قضايا كثيرة شغلتني وأنا صغير لدرجة أنني كنت أدخل غرفتي وأغلق بابها وأجلس وحيدا أغلب الوقت.. أفكر بقلق واضح وأتساءل: هل من حل لهذه القضايا. وهل يمكن أن يأتي اليوم، الذي أساهم ولو بجزء ضئيل في حلها أو بأضعف الإيمان أزيح الستار عنها لأكشفها وتظهر لمن لم يرها أو لم يهتم بها.. كانت قضايا اجتماعية وسياسية سكنت وجداني حتى كبرت وعرفت كيف اقتحمها من خلال السينما. ولعل السطور القادمة تكون كافية لرصد تجربتي مع السينما والوطن.. أتصور أن البيئة التي ينشأ فيها أي إنسان خاصة في الفن يمكن أن تضعه على بداية السلم أو لا تضعه, وقد نشأت في منزل مخرج كبير هو والدي (سعد عرفه), وتفتح وعيي وعقلي ومداركي على حب الفن بشكل عام والاخراج على وجه الخصوص, لكنني لم أدرك رغبتي الحقيقية في أن أصبح مخرجا إلا في مرحلة الثانوية العامة, فالطفل في سن مبكرة لا يستطيع أن يتعرف على طبيعة هذه المهنة التي تبقى متوارية وراء الكاميرا في الوقت الذي قد ينجذب فيه إلى مهن فنيه أخرى يتجسد نجومها أمام ناظريه سواء على شاشة التلفزيون أو السينما مثل التمثيل والغناء والرقص, ومن المؤكد أنني استطعت التعرف على الجوانب الإيجابية في مهنة الاخراج في سن مبكرة جدا, مما ساعدني على إتخاذ قراري النهائي فيما بعد.. وأذكر أن أول درس تعلمته من أبي كان (أقرأ كثيرا كي تتعلم من خبرات الآخرين كما تتعلم من خبراتك الشخصية) وبهذا الدرس تم توجيهي ناحية الدراما على غير وعي أو اختيار من جانبي. ومن خلال قراءاتي المتعددة أحببت دراما الأدب وأقبلت على كل ما كتبه كبار الأدباء أمثال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ ويوسف ادريس ويوسف السباعي ويحيى حقي.. وغيرهم. واكتشفت في كل هؤلاء الكتاب الكبار ما أفادني إفادة كبيرة ومهمة جدا في حياتي, فالشخصيات الإنسانية في رواياتهم شديدة الثراء والتنوع وأيضا شديدة الصدق, وهذه أهم زاوية في الدراما سواء المكتوبة أو الروائية, وإن كنت لم استخدم نفس الأسلوب في أفلامي تعلمت منهم ألا أقدم شخصية غريبة عني, أي لم أشاهدها أو أقرأها من قبل. تعلمت من أبي أيضا ألا أكون منفصلا عن الوطن أو عن المجتمع الذي أعيش فيه, وأن تكون أفلامي نابعة من الهم العام ومعبرة عن قناعاتي الفكرية والفنية قدر الامكان, وهو أيضا ما تعلمته من قراءة الروايات الأدبية وخاصة ليوسف ادريس, وأذكر أنه في وقت تخرجي في المعهد العالي للسينما أنه كان مشروع التخرج يستمر لمدة عامين, وكنت حينذاك أريد تقديم مشروع له طابع ديني, فطول حياتي أشعر أن في داخلي هذا الوازع الديني الذي يدفعني للتساؤل حول: هل يجب أن نحيا حياتنا كما هي أم نتجه للعبادة فقط؟! وكانت أمامي رواية اسمها (أبو ناتوما), لكنني لم أنفذها وفضلت أن أتركها لزميل دفعتي (هاني يان) لأنه كان مسيحيا وله علاقة أفضل بالكنيسة وبالتالي يشعر بهذا الموضوع أكثر مني, واخترت بدلا منه قصة تتناول شخصية راهب يتعبد في الصحراء وتأتي إليه فتاة جميلة في خياله ليقع صراع حاد بينه وبينها, هذه القصة من نوعية الأفكار التي لا يمكن تناولها في السينما العادية, ولكن قبل كل هذا أود أن أوضح أمرا مهما هو أن مشروع تخرجي لم يكن بداية ممارستي الفعلية للعمل السينمائي, لأنني مارست هذا العمل قبل دخولي المعهد, حيث عملت في كل المهن السينمائية بداية بالكلاكيت والانتاج والتصوير إلى أن وصلت إلى مساعد مخرج, وأكثر ما أفادني في بداياتي الأولى عملي مساعد لعدد من كبار المخرجين أمثال والدي سعد عرفه وحسن الامام ونيازي مصطفى وتوفيق صالح ثم محمد خان في مرحلة تالية, وآخرين كان مستواهم أقل بكثير من هؤلاء, وكنت أتعلم من السيء كما أتعلم من الجيد. قدمت أول أفلامي الاقزام قادمون عام 1986 في نهاية مرحلة التألق السينمائي وكان أمامي طريقان: إما أن التزم بقواعد المدرسة التي نشأت بين أحضانها وتعلمت فيها الاخراج أو أن أقدم شيئا مختلفا, وبالتأكيد توافق الطريق الثاني مع طموحاتي وأحلامي فقررت أن أعتمد على مشاهد سينمائية فيها كم أكبر من الموسيقى سابقة على المشهد نفسه كما حدث في (سمع هس) وقبله (الدرجة الثالثة), وهذا الفيلم بالتحديد لو شاهدناه بتمعن وهدوء سنجد فيه مناطق كثيرة التحمت خلالها الموسيقى والصورة بأسلوب مبتكر لم يكن موجودا في السينما المصرية من قبل, ولا أنكر أنني في تلك المرحلة كنت متأثرا بأكثر من مخرج أجنبي ممن ابتدعوا هذا الأسلوب مثل ميلوش فورمان وبوب فوسي ونورمان جويسن, وهو مخرج ذكي جدا برغم تحفظي الشديد عليه لأنه يهودي, فقد حاولت تقييمه من الناحية الفنية بغض النظر عن انتمائه السياسي أو العقائدي. بدأت رحلتي الفنية مع السيناريست ماهر عواد بـ (الأقزام قادمون) ثم (الدرجة الثالثة), ورغم الهجوم العنيف الذي لاقيناه إلا أننا لم نتراجع وقررنا الاستمرار فقدمنا (سمع هس), وأتذكر أن به استعراض كان مناسبا لي أنا وماهر, فهو استعراض يقف فيه المجتمع كله ضد اثنين مقهورين (حمص وحلاوة) ولكنهما يواجهان الجميع بأغنية تقول (ح تشوفوا طريقنا مودي لفين.. على ما تهل سنة 2000 ح نكون فوق فوق فوق.. أطول فيكم ح ييجي تحت ركبنا بشبرين). فعلا (حمص وحلاوة) في (سمع هس) وقع عليهما نفس القدر من الظلم والقهر لكنهما لم يستسلما له, ونحن أيضا لم نستسلم, فقد عدت إلى ماهر من جديد في فيلم (اللعب مع الكبار) وهو أول أفلامي مع وحيد حامد وعادل إمام, ثم قدمت معهما أيضا (الإرهاب والكباب) و(المنسي) الذي تناول شخصية الإنسان الهامشي الذي يقضي معظم وقته منغلقا على نفسه في حجرة ضيقة ويتعامل مع الدنيا من خلال الحلم والتخيل, ثم جاءت تجربة (النوم في العسل) الذي تناول عدة قضايا على قدر كبير من الأهمية. وقد حاولت في أفلامي أن أبرز صراعا خفيا بين الإنسان الهامشي والسلطة, ووقفت دائما في صف الإنسان الذي يحلم ويصارع من أجل تحقيق حلمه, ففي مثلا (اللعب مع الكبار) نهايته كلمة واحدة تتردد على لسان البطل وهو يطلق الرصاص (ح أحلم.. ح أحلم.. ح أحلم) أي أنه لم يتخل عن (سمع هس), وفي مقابل ذلك تعمدت إظهار شخصية ضابط الشرطة في (اللعب مع الكبار) بشكل إيجابي لتحقيق حلم شخص بأن تتولى السلطة نفسها حماية الشخص الهامشي المقهور الشريف وهذا ليس انحيازا لها, وإنما لابد أن هناك في الواقع نماذج إيجابية للضباط والجنود والمسئولين, وحتي إذا لم يوجد أليس من حقي أن أحلم بوجوده.. ؟! ومع ذلك قدمت نموذجا سيئا للضابط في (الارهاب والكباب) لأكرس مبدأ هاما أنني سأكون إلى جوار السلطة طالما كانت إلى جوار الحق, والإرهاب والكباب) يقول بكل بساطة أن الإرهاب الحقيقي يكمن في العلاقات السيئة بين البشر وبعضهم ويؤكد على تنافرهم في البداية ثم تقاربهم في النهاية عندما واجهوا السلطة التي تحولت إلى سيف معلق فوق رقابهم عندما قال وزير الداخلية (كمال الشناوي) (سنعتبر الرهائن شهداء ونقتحم المكان إذا لم تهبطوا قبل الساعة السادسة.. هنا ظهر الجانب الإيجابي في كل الشخصيات, فقد خرج الجميع وفي حمايتهم المجرم الإرهابي الذي اختطفهم حتى لا يقع في يد السلطة لأنه في الأصل ليس إرهابيا وإنما إنسان بسيط يبحث عن حقه في الحياة. وفي (طيور الظلام) لا توجد ادانه أكثر من ذلك للسلطة, فقد قلت وبشكل مباشر أن الارهاب ليس في الدين, لكنه موجود وبنفس القدر في الحكومة الفاسدة, وأعتقد أنها رسالة ليس فيها أي نوع من التصالح مع السلطة, وربما أكون قد تخليت عن الشخصيات الإيجابية في هذا الفيلم فقط بما فيها شخصية (أحمد راتب) الشريف صاحب المبادئ الذي لا يدافع عنها أو يحارب من أجل تحقيقها, بل يكتفي بالجلوس في المقهى و تدخين الشيشة, لذا لن أكرر هذا الفيلم مرة أخرى لأنني ضد هذه النوعية من الشخصيات, وهي لا تتوافق بأي شكل مع طبيعتي المقاتلة. بعد ذلك اتجهت إلى الأفلام الكوميدية, وهذا لا يعد تراجعا في خطي البياني, فأنا لم أتخل عن محاولاتي في التجديد سواء على مستوى الشكل أو المضمون, كما أن أفلامي الكوميدية لم تخل من النقد الاجتماعي أو السياسي اللاذع, وهذا كان واضحا في (عبود على الحدود) و(الناظر) ثم اننا نعيش في سنة (2001) ولابد أن تكون أفلامنا مختلفة تبعا لاختلاف العصر, ولا أظنني تراجعت فنيا أو تقنيا لأن المخرج يبقى دائما محصلة زمنه. يرويها : شريف عرفة