هاليداي: النفط مقابل الغذاء ضمادة لمريض يحتضر ، هكذا تم تنفيذ تهديد بوش بإعادة العراق للعصر الحجري في 18 أغسطس 1988, وبعد حرب ذهب ضحيتها اكثر من مليون قتيل, خرج العراق منتصراً من حربه الطويلة مع ايران, منتصرا ولكن منهكا في الوقت نفسه. بعد عامين فقط دخل العراقيون في نزاع جديد, حرب (درع الصحراء) و(عاصفة الصحراء) ثم في ديسمبر 1998 بدأت عملية (ثعلب الصحراء) حيث قامت القوات الجوية الامريكية والبريطانية بقصف العراق, وخاصة العاصمة العراقية بغداد. وأدت هذه العملية الاخيرة الى تدمير قسم كبير مما كان قد اعيد بناؤه منذ نهاية حرب الخليج الاخيرة وفي ظل شروط صعبة فرضتها العقوبات الدولية ولكن منذ نهاية الحرب في 1991 لم يكف الامريكيون والبريطانيون عن عمليات قصفهم شبه اليومية, والعراق يعيش حالة حرب مستمرة كانت نتيجتها المباشرة تعزز مواقف النظام القائم مع زيادة اختناق وألم الشعب العراقي الذي يشكل الضحية الكبرى لهذه الحرب ثم ان الحظر الدولي المضروب الذي لايسمح بتوفر الوسائل الملائمة لمعالجة (مرضى الحرب) العراقيين ساهم في تفاقم الضغط النفسي الذي تعاني منه شريحة واسعة من ابناء الشعب العراقي وأغلبيته العظمى خاصة الاطفال والشباب الصغار الذين لم يعرفوا حتى الآن نعمة السلام. عصاب ما بعد الصدمة اذا كانت حرب الخليج الاخيرة لاتزال تلقي بظلالها على منطقة الخليج, فإن العديد من اللجان والجمعيات في الغرب اعترفت بوجود ما اسمته بـ (العصاب النفسي لما بعد الصدمة) بالنسبة لعدد من الجنود الذين شاركوا في هذه الحرب وكان المرسوم الذي صدر عن (لجان الصرف من الخدمة) في فرنسا قد حدد (المعايير الخاصة بتصنيف وتقدير الاضطرابات النفسية التي سببتها الحرب) وذلك بالاعتماد على تقرير لوزارة الدفاع ولسكرتارية الدولة لقدامى المحاربين, كما حدد هذا المرسوم القواعد الجديدة للتعويضات التي يستحقها العسكريون الذين يعانون من مثل هذه الاضطرابات. لقد عدل المرسوم القواعد التي كان معمولا بها عام 1919 وعام 1929 بحيث اظهر اهتماما اكبر حيال هذه المسألة اذ ادرج التصنيف الدولي للامراض كما تبنته (المنظمة العالمية للصحة) وحدد المرسوم كذلك الاسس العامة للخبرة في الميدان النفسي والمظاهر السريرية للامراض وقواعد التعويض المادي. من جهة اخرى اظهرت التحقيقات التي قامت بها جمعية (افي جولف) ان عددا كبيرا من الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج يعانون من اضطرابات نفسية واضطرابات في السلوك. وان العديد منهم اقاموا لفترات في المستشفيات وتمت معالجتهم بأدوية مضادة للانهيار العصبي, ولكن من دون ان يتم الاستمرار بمعالجتهم نفسيا, كما اضطر بعض عائلاتهم على الرغم من قلة امكانياتها, الى ان تتحمل مسئولية مثل هذه المعالجة. كان هؤلاء الجنود شبابا في مقتبل العمر اثناء الحرب وقد اعتراهم خوف كبير واعترفوا بذلك وامضى بعضهم اياما تائهين في الصحراء وروى البعض منهم كيف ان رؤساءهم كانوا يرددون على مسامعهم القول: (هؤلاء المجانين العراقيين قد يأتون بأية لحظة كي يذبحوهم في خيامهم تحت جنح الظلام). باختصار كان الكثيرون منهم غير مؤهلين لخوض الحرب, الحرب الحقيقية, وكانوا قد انخرطوا في الجيش كي يجدوا مهنة ويسافروا, وكانوا ممرضين او ميكانيكيين او تقنيين في ثكناتهم ولم يغادروا فرنسا من قبل, فضلا عن انهم من جيل لم يعرف الحرب ابدا والعديدون منهم لم يجدوا عقدهم عند عودتهم من الخليج والقليل طلبوا عرض حالتهم على (لجنة الصرف من الخدمة), ثم بعد عدة سنوات امضوها من دون عناية طبية ومن دون الاعتراف بوضعهم وبالتالي بحقوقهم تفاقمت حالتهم بفعل اللجوء الى تعاطي الكحول والعنف وعدم قدرتهم على التأقلم مع اي نشاط اجتماعي. وقد اشارت عدة دراسات مستقلة مثل تلك التي قام بها البروفسور (هالاي) ان بعض اشكال الخلل العقلي تعود إلى تأثير بعض العناصر الكيميائية على الدماغ, وقد ظهرت ايضا اضطرابات خطيرة في السلوك لدى عسكريين حاربوا في الخليج, ولكنهم اكدوا انهم لم يعيشوا تلك الحرب كـ (صدمة) بأي حالة من الحالات وعندما تم عرض حالتهم على (اللجان المختصة) بآثار الحرب على السلوك وعلى المستوى النفسي, ثم التوصل الى (تشخيص) معاناتهم من (اعراض حرب الخليج) مثل هذا التشخيص ثم استخدامه كثيرا في الولايات المتحدة من اجل وصف الحالات المرضية المتنوعة التي يعاني منها قدامى المحاربين في الخليج. كانت هذه هي الاستراتيجية التي قامت السلطات العسكرية الامريكية بوضعها من أجل استثناء اية عوامل اخرى ممكنة لاعراض حرب الخليج. وعالجت اللجنة الرئاسية الامريكية حول امراض حرب الخليج, بالاعتماد على المعطيات التي قدمتها وزارة الدفاع الامريكية المشكلة المتعلقة بالمظهر النفسي السيكولوجي في الجزء الاخير من تقريرها حيث قالت (لقد واجه العسكريون الامريكيون عوامل عديدة للاحساس بالوطأة والضغط اثناء حرب الخليج, من بينها سرعة التعبئة وعدم التزود بمعلومات دقيقة فيما يتعلق بمدة الانتشار والعزلة والابتعاد عن الاسرة ومحيط ملوث وظروف حياة صعبة مع قليل من العلاقات الحميمة والاجتماعية وساعات العمل الطويلة والمرتبات المنخفضة والقلق حول المستقبل والخوف من صواريخ سكود ومن الهجمات الكيميائية والبيولوجية وتوقع الموت والتعذيب وانطلاق صفارات الانذار المتكرر من الاسلحة الكيميائية مما كان يتطلب موقفا دفاعيا ومشاهدة القتلى والجرحى. ثم بعد الحرب عاش عدد كبير من الجنود وطأة وضغط نهاية التعبئة بسبب (الصعوبات المالية) ومشكلات ايجاد العمل ومشكلة المستحقات التي لم يتم صرفها والكشف عن حالات من داء الليشمانيات (الناتج عن طفيلي احادي الخلية يكثر في الكريات البيض وهو مسمى باسم مكتشفه). ويختتم التقرير لائحة اسباب الاحساس بالوطأة والضغط بالهجوم على وسائل الاعلام التي بالغت في الزيادة ــ الظاهرية ـ لحالات التشوه الخلقي والاورام السرطانية. امراض غريبة استعرض التحقيق الذي أجرته اللجنة الرئاسية الامريكية مجرى الابحاث التي جرت منذ الحرب العالمية الثانية حول الرابطة بين (صدمة الحرب) وظهور (امراض غريبة مجهولة ) وحول الآليات التي تربط بين الدماغ وبين اجزاء الجسم البشري الاخرى. وقد جاء في التحقيق: (برهنت تجارب حديثة العهد على الحيوانات على أن الاحساس بالوطأة والضغط يمكن ان يكون له اثار محدودة على الدماغ وعلى جهاز المناعة والقلب والاستجابات الهرمونية. وذلك على اساس ان الجسد يستطيع ان يتأقلم مع ازمات الضغط البسيطة العابرة, ولكنه قد يبدي ردود فعل مرضية على الازمات الحادة والمستمرة طويلا. ويعترف الاطباء بأن عددا من المظاهر السيكولوجية والبدنية انما هي بمثابة نتيجة للاحساس بالوطأة والضغط. هكذا يمكن للمشاكل العائلية ومشاكل العمل والعنف والازمات المالية الحادة ان تجد ترجمتها بنتائج مستديمة على الصحة. وجاء في تقرير اللجنة: (لاحظ الاطباء ورجال العلم ايضا بأن الاحساس بالوطأة والضغط لا يؤدي الى نفس النتائج على جميع الافراد. اذ يصاب البعض بزيادة ضغط الدم ويعاني آخرون من حالة قلق خطيرة, ويظهر لدى غيرهم اضطرابات في مختلف وظائف الجسد. وانطلاقا من هذه المعطيات كلها ينتهي التقرير الى القول: (لقد انتهت اللجنة الى نتيجة مؤداها أن عامل الوطأة والضغط ليس سببا في مرض واحد او في سلسلة وحيدة من الاعراض, ويمكن بالمقابل ان يساهم في ظهور امراض جسدية ونفسية عديدة. وهو عامل مهم في التنوع الكبير للامراض التي عانى منها عامة الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج الاخيرة. وقد اشار التقرير في معرض النصائح الى ان (البحث حول امراض قدامى محاربي الخليج ينبغي ان يتوجه بالأحرى صوب اسباب وطرق الوقاية وعلاج الاضطرابات المرتبطة بالاحساس بالوطأة والضغط, ولايزال التنديد بالامراض العقلية أحد المشكلات التي يعاني منها المجتمع بالمعنى الواسع, ولذلك لابد من ان تعطى الاولوية لتطوير البرامج التربوية العامة التي تؤكد وتلح على الربط الذي لا انفصام له بين الجسد والنفس. وينبغي على وزارة الدفاع ان تقوم بجهد خاص بهذا الاتجاه داخل اطار اختصاصها). وبكل الحالات يبدو من الواضح ان العديد من الهيئات العامة والخاصة من جمعيات وغيرها, اصبحت مقتنعة كل القناعة بأنه ينبغي الذهاب أبعد واعمق في مجال البحث عن الاسباب الكامنة وراء (اعراض حرب الخليج) ذلك ان الوصول الى معرفة هذه الاسباب يؤدي الى التقدم في طريقة الوصول الى علاج, حسب ما اتفقت آراء عديدة السلاح الأكثر دمارا. ان الحظر الكامل الذي تم فرضه على العراق بعد يومين فقط من اجتياح الكويت كان, ويبقى, السلاح الأكثر دمارا في هذه (الحرب النظيفة ــ القذرة). وكان الرئيس الامريكي جورج بوش قد قال قبل بداية الهجوم: (اننا سوف نعيد العراق الى العصر الحجري). وهذا ما فعله على وجه الدقة بصورة ما. ففي السادس من شهر اغسطس 1990 قررت منظمة الامم المتحدة عزل العراق عن المجموعة الدولية, واقترع مجلس الامن الدولي على القرار رقم 661, الذي شكل الإطار القانوني للعقوبات. وكانت هذه العقوبات هي الاكبر قسوة والاكثر استمرارا منذ تلك التي تم فرضها على المانيا منذ الحرب العالمية الثانية. كان الهدف منها هو زعزعة النظام العراقي. لكنها شكلت في الواقع عقوبة قاسية بالنسبة للشعب العراقي. ومباشرة بعد الاقتراع على القرار 661, قامت قوة جوية وبحرية متعددة الجنسيات بتنظيم حصار بحري وجوي على العراق. كان الطريق الصحراوي الطويل الواصل بين بغداد وعمان في الاردن هو وسيلة الاتصال الوحيدة مع العالم الخارجي. اذ كانت هناك خمسون سفينة حربية تقوم بدورياتها من دون انقطاع على مساحة (700000) كيلو متر مربع من المياه, من مياه البحر الأحمر وحتى خليج عمان, ومنطقة الخليج كلها انيطت بها مهمة محدودة واحدة تتمثل في منع جميع السفن من الوصول الى ميناء البصرة. وفي غضون الاسابيع الاولى قامت السفن الحربية ـ الامريكية والبريطانية والاسبانية والارجنتينية والاسترالية والبلجيكية والكندية, والفرنسية والهولندية والنرويجية بـ 964 عملية تفتيش وحققت مع 7673 قبطانا واحتجزت احدى عشرة سفينة وفي الوقت نفسه تم تجميد الاموال العراقية في الخارج . باختصار في مارس 1991 اي بعد وقف اطلاق النار دخل العراق في المرحلة الاكثر قتامة في تاريخه المعاصر, مع انه من الدول النفطية الكبرى على المستوى العالمي, لقد دمّرته عمليات القصف كليا, وتم وضعه تحت رقابة عناصر الأمم المتحدة. وفي 14 ابريل 1995 تبنى مجلس الامن الدولي قرارا جديدا هو القرار رقم 986 الذي اطلقت عليه تسمية (النفط مقابل الغذاء) والذي سمح للعراق بتصدير ما قيمته ملياري دولار من النفط الخام كل ستة اشهر. وتمت مضاعفة هذا المبلغ عام 1999. لكن لم ينل الشعب العراقي سوى القليل من هذه التسهيلات اذ تم اقتطاع قسم من العوائد من أجل دفع ديون الحرب المستحقة للكويت على العراق, وايضا للقوى التي ساهمت في التحالف الدولي وتكاليف البعثة الدائمة للامم المتحدة في العراق اي مايعادل أكثر من نصف العائدات البترولية. اما الباقي فهو مكرس لاستيراد السلع الغذائية والاعتدة الطبية والمنتوجات الصيدلانية وكذلك التجهيزات الضرورية لاعادة تشغيل المنشآت النفطية. وفي عام 1998 صرح نيس هاليداي (مسئول برنامج الامم المتحدة الذي استقال من منصبه في شهر اكتوبر من السنة نفسها, احتجاجا على لا إنسانية العقوبات بأن (اتفاق النفط مقابل الغذاء ليس سوى ضمادة يتم وضعها على مريض هو في حالة احتضار) واضاف تسيطر في كل مكان حالة من اليأس ومن الدمار البدني والعقلي, هذا ما يمكن لمسه في اي مكان وحتى في المستشفيات حيث المفاجأة الصاعقة بسبب القذارة والتجهيزات غير الصالحة للاستعمال والاسرة المهترئة وغياب الاغطية عنها, وعلى الرغم من أن الاطباء لم يستسلموا فإنهم يخضعون لضغوط كبيرة اذ عليهم ان يتخذوا قرارات مأساوية ودقيقة تخص تحديد من سيتم اعطاء الدواء النادر له؟ ولمن سيتم وصف هذا العلاج الحيوي من بين عشرات المرض؟ ان الموت الذي ربما يمكن تجنبه اصبح حقيقة يومية). ان العراق البلد النفطي والصحراوي في القسم الاكبر من أراضيه يستورد حوالي 70% من السلع الغذائية, واليوم يعيش حالة ترشيد صارمة لموارده ويحصل كل فرد شهريا على تسعة كيلوجرامات من الدقيق والارز والسكر والزيت والصابون ولكن ليس هناك اية بروتينات وحالة سوء التغذية خطيرة لدى السكان وخاصة لدى الاطفال والنساء الحوامل. ولاتترك الدراسات والتقارير المنشورة خلال الاشهر الأخيرة اية شكوك حول النتائج المأساوية للحظر المضروب. ان ثلاثة تقارير صادرة عن المنظمة الدولية لرعاية الطفولة ومنظمة الصحة العالمية والبرنامج الغذائي العالمي تؤكد كلها بأن هناك حاجة انسانية ملحة للتدخل وانقاذ الآلاف من الاطفال الذين يحصدهم الموت. ان حرب الخليج, الحرب الحديثة الاولى لاتزال (تقتل) بعد عشر سنوات من نشوبها, وهي حرب لا سابق لها من زاوية انها اوقعت من الضحايا منذ توقف معاركها عددا اكبر مما سببته تلك المعارك نفسها. ولاتزال, بعد عشر سنوات من نشوب هذه الحرب اسئلة كثيرة تنتظر الاجابات عنها.