بدأت نتائج زيارة رئيس البنك الدولي جيمس ولفنسون الى بيروت تنعكس على السياسة العامة المحلية, خاصة لجهة ما ابداه من نصائح الى لبنان لناحية وقف الاستدانة, وتعزيز التوافق السياسي الداخلي. وبدت تلك النصائح حاضرة تماما في الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء, خاصة وانها ترافقت مع يوم طويل من الاعتصامات والاضرابات العمالية والنقابية احتجاجا على انهيار الظروف المعيشية والحياتية والاقتصادية. وتفيد مصادر حكومية ان التجاوب الرسمي اللبناني الاول مع الرغبات الدولية هي دمج المجالس المستقلة, في اطار مجلس الانماء والاعمار الذي يرأسه المهندس محمود عثمان, وانيطت به مهمة الاشراف على كافة المشاريع في البلاد. لكن عملية الدمج ترافقت مع خلافات بين المراجع العليا التي احتج بعضها على سبب منح ذلك المجلس صلاحيات واسعة وحصرية من دون المجالس المستقلة الاخرى في الدولة. لكن جرى تجاوز تعثر الدمج بعد اجتماعين مطولين ومنفصلين عقدهما رئيس الجمهورية اميل لحود مع كل من رئيسي مجلس النواب نبيه بري, ورئيس مجلس الوزراء رفيق الحريري على حدة. وقد جرى خلال ذلك تعديل آلية عمل مجلس الانماء والاعمار على نحو يضمن فاعليته كما كان قبل عملية الدمج مع مجالس اخرى, قد وزع على الوزراء وسيكون ابرز المواضيع التي سيناقشها مجلس الوزراء لاحقا. وكشفت مصادر واسعة الاطلاع انه في سياق الحديث مع ولفنسون حول المبالغ المتبقية من مساعدة البنك الدولي للبنان ذكر رئيس البنك الدولي بتجارب ممتازة للبنك مع مجلس الانماء والاعمار الذي نفذ مشاريع بكل شفافية وفاعلية على حد تعبيره, كذلك نقلت هذه المصادر عن ولفنسون قوله اعيدوا لمجلس الانماء والاعمار دوره كذراع تنفيذية للحكومة اللبنانية. واضافت المصادر نفسها ان ليس هناك اي ممول دولي مستعد لوضع اموال في عهدة هيئة غير قادرة على التنفيذ او مشكوك في فاعليتها لخضوعها لتجاذبات سياسية, واشارت الى ان ولفنسون كان صريحا في قوله ان البنك الدولي ليس مستعدا لتسليم اموال او هبات الى وزارات كاشخاص او الى هيئة يديرها مجلس وزراء مصغر. واكدت المصادر انه في لقاء لحود والحريري حصل توافق على صيغة حل لآلية مجلس الانماء والاعمار علما ان الحرير كان اشار في كلمته في العشاء التكريمي لولفنسون الى انه متفاهم مع لحود على ضرورة ايجاد هذا الحل. ولم تقتصر الاهتمامات الرسمية على هذا الامر بل تعدته الى موضوع الخصخصة التي يبدو ان البرامج التنفيذية لها تنتظر وضع الاولويات والتي يرجح ان تكون الكهرباء والهاتف, وقد اثير الموضوع في لقاء الرئيس لحود ورئيس مجلس النواب نبيه بري من حيث القواعد الواجب اعتمادها لدى البحث في هذه المسألة, وضرورة توافق السلطتين التنفيذية والتشريعية على الية التخصيص. وقد ايد بري في لقاءاته لاحقا والنواب نصائح ولفنسون بعدم الافراط في الاستدانة داعيا الى العمل فورا بالقروض المقدمة من البنك الدولي وعقد مؤتمر الدول المانحة وجباية ما تقرر في مؤتمر وزراء الخارجية العرب, متسائلا: لماذا ننسى الهبات ونعمل على القروض؟ كذلك كان للسفير الامريكي ديفيد ساترفيلد موقفاً مؤيداً لكلام ولفنسون مؤكدا, عقب زيارته لبكركي, اننا نعمل كل مافي وسعنا مع المجموعة الدولية للتوصل الى حلول ايجابية وضرورية للبنان ليصبح مركزا للاستثمارات والمستثمرين. ووسط هذه الاجواء تشهد البلاد حدثين مهمين الاول شهر التسوق الذي يعول عليه لبنان لتحريك عجلته الاقتصادية, والثاني اضرابان هما الاولان منذ تأليف الحكومة الحريرية. الاضراب الاول تنفذه روابط الاساتذة والموظفين والمصالح المستقلة واساتذة التعليم الثانوي والرسمي ويتخلله اعتصام في المتحف يتزامن وانعقاد مجلس الوزراء في جلسته المقبلة. ويرفع المضربون سلسلة مطالب منها احتساب المعاش التقاعدي وتعويض الصرف من الخدمة على كامل الراتب الاخير, واعطاء بدل النقل على اساس الحد الادنى 300 الف ليرة, وتعزيز تعاونية موظفي الدولة والجامعة اللبنانية وتحقيق مطالب المصالح المستقلة وسواها من المطالب. اما الاضراب الثاني فتنفذه الاحزاب الارمنية احتجاجا على التأخير في تعيين وزير ارمني ثان في الحكومة, وسينفذ اعتصام في ساحة برج حمود. ارتياح دولي لكن رئيس البنك الدولي ولفنسون الذي التقى كبار المسئولين واقام لهم الحريري احتفالات خاصة شارك بها الوزراء في دارته في منطقة قريطم, حرص على ابداء ارتياحه العام لمسيرة الاقتصاد اللبناني, متفائلا, باقتراب تجاوزه للصعوبات. وقال: هناك حاجة لاعادة بناء الثقة لزيادة المداخيل وبناء نوعية الاقتصاد, وانا مقتنع بان البرامج الجاري تطبيقها هي عناصر مهمة في اعادة الثقة, وعلى جميع الاطراف الاعتراف بان الاجراءات المتخذة ستساهم في بناء الثقة الخارجية, ودعا ولفنسون الى تحقيق الوفاق الوطني ووقف التراشق الداخلي وان يحصل نوع من اتفاقية سلام داخلي بين اللبنانيين. ويؤكد ولفنسون دعمه لأي حكومة تبدي اهتماما في موضوع تحديث نظام ادارة الدولة للتمكن من الحد من النفقات العامة, ورأى ان على لبنان القيام بأمرين اما وقف الاقتراض او تغيير السياسات الاقتصادية, وقال: اذا قرر لبنان تبديل سياسته عندها سينال دعما كبيرا من المجتمع الدولي وفي مقدمتها البنك الدولي. وقد جاءت تلك المواقف بعد الجولة التي قام بها والتقى خلالها رئيس الجمهورية ورئيسي مجلس النواب والوزراء, ورافق ولفنسون في جولته وزير المالية فؤاد السنيورة والمدير في البنك الدولي اندره سود وممثل البنك في لبنان السيد هاري براساد والمدير الاقليمي للشرق الاوسط وشمالي افريقيا سامي حداب. لحود وقبل ان يغادر رئيس البنك الدولي بيروت كشف عن ان الرئيس اللبناني لحود اكد له ان زيارته تعكس دعما دوليا للبنان, مؤكدا له ان (الدولة عازمة على اعتماد الشفافية في التعاطي مع قروض البنك الدولي, وترشيد انفاقها, وبالتالي تقديم تصور واضح بكل ما يتصل بسبل صرفها). وطلب لحود من ولفنسون متابعة تنفيذ العقود بدقة انطلاقا من الرغبة في جعل انفاقها يطاول الحاجات الاساسية الراهنة, وفق اولويات واقعية تأخذ في الاعتبار الامكانات المتوافرة. وشرح لحود له موقف لبنان من الاوضاع الاقليمية الراهنة في ضوء المتغيرات المنتظرة كما عرض وجهة نظره من تطور عملية السلام, مؤكدا ان لبنان يعمل على تعزيز عملية النهوض الاقتصادي من دون انتظار ما سيؤول اليه مسار التسوية. توضيحات داعمة وردا على بعض الاسئلة التي طرحتها (البيان) عليه اكتفى رئيس البنك الدولي بالقول: نحن متحمسون لدعم جهود لبنان, خاصة لجهة ما سمعته من كبار المسئولين حول الاصرار على بذل المزيد من الجهود اللبنانية سعيا لتعزيز دعم المجتمع الدولي لهذا البلد (لبنان) العزيز على جميع مؤسسات العالم. واضاف: لقد اعطانا الرئيس لحود صورة جدا متوافقة مع رؤيتنا, وتتعلق بضرورة تعزيز الروابط من اجل العمل على مساعدة السلطة اللبنانية في جهودها تعزيزا لاستقرار الاوضاع. وردا على سؤال آخر حول مدى مساهمة البنك الدولي في اعادة اعمار لبنان؟ اجاب: لدينا مشاريع بقيمة 700 مليون دولار معظمها لم ينفذ. هناك على الاقل 400 مليون دولار يجب ان تنفق على مشاريع بدءا من الاداء الاداري, وصولا الى تنمية المجتمع والبنى التحتية, ونحن سنستمر في هذه المشاريع ولكن الدعم الذي نستطيع تقديمه سيكون عندما تقرر الحكومة القيام بخطوات يستطيع القطاع الخاص العمل من خلالها بفاعلية اكثر, وذلك في اشارة من ولفنسون الى الاهمية التي يعلقها البنك الدولي على الخصخصة. واضاف: نحن سندعم بالطبع اي حكومة تبدي اهتماما بهذا الشأن, وسنعمل ايضا معها من اجل دعمها في محاولتها تحديث نظام ادارة الدولة للتمكن من الحد من النفقات العامة. ولقد قلت للرئيس لحود ان تحليل البنك الدولي العام, الذي لا ينطبق فقط على لبنان, وهو حقيقة واقعة, يقول انه عندما تنتج كفرد او كمؤسسة او كدولة تصل الى حد لا تستطيع بعده الاستمرار في الاقتراض, وفي حالة لبنان نرى انه يقترب من هذه النقطة. وقال: ارى ان على لبنان القيام بامرين اما وقف الاقتراض او تغيير السياسات الاقتصادية واعتقد ان الرئيس لحود يدرك هذا الامر, فاذا قرر لبنان تبديل سياساته عندها سينال دعما كبيرا من المجتمع الدولي وفي مقدمتها البنك الدولي.