افتتح منتدى دافوس الاقتصادي اجتماعه السنوي بحضور 30 رئيس دولة وحكومة و80 وزيرا والنخبة السياسية والاقتصادية في العالم في سويسرا الخميس 25/1/2001 وسط اجراءات امنية مشددة, وقد استهل منتدى دافوس اعماله السنوية بتقويم كئيب جدا من الدول النامية لنتائج الاتجاه الاقتصادي للعولمة (الامركة) ولئن غابت امريكا رسميا عن دافوس فقد مثلها وكلاؤها وشركاتها التي كان لها الحظ الاكبر من العقود, وبرزت اليابان كقوة اقتصادية هذه المرة باستعدادات غير مسبوقة. من جهة اخرى افتتح الآلاف من المناضلين ضد العولمة في بورتو الليجري في جنوبي البرازيل (المنتدى الاجتماعي العالمي) الذي دعت اليه سلطات عاصمة ولاية ريو جراندي دوسول التي يتولاها حزب العمال اليساري, كرد مباشر وظاهر على دافوس. شارك حوالي 3500 من السياسيين والمفكرين والناشطين المناهضين للعولمة من نحو 100 بلد في حفل الافتتاح الرسمي للمنتدى الاجتماعي في بورتو الليجري تلته مسيرة في شوارع هذه المدينة التي تبعد 1600 كم جنوبي ساوباولو. ومن المقرر ان تقام حوالي 400 ندوة دراسية خلال هذا المنتدى الذي سيستمر خمسة ايام وسيتركز حول (محاور رئيسية) هي (انتاج الثروات) و(الطريق الى اقتناء الثروات) و(ايجابية المجتمع المدني) و(السلطة السياسية والعرقية في المجتمع الجديد) و(قضايا البيئة). ويشارك في المنتدي الاجتماعي زوجة الرئيس الراحل فرانسوا ميتران دانييل, والكاتب البرتغالي الحائز على جائزة نوبل للادب خوسيه ساراماجو والرئيس الجزائري الاسبق احمد بن بله. ويقول منظمو هذا المنتدى انه ليس مجرد حركة احتكاك وانما يهدف الى المساهمة بإيجاد افكار اقتصادية فعالة للتغلب على قوى الكون الامريكية (العولمة) وينادون بإلغاء الديون المتوجبة على دول العالم الثالث واصلاح المنظمات المالية والنقدية الدولية وفرض ضرائب على حركة الرساميل والقضاء على ما يعرف بفخ الاعفاءات الضريبية ويضيفون انهم يعتزمون عقد هذا المنتدى بصورة سنوية. بدأ منتدى دافوس الذي استمر ستة ايام اعماله بنقاش حول الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة حيث يثير تباطؤ نموه قلقا لدى بقية دول العالم وبحث المجتمعون في عناوين طنانة قضايا (دعم النمو وردم الفجوات) بين الاغنياء والفقراء والعمل على (استقرار وتيرة العولمة) وبين الشخصيات الـ 3200 المدعوة الى دافوس قادة عدد من المنظمات غير الحكومية مثل (جرينبيس) ومنظمة العفو الدولية, كما ان هناك فنانين مشهورين يساريين وقد وجدت النخبة السياسية والاقتصادية في العالم لدى وصولها الى دافوس, هذا المنتجع الرياضي الشتوي, مئات من رجال الشرطة والجيش السويسري اضافة الى خبراء الامن والاسلاك الشائكة التي اقيمت لحمايتهم من تظاهرات المناهضين من المنظمات غير الحكومية وبالرغم من معارضة رئيس المنتدى لهذه التظاهرات إلا انها مثلت اتجاها قويا لالغاء العولمة. طالب زعماء الدول النامية امام المنتدى الاقتصادي العالمي المنعقد في منتجع دافوس السويسري بنصيب عادل من ثمار العولمة, مؤكدين ان الارباح تتدفق اساسا على الدول الصناعية الغنية, وفي انتقاد حاد للعولمة, لاحظ الرئيس التنزاني بنيامين مكابا ان هوة الثراء بين الدول الغنية والفقيرة تزداد اتساعا, وقال ان الانقسام الرقمي او الهوة بين من يملكون ومن لا يملكون في عالم التكنولوجيا تزداد اتساعا, واضاف انه في مواجهة مرضى العوز المناعي المكتسب (الايدز) والملاريا بدأت فجوة جديدة تظهر ألا وهي الهوة التي تتعلق بالقيمة التي ترتبط بالحياة نفسها وأوضح انه بينما تحول الايدز على نحو متزايد مرضا خطيرا في الدول الغنية فهو يعرض للخطر مجتمعات كاملة في الدول النامية, ورأى أنه لا يمكن تحقيق مزيد من المساندة للعولمة والتحرر إلا اذا كان لدينا شيء نقدمه لشعوبنا من حيث العائدات والمزايا. وطالب بوقف هبوط حصة افريقيا من الاستثمارات الاجنبية المباشرة. واكد ان اجراءات لتخفيف الديون يجب اتخاذها وتنفيذها بسرعة اكبر وحض على تحسين وصول منتجات الدول النامية الى اسواق الدول الصناعية بشروط ميسرة وقد ايده في الطروحات رئيس جنوب افريقيا ثابومبيكي. ونادى وزير الزراعة البرازيلي ماركوس براتيني دي مورايس بتحريرالتجارة العالمية على صعيد المحاصيل الزراعية. وقال ان البرازيل وهي من الدول الكبرى في مجال تجارة المحاصيل الزراعية لا يمكنها المنافسة في ظل الدعم الذي توفره الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي واليابان لمنتجاتها الزراعية والبالغ مليار دولار يوميا وإذا كنا نريد ضمان استفادة الدول النامية من ثمار العولمة, فعلينا ضمان بقاء منتجاتها الزراعية قادرة على المنافسة. وشدد على ان البرازيل (لا يسمح لها) ببيع منتجاتها في الخارج وهي في الوقت نفسه مطالبة بفتح اقتصادها. وخلص الى ان (تحرير التجارة العالمية ينبغي ان يكون طريقا ذا اتجاهين). اختلف خبراء اقتصاديون في دافوس بشدة حول الدروس المستفادة من عشر سنين من الاصلاحات في نظامي اقتصاد دول شرق اوروبا والصين المنتقلين من الاشتراكية الى اقتصاد السوق, انقسم المشاركون في النقاش الى معسكرين, فمن جهة رفض رئيس الوزراء التشيكي السابق فاسلاف كلاوس فكرة وجود استراتيجية واحدة يمكن تطبيقها في كل مكان, اذ ان ظروف كل بلد تختلف عن الاخرى. ومن الجانب الآخر دعا رئيس بنك الصين زومين يسانده استاذ الاقتصاد بجامعة ستنافورد جوزيف ستجيليتز الى اتجاه يجمع ما بين اصلاح القواعد الحكومية وقوانين القطاع الخاص في تحويل الاقتصاد. وقال كلاوس مسترجعا المعاناة التي مرت بها جمهورية التشيك خلال اوائل التسعينيات في نضالها للتحول الى اقتصاد السوق: ان الدولة لم يكن لديها الوقت لمحاولة تنفيذ اسلوب (تدريجي ـ ثنائي) مثل الذي اتبعته الصين. وقد وافق المشاركون كافة في النقاش على ان عملية التحول من النظام الاشتراكي الى اقتصاد السوق هي عبارة عن طريق مزروع بالاوهام الكاذبة. وقال: قيل للدول ان النظام الشيوعي نظام اقتصادي سيء وبالتالي فإنه عندما تتخلصون منه سيزدهر اقتصادكم. ولكن اذا لم تنفذ الاصلاحات بشكل منظم ومنضبط فإن النتيجة ستكون اضطرابات اجتماعية. وضرب مثالا على ذلك انخفاض الانتاج في روسيا وارتفاع نسبة البطالة وانتشار الفقر وازدهار المافيا فيها. في غضون ذلك اعرب الفقراء المشاركون في المنتدى الاجتماعي العالمي المنعقد في بورتو الليجري عن رغبتهم بإنشاء (صندوق عالمي للتعويض) عن نهب الدول الغنية لدول العالم الثالث ونددوا بقواعد التجارة الدولية القائمة واقترحوا اقامة حواجز كـ (مؤشرات للمسئولية الاجتماعية) وفرض احترام القواعد التي تمنع اغراق الاسواق. وقال رئيس لجنة الغاء ديون العالم الثالث اريك توسان: ان مهمة صندوق التعويض الذي اقترح انشاءه ستكون تعويض: النهب المزمن جدا في دول العالم الثالث). وقال خلال مناقشة بعنوان (نظام مالي من اجل المساواة بين الدول) ان الصندوق سيخضع لاشراف الامم المتحدة وليس للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي. فهاتان المؤسستان رمز للعولمة الامريكية. وسيتم توفير امواله من رسوم تقتطع من العمليات المالية على حد ما طالب به عدد كبير من المشاركين. وفي المقابل اعتبر المشاركون في المناقشة ان فكرة انشاء (بنك للفقراء) التي سبق واقترحتها منظمات غير حكومية ممثلة في المنتدى, (غير واقعية). وقال هؤلاء الخبراء ان قيمة ديون الدول النامية بلغت اربعة اضعافها في 20 سنة, وارتفعت من 520 مليار دولار في العام 1980, الى 2070 مليار دولار في 2000, في حين ان هذه الدول سددت 3350 مليار دولار خلال هذه الفترة, أي ستة أضعاف ديون العام 1980, كما اوضح اريك توسان. وما زال الامر قيد المناقشة ولم تصدر حتى الآن آراء نهائية في هذا الموضوع المهم. الحضور العربي وقد شارك العرب الموجودون في دافوس في ندوة موضوعها (القيادة في القرن الحادي والعشرين للعالم العربي) بحضور الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني, أمير قطر, والشيخ سلمان بن حمد آل خليفة, ولي عهد البحرين وقائد قوة الدفاع, والفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم, ولي عهد دبي وزير الدفاع بدولة الامارات العربية المتحدة. وبين الاسئلة المطروحة هل يشترك الجيل الجديد من الزعماء العرب في رؤية واحدة للنمو الاقتصادي؟ وكيف يستفيدون من دروس الماضي لمواجهة تحديات المستقبل. ومن الواضح ان جيل الشباب يتوقون الى معالجة شئون بلادهم بالاستفادة من العلم والتكنولوجيا وتجارب الاخرين. غير انهم ليسوا سواء في هذا الامر. فلقد كان خطاب سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم منهجيا يأخذ المفيد من الاتجاهات العصرية وكان لافتا ان يكون وفد الامارات برئاسة ولي عهد دبي وزير الدفاع سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. وفي كلمته التي ألقاها أمام المنتدى اشاد بضرورة زيادة الصرف على التعليم مؤكدا ان القائد العصري هو الذي تتفاعل عنده المبادرات والانجازات والقدرة على تحفيز الابداع وإلهام المبدعين وإرساء ثقافة المساءلة والمحاسبة والريادة والعطاء. تعليق أولي وتحدث المراقبون عن كلمة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بكثير من التقدير لأنها كانت المرة الاولى التي يدلي فيها القادة العرب الشباب بخطاب منهجي للمستقبل, وقد دلت الكلمة على ثراء كبير من قيم العصر النبيلة, والاقتراحات التي طرحها لم تكن متوقعة, فلقد كانت الدعاية الصهيونية تصور العرب على انهم متخلفون عن ركب الحضارة ولا يستطعون استيعابها. الافكار التي ادلى بها سموه تنبع من نظام اكتمل نضوجه بين اقرانه. من الواضح ان الاستقرار قد اينع في الامارات بقيادة حكيم العرب صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة ذي التجارب الغنية, وامثال الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع حيث يمتلكون حاشية علمية تعكس التوجهات الشعبية وتلتف حول القائد المؤسس في عمل بناء في مجتمع الامارات المتطور. ان كلمة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم تدل على ان التمكن بسلاح العلم والمعرفة نبع لا ينضب وهو طريق الفضيلة في الحكم والامانة في المسئولية ومثال يحتذى لمن اراد النهوض وما احوج العرب الى ذلك.