اثار صمويل هنتجتون, رئيس قسم الدراسات الدولية والاقليمية في اكاديمية هارفارد الامريكية ضجة كبرى قبل سنوات باطلاقه ما يعد اشهر الكتب بعد الحرب الباردة وهو كتاب، (صدام الحضارات واعادة تشكيل النظام العالمي) ويعتبر واحدا من اهم المفكرين الامريكيين واكثرهم شهرة في هذه الحقبة. وفيما يلي نصف لقاء اجرته صحيفة (لوس انجلوس تايمز) معه مؤخرا, يركز فيه على عدد من المقولات الاساسية التي شكلت العمود الفقري لكتابه. ويلاحظ ان هنتجتون يركز ايضا على مجموعة من المشكلات التي يرى انها ستصبح الاكثر صعوبة وتعقيدا في المستقبل وفي مقدمتها مشكلة الهجرة من العالم الثالث الى الدول المتقدمة والغنية. * كشفت وكالة المخابرات المركزية الامريكية, مؤخرا النقاب عن دراسة قامت بها تغطي فترة مقبلة تمتد 15 عاما. ومن بين النقاط التي ركزت عليها هذه الدراسة ما اسمته (التحالف الجيواستراتيجي بحكم الواقع) بين الهند والصين وروسيا الذي سينشأ لمواجهة النفوذ الامريكي. هل ترى ذلك انت ايضا؟ ولماذا؟ ــ ان ما نراه ينشأ اليوم هو بنية عالمية جديدة للقوة, وهي التي ستشكل على الاغلب معايير السياسات الدولية على مدى السنوات الخمس عشرة المقبلة. والولايات المتحدة, وهي القوة العظمى الوحيدة اليوم, تشكل الطبقة الاولى من هذه البنية. اما الطبقة الثانية فتتكون من عدة قوى اقليمية رئيسية, مثل الهند, الصين, روسيا, اوروبا. الفرنسية ــ الالمانية, والبرازيل. وفي الطبقة الثالثة هناك ما يمكن ان نسميه قوى اقليمية (ثانوية) مثل باكستان فيما يتعلق بالهند, والمملكة المتحدة فيما يتعلق بالتحالف الفرنسي ــ الالماني, واوكرانيا فيما يتعلق بروسيا, واليابان فيما يتعلق بالصين, والارجنتين فيما يتعلق بالبرازيل. وفي هذه البنية ثلاثية الطبقات هناك ميل طبيعي للصدام بين القوة العظمى والقوى الاقليمية الرئيسية. فالولايات المتحدة, باعتبارها قوة عظمى وحيدة, تشعر بأن لها مصالح ومسئوليات عالمية, وبالتالي تحاول تشكيل الاحداث في اي مكان من العالم حسب رغبتها. اما القوى الاقليمية فتقاوم هذا, لأنها تشعر بأنها يجب ان تكون صاحبة دور رئيسي تلعبه في المناطق التي توجد فيها من العالم, وهذا بالتأكيد يولد التوتر. خلال سنوات ادارتي بيل كلينتون, ادت الطريقة التي حددت بها الولايات المتحدة مصالحها ودورها في العالم فيما كانت تتبنى العولمة الى تأزيم هذا التوتر, بل كان هناك نوع من الضغط المؤسساتي الحركي لتوسيع دور الولايات المتحدة. وأصبحت واشنطن متورطة في نزاعات البلقان, وذلك في جانب منه بسبب كون الناتو موجود مسبقا, وعليه ان يفعل شيئا. غير ان هناك ايضا على المستوى الثالث توترا بين القوى الاقليمية الكبرى, التي تحاول ان تكون هي من يدير الاحداث, وبين القوى الثانوية. ولهذا تميل الدول الثانوية للنظر الى القوة العظمى على انها قوة معاكسة لرغبة الهيمنة من جانب القوة الاقليمية. وبالتالي تركز المملكة المتحدة وباكستان واوكرانيا واليابان على اقامة علاقات اوثق باستمرار مع الولايات المتحدة. احيانا, تتنازع القوى الاقليمية الرئيسية مع بعضها خاصة اذا ما كانت تشترك بحدود بينها. فالهند والصين في حالة نزاع اغلب الوقت. والروس يقولون ان اكثر مخاوفهم تأتي من جانب الصين. فهي ذات تعداد سكاني يزيد بثمانية اضعاف عن روسيا ولديها اقتصاد مزدهر وتجمعها آلاف الاميال من الحدود المشتركة والروس يرون عالما اصغر فعلا كلما نظروا شرقا. وبالطبع, فإن العلاقات بين روسيا والصين حاليا تعد جيدة وروسيا تبيع السلاح للصين. كما ان هناك علاقة جيدة بين الهند وروسيا كما كان صالحهما خلال الحرب الباردة. كل هذه الدول الاقليمية تبدي اليوم معارضتها الواضحة للهيمنة الامريكية, لكن احدا لا يصل في وضوح مقاومته لما وصله وزير الخارجية الفرنسي اوبير فيدرين. وبالتالي اذا لم يكن هناك تحالف, فستكون هناك على الاقل مقاومة جيواستراتيجية بفعل الواقع لما تريده الولايات المتحدة لنفسها ان تكون عليه في العالم. غير انه يجب ان اقول ان هذه القوى الاقليمية الرئيسة هي قوى متناقضة, نعم هم يستاءون من الهيمنة الامريكية ومن محاولات جعلهم يعملون بالتوافق مع المصالح الامريكية. لكن من جهة اخرى فإن بمقدور الولايات المتحدة فعل الكثير لصالح هذه القوى وخاصة فيما يتعلق بالتجارة والتقنية والاستثمار. واليوم لهذه القوى مكاسب اكبر متضمنة في علاقاتها مع الولايات الاخرى من اي وقت سابق مع ان هذا قد يتأخر مستقبلا. وهذا التناقض هو اوضح ما يكون في السلوك الروسي. فروسيا بقيادة الرئيس الحالي فلاديمير بوتين تحاول ان تقود التحالف المناوىء لأمريكا, وفي المقابل تسعى لتحقيق علاقات طبيعية مع واشنطن. * لو ظهر تحالف مناوىء للولايات المتحدة بين الصين وروسيا فهل سيتبع ذلك بالضرورة كون هذا التحالف تحديا للقيم الغربية مثل حكم القانون وحقوق الانسان والديمقراطية؟ ألا يمكن لهذه القيم ان تستمر بالتطور على الرغم من العداء لأمريكا؟ ــ هذا يمكن فهمه نظريا. انا لن اكون متفائلا كثيرا بخصوص اي تقدم سريع لحكم القانون بالمفهوم الغربي في روسيا او الصين. * دعا كل من الرئيس جورج دبليو بوش ووزير خارجيته كولين باول لمزيد من التواضع وتقليل الغطرسة في السياسة الخارجية الامريكية. هل سيساعد ذلك على تخفيف القلق الجيوستراتيجي؟ ــ اعتقد ان الاجابة هي نعم, اذ ان درجة من الانضباط على الجانب الامريكي هي ما يجب ان ندعو له. حينما تكون هناك نزاعات في العالم وتريدنا اطراف هذا النزاع ان نتدخل, حينها يجب ان نلبي لكن يجب الا نكون مندفعين وكأن من مسئوليتنا ان نحل كل مشكلة في العالم. ان من مصلحة الولايات المتحدة الترويج للتعاون بين الدول في مختلف مناطق العالم حتى تقوم هذه الدول بمعالجة مشكلاتها. * لكن تقرير السي آي أيه يتوقع ايضا (انهيارا) للتحالف الامريكي ــ الاوروبي في السنوات الخمس عشرة المقبلة بسبب النزاعات التجارية والسياسية مثل ذلك القائم حول الدفاعات الامريكية المضادة للصواريخ البالستية. هل ترى ذلك ايضا؟ ــ داخل اوروبا نستطيع دوما ان نتوقع من فرنسا ان تكون في اغلب الاحوال من مناوئي الولايات المتحدة, وأن تكون المملكة المتحدة عادة من انصار واشنطن. اما ألمانيا فتظل السؤال المحير الاكبر. خلال الحرب الباردة وفي الفترة التي تبعتها مباشرة كانت ألمانيا من اشد انصار الولايات المتحدة, لكن ذلك قد لا يستمر بعد ان اصبح للاتحاد الاوروبي عملته الخاصة الموحدة وفيما هو يبذل جهودا كبيرة لبناء قواته المسلحة الخاصة ايضا. كما ان اوروبا متفقة في الرأي مع الصين وروسيا حيث تقاوم فكرة الدفاع الصاروخي البالستي. ومن هذا المنظور لن يكون من الواقعي بالتأكيد التفكير بأن التحالف الاطلسي الشمالي سيبقى كما كان عليه خلال الحرب الباردة. على الرغم من ذلك فإن لدى الامريكيين والاوروبيين من وجهة نظر حضارية, ارضية مشتركة ستحتوي تلك الخصومة الجيواستراتيجية وتمنعها من الخروج عن نطاق السيطرة. * حذرت رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارجريت تاتشر من ان (المشروع الاوروبي) ما هو الا (خدعة ألمانية) وأن العملة الموحدة والاتحاد الاقوى لن يعملا على تشكيل ألمانيا أوروبية بقدر ما سيفرزان أوروبا ألمانية. واليوم وفيما اصبح الجانب الفرنسي في هذه الشراكة الاوروبية اقل بروزا, اصبح واضحا ان اوروبا اصبحت ألمانية. لكن ألمانيا على الجانب الآخر, ليست هي ألمانيا القديمة.. بل هي ألمانيا الامريكية هل تنظر لها بهذا الشكل؟ ــ ذلك صحيح ولهذا السبب فإن الاوروبيين حتى وهم يبنون قوتهم العسكرية المستقلة سيبقون حتى بنواتهم الألمانية الاكثر قوة منسجمين ثقافيا مع الامريكان وبالتالي من غير المحتمل ان يصبحوا خصوما كاملين في المستقبل بغض النظر عما يحدث للناتو. * من بين النتائج الاخرى التي تتوصل لها دراسة السي آي أيه بروز تحالف (ارهابي) دولي ذي (أهداف متنوعة معادية للغرب) وقادر على امتلاك اسلحة الدمار الشامل. هل اصبح صراع الحضارات الذي تنبأت به صراعا مسلحا وتهديدا رئيسيا للغرب في المستقبل؟ ــ نعم يجب ان ننظر لهذا بجدية, والى حد كبير على الرغم من ان الغرب قد عمل بشكل معقول ليحتوي التهديدات الارهابية. قبل عام من الآن كانت لدى اسامة بن لادن خطة متطورة جدا للتسبب بالمشكلات في اماكن عديدة من العالم. لكنه فشل في ذلك عموما ويبدو ان المستوى العالي من الحذر في الغرب لمواجهة هذا التهديد قد اعطى ثماره. والآن لا يزال التهديد الرئيسي للغرب مصدره الاسلاميين السياسيين. لكن (الارهاب) هو سلاح الضعفاء, ولهذا من المؤكد ان مجموعات اخرى ستظهر في المستقبل. * هل سيؤدي توسيع نطاق العولمة الى اخماد الارهاب ام تحفيزه؟ ــ ان الاتصالات وتطوير وسائل السفر عبر العولمة قد جعل من الاسهل, طبعا بالنسبة للشبكات الدولية من (الارهابيين) وعصابات المافيا ان تعمل. وما نراه هو ان العولمة تنشر الفوضى عبر النوع نفسه من وسائل الاتصال التي تساهم في توسيع التجارة الشرعية وغيرها من النشاطات القانونية. ان جزءا لا يستهان به في العالم اليوم تعم فيه الفوضى من كولومبيا الى القوقاز. * يتوقع تقرير السي اي ايه ايضا نقصا في امدادات المياه وظهور مدن ضخمة تعمها الفوضى وتراجع اعداد السكان في الدول المتقدمة وهجرة واسعة من الدول الاكثر فقرا. اي من هذه التنبؤات نراها الاكثر اهمية؟ ــ ان الهجرة هي قضية مركزية في زماننا. في العالم المتقدم هناك مشكلة التقدم المعدل العام للسن وهو ما سيتبعه قريبا تقلص اعداد السكان. وفي الاجزاء الاكبر من باقي العالم يستمر تزايد اعداد السكان بشكل يوفر اجيالا شابة هي مصدر الهجرة وعدم الاستقرار والارهاب. ان اوروبا واليابان ستواجهان اصعب التحديات للتعامل مع هذا الواقع. فمعدلات الخصوبة في معظم اوروبا تقل عن 1.2 وفي اليابان تبلغ 1.3. وهذه الدول التي تواجه مشكلة ـ هرم السكان وتراجع اعداد البشر لن تكون قادرة على استدامة وضعها الاقتصادي الحالي دون ان تفتح الابواب امام اعداد اكبر فأكبر من المهاجرين وهو شيء معتادين عليه. وهذا ينطبق بشكل خاص على اليابان. اذ ان فتح الابواب امام المهاجرين يحتاج بالنسبة لهم ثورة اجتماعية. ومع ان لدى الاوروبيين بعض الخبرة الا ان هذه الضغوط قد اطلقت فعلا ردود افعال من رهاب الاجانب. والمعضلة التي يواجهونها هي انهم اذا ما ارادوا الاحتفاظ بالتماسك الثقافي لبلدانهم عليهم الحد من الهجرة او ايقافها, لكنهم لا يستطيعون بفعل الضرورة الاقتصادية. واذا ما استقبلوا المهاجرين دون ان يستوعبوهم في ثقافاتهم فسيجدون انفسهم وهم يواجهون جيوبا كبيرة من الاجانب الساخطين والناقمين كما هو الحال في فرانكفورت وبرلين. فهذه الدول ليست لديها سوى تجربة بسيطة في استيعاب الناس الآتين من ثقافات مختلفة. اضف لذلك ان العديد من المهاجرين الآن لا يريدون من دول المهجر ان تستوعبهم. اذ مع تقدم في وسائل الاتصالات والتنقل يستطيع المرء ان يبقى تركيا فيما هو يعيش في ألمانيا. * ربما كان نجاح امريكا باعتبارها دولة من المهاجرين المستوعبين هو عامل آخر في كونها قوة عظمى؟ ــ ان امريكا تواجه التحدي نفسه كما الآخرين. اذ ان العوامل التي ساعدت في استيعاب موجات المهاجرين سابقا اواسط القرن التاسع عشر وقبل الحرب العالمية الاولى لم تعد موجودة الآن. في السابق كانت لموي الهجرة هاتين نهايتهما, مما ساعد في استيعاب المهاجرين مع توقف قدوم مهاجرين آخرين من الناس انفسهم. كان الناس يأتون من مصادر شديدة التنوع تمتد بين ايطاليا وايرلندا وبولندا واليونان والصين وحينما يصل المهاجرون الى امريكا كانوا ينتشرون عبر البلاد. اما الموجة الحالية من المهاجرين الى الولايات المتحدة فهي تيار لا نهائي ومعظمه من المهاجرين غير الشرعيين لم تشهد لهم الولايات المتحدة في السابق مثيلا. وهؤلاء هم من الهسبان على نحو غالب وداخل هؤلاء الهسبان يسود المهاجرون المكسيكيون. ويتركز هؤلاء في الجنوب الغربي بين ولايتي كاليفورنيا وتكساس. في السابق كان المهاجرون ينقسمون الى فئتين: الاولى هم (المتحولون) الذين ارادوا من امريكا ان تستوعبهم, ولهذا تحولوا بالكامل لتبني الطريقة الامريكية في الحياة, فتخلوا عن لغاتهم وعاداتهم الاصلية وتركوها وراءهم. اما المجموعة الاخرى فهم من يمكن تسميتهم بـ(الرحالة) الذين عملوا في الولايات المتحدة 15 سنة, على سبيل المثال, ثم عادوا الى وطنهم, سواء أكان صقلية او غيرها, حيث يعيشون الآن بأفضل حال. لكن المهاجرين الآن ليسوا بمتحولين ولا رحالة. انهم يتنقلون جيئة وذهابا بين كاليفورنيا والمكسيك ويحتفظون لأنفسهم بشخصيات مزدوجة ويشجعون اقاربهم على اللحاق بهم. ان المرشحين الرئاسيين المكسيكيين يخوضون حملاتهم لجمع التبرعات حاليا في لوس انجلوس. وهكذا فإن على الولايات المتحدة ان تواجه كل تعقيد القضايا هذه شأنها في ذلك شأن اوروبا واليابان. ولا يمكنها ان تزعم غير هذا لكونها قد نجحت سابقا في استيعاب المهاجرين, بل عليها ان تنجح في ذلك مستقبلا. * هل سيبقى الغرب على القمة في السنوات الخمس عشرة المقبلة؟ هل ستبقى الولايات المتحدة هي المهيمنة؟ ــ ان الاتحاد الاوروبي والصين سيصبحان لاعبين رئيسيين. وفي غضون ذلك ستعود روسيا لقوتها فيما قد تظهر الهند كلاعب نافذ. ان التحول بعيد المدى هو بالتأكيد نحو مزيد من التكافؤ بين القوى الكبرى وتقليل من هيمنة الولايات المتحدة التي ستتآكل قوتها نسبيا. لن تكون لدى الولايات المتحدة الرغبة في ادارة العالم, كما ان العالم بمجمله سيفقد صبره شيئا فشيئا من محاولات امريكا فعل ذلك. ترجمة: جلال الخليل ، عن (لوس انجلوس تايمز) ، خاص لـ (البيان)