التحالف مع الولايات المتحدة فضلا عن تنامي مشاعر العداء المتأصلة لليابانيين منذ ايام الاحتلال الياباني الذي اتسم بالقمع والوحشية قبل 53 عاما من تولي يونج الحكم. وهكذا وجد الرئيس الكوري الجنوبي نفسه محاطا بالعديد من التحديات التي استدعت بذله الجهود الجادة لتحقيق تقدم يثبت اقدامه في الحكم من ناحية وتحقيق الاستقرار المنشود في المنطقة من ناحية اخرى ويبدو انه بدأ تحقيق احلامه على الصعيد الشخصي على الاقل بعد منحه جائزة نوبل في اكتوبر العام الماضي. وكان يونج قد دعا في خطاب له الى اهمية التعاون مع كوريا الشمالية لافتا النظر الى ما تملكه من ثروات معدنية وقوة عمل رفيعة النوعية رخيصة التكلفة, كما اكد في اكثر من مناسبة على اهمية الموقع الجغرافي للشطر الشمالي باعتباره مفتاح الطريق الى شمال شرق الصين وسيبيريا واسيا الصغرى مما يقلل من تكلفة نقل البضائع. وعلى هذا فاذا اتفقنا على تنحية العامل العاطفي جانبا, تظهر بوضوح الاعتبارات العملية والمصلحية التي تفرض على الجانبين ضرورة تحقيق تقارب سلمي بينهما, سواء اتخذ صورة مصالحة وتطبيع للعلاقات او في مرحلة لاحقة ربما تستغرق عقودا اقامة وحدة فيدرالية او كونفيدرالية. ليست المانيا ووسط زخم الحفاوة بالقمة الاولى بين الكوريتين لجأ بعض المحللين الى التذكير بالوحدة الالمانية وراح بعضهم يشبه انعقاد القمم بانهيار سور برلين ورغم ان محاولات التشبيه هذه ربما كانت من قبيل تمني المحللين الغربيين الذين يفضلونها بالطبع وحدة على النمط الالماني وليس على النمط الفيتنامي مثلا, الا ان الفروق بين الحالتين واضحة للغاية الى حد يرجح الا يتحقق بين شطري شبه الجزيرة الكورية اي نوع من انواع الوحدة قبل مرور عدة عقود. فرغم التشابه بين الوضعين الالماني والكوري من حيث ان كلا البلدين تعرضا للتقسيم مع بداية الحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية في الغرب والاشتراكية في الشرق, الا ان الكوريتين ـ على خلاف الالمانيتين ــ اندلعت بينهما حرب ضارية دامت ثلاث سنوات بسبب رغبة الشطر الشمالي بدعم من الصين والاتحاد السوفييتي تحقيق الوحدة عبر طرد النفوذ الامريكي والحكم الموالي له, ودفاع الولايات المتحدة الشرس على مصالحها في الشطر الجنوبي وحشدها لحلفائها الغربيين في الامم المتحدة للقضاء على القوات الشمالية التي كانت قد نجحت بالفعل في السيطرة على مناطق عديدة في الجنوب كما ان الالمانيتين ــ بعكس الكوريتين ــ ابرمتا سلسلة من الاتفاقيات لتنظيم العلاقات على المستوى الرسمي وضمان الحد الادنى من الاتصالات بين الشعبين, بينما ظلت العلاقات مقطوعة بين الكوريتين والاتصالات معدومة بين شعبيهما, حتى ان خطابات الشاعر الكوري الشمالي جي السابق الاشارة اليه كانت تصل الى والدته في الشطر الجنوبي عبر بلد ثالث. علاوة على ذلك, فالتفاوت الاقتصادي بين الالمانيتين كان اقل اتساعا منه بين الكوريتين وبينما كان عدد السكان الالماني الشرقي الى الالماني الغربي 1 : 4 قبل الوحدة يصل المعدل بين كوريا الشمالية والجنوبية الى 1 : 2 مما يرى معه محللون ان العبء الاقتصادي الذي ستضطر سيئول الى تكبده مقابل التوحيد اكبر نسبيا من العبء الذي تحملته المانيا الغربية مقابل استيعاب سكان الجانب الشرقي. وعلى خلاف ما حدث بالنسبة لالمانيا الشرقية التي اصبحت عضوا في المجموعة الاوروبية بمجرد قبولها الوحدة فان قيام كيان كوري موحد لن يضمن له سوقا واسعة جاهزة لاستيعابه اقتصاديا في غياب سوق آسيوية مشتركة, كما انه ليس من المرجح ان يحصل مثل هذا الكيان الموحد على تيسيرات لدخول السوق الاوروبية الموحدة او السوق الامريكية فضلا عن ان الاقتصاد الكوري الشمالي حاليا يعاني من تدهور حاد يزيد كثيرا عما كان عليه الاقتصاد الالماني الشرقي عند قيام الوحدة الالمانية. قصور التجربة الالمانية اضف الى ذلك ان تجربة الوحدة الالمانية لم تحقق النجاح الباهر الذي كان يروج له اثناء قيامها, وتشير تقديرات بعض المحللين الى ان قيام الوحدة الالمانية بالسرعة التي حدثت اسفر عن تراجع معدل النمو الاقتصادي الالماني خاصة في القطاع الصناعي على نحو يتوقع معه ان يستغرق تحسين مستويات تراجع الانتاجية الى ما بين عشر سنوات وخمسة عشرة سنة, بل ان البعض يرى ان تحسين مستوى اداء قطاع الاسكان ربما يستغرق نصف القرن. كما ان التحول الى اقتصاد السوق على هذا النحو السريع كان له آثاره السلبية على المجتمع الالماني الشرقي, فاتفاقية الوحدة كانت تقضي بخصخصة جميع الشركات والاصول والمساكن والاراضي التي كانت تابعة للدولة في المانيا الشرقية, وتعين بعد ذلك النظر في دعاوى المملكة التي رفعها مدعو الملكية الاصلية لمثل هذه الاصول (تم تسجيل 8.1 مليون دعوى ملكية) في السنوات الثلاث الاولى بعد الوحدة ما اسفر عن اوضاع قانونية معقدة يرى معها بعض المحللين ان الفصل في اي منها ربما يستغرق اكثر من عشر سنوات والى حين تسوية هذه المنازعات لن يكون من الممكن التصرف في مثل هذه الممتلكات الامر الذي زاد من اعاقة التنمية الاقتصادية حيث يتخوف المستثمرون الاجانب من التعامل في اي من هذه الاصول خشية ان تحدث خلافات على ملكيتها فيما بعد, اضف الى ذلك التغير المفاجىء على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والقانونية ونظم التعليم والتأمينات الاجتماعية بل وحتى قواعد المرور الامر الذي خلق وراءه الكثير من مشاعر التوجس وانعدام المبادرة والارتياب لدى الالمان الشرقيين. ولعل ذلك يفسر ما اظهره استطلاع للرأي اجرى في 1993 ذكر فيه 48% من الالمان الشرقيين انهم يعتقدون ان اوضاعهم كانت افضل قبل الوحدة بينما قال 11% ان اوضاعهم لم تتحسن في حين قال 41 في المئة فحسب ان اوضاعهم تحسنت. ويتضح من ذلك مدى لا عقلانية توقع قيام وحدة كورية في المستقبل المنظور وان كان ذلك لا يستبعد قيام نوع من المصالحة المحسوبة من الجانبين لتحقيق حد متفق عليه من مصالحهما ومصالح القوى الاخرى المعنية بالصراع. ورغم ان البند الاول من الاعلان المشترك الصادر عن لقاء القمة التاريخي بين زعيمي الكوريتين ينص على (اتفاق الشمال والجنوب على حل مسألة وحدة البلاد على نحو مستقل عبر الجهود الملموسة للامة الكورية المسئولة عن ذلك, بما يعني رفض اي مشاركة لقوى اجنبية في هذه الجهود, الا ان الخلاف بين دعوة كوريا الشمالية لخروج القوات الامريكية من الشطر الجنوبي, واصرار الجنوب على الاحتفاظ بهذه القوات لدواع امنية يمثل اول بذور الشقاق التي لن يسهل استئصالها في فترة قريبة. مخاوف الماضي وبالمثل, لا ينبغي ان نغفل ان المخاوف بشأن الماضي, والصورة التي حرص النظام السياسي في كل من الجانبين على تثبيتها في وعي مواطنيه من الجانب الآخر والاختلافات في الرأي وسبل الحياة من اهم الحواجز التي لا يمكن تخطيها في فترة قريبة, فقد ظل النظام الحاكم في كوريا الشمالية طوال النصف قرن يصف الحكم في الجنوب بانه يميل الى الامبريالية وخادم للاستعمار الامريكي يمتص دم الشعب لصالح اسياده في الغرب, كما لم يأل الحكم في الشطر الجنوبي خلال نفس الفترة جهدا في التشهير بحكم الفرد والاستبداد الشيوعي في الشمال والدعوة لاسقاطه يدعمه في ذلك آلة الاعلام الغربية بكل قوتها وجبروتها, وليس من المنطقي مع وضع كهذا, ان يخرج اي من النظامين فجأة على الرأى العام المحلي لديه ليقنعه ببساطة انه تقرر الاندماج مع ذلك الكيان الشيطاني الذي طالما حذر منه, ولما كان من الصعوبة بمكان والامر كذلك ان تحقق الوحدة على ارضية اي من الجانبين السياسي او الاقتصادي ويصبح من السذاجة بمكان توقع قيام وحدة قريبا خاصة مع وجود قوى خارجية يعمل بعضها على تحقيق الوحدة على النحو الذي يتفق مع توجهاته, والامر خاضع من قبل ومن بعد لتوازنات القوى والمصالح, وليس له علاقة تذكر بكل مارفع من شعارات عاطفية تتعلق بلم شمل عائلات لم يعد افرادها يعرف بعضهم البعض او تحقيق حلم رومانسي مثالي في وحدة الامة الكورية. بقلم: إكرام يوسف

طباعة Email
تعليقات

تعليقات