أيا كان الحزب الفائز في الانتخابات الامريكية فإن أمرا واحدا يظل ثابتا على الدوام في السياسة الامريكية الخارجية, وهو برنامج المساعدات الهائل الذي تقدمه الولايات المتحدة لاسرائيل. وتمثل المساعدات الامريكية لاسرائيل, التي تصل قيمتها الان إلى رقم يرفض تأكيده أو نفيه المسئولون الامريكيون والاسرائيليون يتجاوز 3 مليارات دولار سنويا, تمثل أكبر برنامج مساعدات من دولة لاخرى على مدى التاريخ. والثابت أن ضخامة المساعدات تبرهن على القوة الاسطورية لكتلة الضغط الموالية لاسرائيل المتمثلة في اللجنة الامريكية للشئون العامة لاسرائيل (آيباك). إلا أن الامر أكثر من مجرد ذلك. فبمقتضى القانون, يجب إنفاق الاموال التي تتسلمها إسرائيل في صورة مساعدات عسكرية, وتبلغ قيمتها الان نحو ملياري دولار سنويا, في شراء المعدات أو البرامج التدريبية من الولايات المتحدة. وينطبق هذا على كافة برامج المساعدة العسكرية الامريكية حتى تلك الموجهة إلى دول عربية. وكما أوضح ستيفن زيونس, أستاذ السياسة في جامعة سان فرانسيسكو في محاضرة ألقاها بمركز تحليل السياسات الخاصة بفلسطين الكائن في واشنطن, فقد تحولت إسرائيل (إلى حقل تجارب للأسلحة الامريكية). فضلا عن ذلك, تلعب إسرائيل أحيانا دور قناة توصيل لشحنات الاسلحة الامريكية المنقولة إلى أطراف ثالثة لا تحبذ واشنطن الافصاح عن أنها تمدها بالأسلحة مثل جنوب إفريقيا بل وإيران كما اتضح من فضيحة إيران ـ كونترا في الثمانينيات. وخلص زيونس, الذي يضع في اعتباره الصيغة القديمة التي انتهجتها الولايات المتحدة في فضيحة ووترجيت وهي (اتبع المال), إلى أن ثمة شراكة مستمرة بين الحكومة الاسرائيلية ومصنعي الاسلحة الامريكيين لا سيما في مجال السلاح الجوي. ونقل زيونس عن جنرال إسرائيلي قوله ان غالبية نظرائه الامريكيين يعتقدون أن المساعدات الامريكية العسكرية لاسرائيل (ليست أكثر بكثير من كونها دعما لمصنعي الاسلحة الامريكيين) نظرا لاشتراط واشنطن أن تنفق إسرائيل هذه الاموال في الولايات المتحدة. وفضلا عن ذلك فإن بيع أسلحة متطورة لاسرائيل يعني توجه الدول العربية القادرة ماليا لواشنطن لشراء ما يوازي الاسلحة التي بيعت لاسرائيل. وقال زيونس ان سلطة (آيباك), رغم كل ما يعرف عنها من نفوذ, فهي لا تضاهي على الاطلاق السلطة التي تتمتع بها كتلة الضغط الامريكية في مجال صناعة الطيران والفضاء والتي تشكل بالاشتراك مع البنتاجون (وزارة الدفاع) العملاق المسيطر على سائر جماعات الضغط في الولايات المتحدة. وقد بدأ بعض الاسرائيليين في التساؤل عما إذا كان دورهم كوكيل للمؤسسة العسكرية الامريكية في الشرق الاوسط يستحق كل هذا العناء. فقد قال بعض الاسرائيليين من الحمائم أن الاسلحة الامريكية المتطورة تتطلب تدريبا مكثفا لافراد الجيش الاسرائيلي, بينما قدر البعض التكلفة الواقعة على إسرائيل واللازمة للتدريب على استخدام الاسلحة الجديدة وصيانتها بضعفي أو ثلاثة أضعاف التكلفة الاصلية للأسلحة, وهي تكاليف تتحملها إسرائيل بمفردها. كما أن هناك ثمنا خفيا يدفعه الامريكيون تجلى أمام الدبلوماسيين الامريكيين في أعقاب اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية. ويتمثل هذا الثمن في تقليص بعض الدول العربية لعلاقاتها الاقتصادية مع الولايات المتحدة احتجاجا على بيع الولايات المتحدة لاسلحة متطورة لاسرائيل, مثل الطائرات المروحية المقاتلة التي تستخدمها القوات الاسرائيلية حاليا ضد الفلسطينيين. وهكذا بدأت المساعدات الامريكية لاسرائيل والعلاقات الاستراتيجية بين البلدين التي كان القصد من ورائها إضفاء المزيد من الاستقرار على منطقة الشرق الاوسط, تؤتي أثرا غير مقصود يتمثل في زيادة التوترات في المنطقة بل وتهديد النفوذ الامريكي بها. ومن أمثلة ذلك تبدد تأييد بعض الدول العربية للجهود الامريكية الرامية لعزل العراق وإيران. إلا أن المساعدات العسكرية لاسرائيل ترضي أصحاب المصالح في صناعة الطيران والفضاء الامريكية, وهذا في حد ذاته سبب قوي لتأييد الكونجرس لبرنامج المساعدات العسكرية الضخم لاسرائيل. د.ب.ا