نحو تصويبها وتصحيح مسارها ، العولمة بين شعار تضييق الفجوات وواقع اتساع المعارضة

أصبحت مؤتمرات المنتدى الاقتصادي العالمي المشهور (بمنتدى دافوس) صاخبة في نهاية القرن العشرين وبداية القرن الجديد, صاخبة بالحضور الصاخب والمحتشد لرؤساء الدول ورجال الأعمال ورجال الاعلان والصحافة, صاخبة بالمعارضة التي تحتشد في صور مختلفة من التعبير الصاخب, وصاخبة بالاهتمام العالمي للانعقاد السنوي في مدينة دافوس بسويسرا. وجاء انعقاد منتدى دافوس لعام 2001 محملا بتراث من الصراعات والتحولات, وتراث من التأثير والمعارضة, الأمر الذي أضاف لصخب المؤتمر السنوي تأهبا لأجهزة الأمن السويسرية ونشر مئات الجنود لمنع المظاهرات المعادية والمناهضة للعولمة, وتأهبا في موضوعات الحوار لعام 2001 بالدخول في أحاديث وشعارات تدعيم النمو وتجاوز الفجوات وتصحيح مسار العولمة. دافوس 1971 وتعود فكرة إنشاء المنتدى الاقتصادي العالمي إلى عام ,1971 وإلى مبادرة فردية من بروفسير سويسري شاب في مجال إدارة الأعمال, لم يكن يتجاوز عمره 31 عاما, حيث وجه الدعوة إلى كبار الرؤساء التنفيذيين الأوروبيين لحضور تجمع غير رسمي في مدينة دافوس السويسرية الجبلية لمناقشة الاستراتيجيات التي تمكن أوروبا من مواجهة تحديات العمل التجاري في الأسواق العالمية, كان هذا البروفسير الشاب هو (كلاوس شواب), وكان هذا التجمع الذي بدأ محدودا هو النواة الأولى لمؤسسة مستقلة غير هادفة للربح ترفع عاليا (شعار من أجل زيادة النمو الاقتصادي والتقدم الاجتماعي في العالم). ومنذ بداية المنتدى وحتى عام 1976 ظلت العضوية محدودة, لكنها في عام 1976 وحيث فتح المنتدى باب العضوية تزايد عدد المشاركين حتى وصل عدد الأعضاء بحلول عام 1994 إلى ألف مؤسسة, واتسع المنتدى وتفرعت أنشطته, فلم يعد النشاط قاصرا على عقد المؤتمر السنوي في دافوس في الأسبوع الأخير من يناير كل عام, بل أصبح المنتدى يقدم خدمات استشارية ويصدر عنه دراسات وتقارير دورية ذات صبغة اقتصادية. تحولات دافوس وظهر منتدى دافوس منذ بداية التسعينيات داعيا للعولمة, مؤكدا على أفضليات نظام آليات السوق الحرة على أنظمة تدخل الدولة وحماية الصناعات الوطنية, وبدا محملا بوجهة نظر الدول الرأسمالية المتقدمة والشركات متعددة الجنسيات, وانطوت حواراته على بحث ومواجهة مشاكل النشاط الاقتصادي لهذه الشركات العملاقة في ظل تنامي ثورة المعلومات والاتصالات, وأصبح المنتدى الذي يقوم نشاطه على مجرد عرض الآراء والأفكار دون الوصول إلى قرارات محدودة وملزمة يسير على طريق تأكيد إيجابيات العولمة وضرورتها, ويدافع عن سياسات صندوق النقد الدولي ونصائحه وعن الجات ومنظمة التجارة الدولية, وسرعان ما دخل المنتدى بالنقاشات الاقتصادية إلى عالم السياسة, حيث أصبح مجالا لطرح مشروعات سياسية في إطار يبدو أكاديمي, مثل الدعوة للمؤتمر الاقتصادي للتعاون بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا, كمؤتمر يسعي لدمج إسرائيل في مشروعات التعاون الاقليمي في المنطقة عن طريق عقد اللقاءات التي تجمع ممثلي الحكومات والقطاع الخاص وطرح مشاريع التعاون الاقتصادي, بهدف استكمال إقامة نظام إقليمي جديد في المنطقة, نظام شرق أوسطي, كبديل للنظام الإقليمي العربي, تلك المؤتمرات الشرق أوسطية التي عقدت بالفعل في أعوام ,96,95,94 1997 في الدار البيضاء, وعمان, والقاهرة, والدوحة. تطورات دافوس وجاءت الأزمة المالية في جنوب شرق آسيا, التي اندلعت في عام 1997 في بلدان النمور الآسيوية وتفاقمت في 1998 كأزمة مالية واقتصادية لتنبه القائمين على منتدى دافوس بالجانب الآخر من قطار العولمة, وتذكر الجميع بشبح الكساد العظيم في ثلاثينيات القرن العشرين, وتخفف من غلواء الحديث عن إيجابيات العولمة, وتنبه إلى مخاطر الإندفاع في نظام آليات السوق الحرة, وإلى احتمالات اندلاع الأزمات المالية والاقتصادية في الشمال والجنوب. لذلك جاء منتدى دافوس ,1999 بالحديث حول (العولمة المسئولة), وبدأ الحديث عن تصويب العولمة, الأمر الذي عكس تأثير أزمات ,97 ,1998 وعكس مناخ أزمة العولمة, فلم يتساءل أحد قبل الأزمات الآسيوية والروسية والبرازيلية عن مشاكل وسلبيات العولمة, وما تسببه من خسائر مالية واجتماعية, بل كان الحديث مستمرا حول الدعوة إلى اللحاق بقطار العولمة السريع, وفي منتدى دافوس 1996 كان الموضوع الرئيسي عن دعم استمرارية مسيرة العولمة. لكن في لقاء 1999 ظهر الانقسام واضحا في المناقشات بين الولايات المتحدة الأمريكية التي ترفض أية إجراءات حكومية للتخفيف من حدة التقلبات, وتصر على أن الأسلوب الصحيح هو انتهاج أسلوب سياسات فتح الأسواق وتحرير أسواق المال, واليابان وأوروبا اللتين بدأتا في ذلك الوقت مناقشة مقترحات تميل إلى إجراءات للتدخل الحكومي لتصحيح الأسواق المالية وضبطها. وجاء لقاء منتدى دافوس 2000 وشبح مظاهرات سياتل ضد اجتماع منظمة التجارة العالمية مخيما على مناقشاته وموضوعاته, وبدأ في ذلك اللقاء الحديث عن تضييق الفجوة بين الدول الغنية والدول الفقيرة, وكما حاصرت المظاهرات متعددة المنابع الفكرية, متعددة التوجهات السياسية والثقافية, متعددة الأساليب والمنظمات اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل وأفشلت الاجتماع, حاصرت المظاهرات الحاشدة اجتماع منتدى دافوس ,2000 وحملوا لافتات وصفت ذلك الاجتماع بأنه (لقاء القتلة), كما أطلقوا على منظمة التجارة الدولية أنها (منظمة الارهاب العالمية). دافوس 2001 وجاء اجتماع منتدى دافوس 2001 محاولا تجاوز مشاكل اجتماعي ,1999 ,2000 التاسع والعشرين والثلاثين للمنتدى, محاولا تجاوز الانقسامات التي ظهرت من اجتماعي نهاية وبداية القرن, وتجاوز المشاكل التي فجرها المعارضون لكل من اجتماع منظمة التجارة العالمية في سياتل واجتماع منتدى دافوس, لذلك جاء التوسع في الدعوة للمشاركة بدعوة ما يقرب من 36 ممثلا لمنظمات غير حكومية للإشتراك في المنتدى السنوي بمن فيهم تيلو بودي المدير العالمي التنفيذي لمنظمة السلام الأخضر, وبيير ساني الأمين العام لمنظمة العفو الدولية, وأنورادها فيتشاي مديرة مؤسسة عالم واحد الدولية, فضلا عن عدد من ممثلي الاتحادات العمالية وصلوا إلى 12 ممثلا نقابيا, وزيادة عدد الصحفيين المشاركين إلى 500 صحفي. كما كانت محاولات التجاوز في انعكاس ذلك على جلسات المؤتمر بشعارات وأحاديث حول ضرورات التوصل إلى طرق تخطى الفجوات بين الأغنياء والفقراء. وقد شهدت جلسات المؤتمر نقدا عنيفا لمنظمة التجارة العالمية وشروطها حول الصناعات الغذائية والصادرات الزراعية, ونقدا عنيفا للولايات المتحدة الأمريكية حول شروطها الاضافية التي تضعها للصادرات الزراعية من الدول النامية, بما اعتبره وزراء من الدول النامية عقوبات مزدوجة تدفع ثمنها دول العالم الثالث مرتين مقابل حصولها على عضوية المنظمة العالمية للتجارة. وخيمت على حوارات دافوس 2001 روح نقدية مضادة للمؤسسات الاقتصادية الدولية, والاحساس بشبح أزمة اقتصادية عالمية لم تنفع معها تطمينات ستانلي فيشر النائب الأول للمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي, فقد طرحت تساؤلات عدة حول منظمة التجارة الدولية واحتمالات تعرضها للإنهيار, وذلك بسبب استمرار تآكل الاتفاقات التجارية المعقودة, وطرحت تساؤلات أخرى حول احتمالات تصادم بين أوروبا وأمريكا الشمالية بعد فشل جولات المحادثات حول تحرير التجارة, وساهم فى زيادة الأجواء المتشائمة التى عكستها ندوات دافوس 2001 أوضاع تباطؤ نمو الاقتصاد الأمريكى, واحتمالات تباطؤ الاقتصاد الأوروبى, وفشل الاتحاد الأوروبى فى السيطرة على التضخم الذى بلغت كلفته 4.1 تريليون دولار يعادل اجمالى الناتج القومى لفرنسا. وكان ستانلى فيشر النائب الأول للمدير التنفيذى لصندوق النقد الدولى قد أكد أن الصندوق مضطر الى خفض توقعات النمو الاقتصادى العالمى لعام 2001 بسبب تقلص نمو الاقتصاد الأمريكى, وأن كان قد أكد أن العالم مازال بعيدا عن خطر الدخول فى مرحلة الكساد. معارضو دافوس ولا تأتى المعارضة لمنتدى دافوس كلها من الطريقة التى ينعقد بها أو القضايا التى يناقشها, فالمدافعون عن دافوس ينطلقون من تصورات محدودة, من بينها أن منتدى دافوس ليس مؤتمرا لصنع القرارات, بل منتدى للحوار, وحيث تخرج الصفقات والاتفاقات الثنائية من جلسات دافوس, يقول الأمين العام لمنظمة العفو الدولية بيير سانى ان الصفقات التى تعقد فى الغرف الخاصة للفنادق فى منطقة دافوس بين المشاركين من مسئولين سياسيين ورجال أعمال, هى أمر يجرى فى محيط المنتدى كما فى أى مكان آخر فى العالم. لكن المعارضة التى يلقاها منتدى دافوس يأتى جانب كبير منها من ارتباط ذلك المنتدى بآليات العولمة, ليس فقط بدفاعه المستمر عنها والعمل على تسويق اتجاهاتها الاقتصادية, بل لأن مبادئ تحرير التجارة وأسس جولة أوروجواى التى كانت محل احتجاجات شديدة فى سياتل, قد خرجت فى الحقيقة من جعبة منتدى دافوس الاقتصادى العالمى فى سنة ,1982 وكذلك فإن غالبية أدبيات العولمة مصدرها منتدى دافوس. ويحاول القائمون على منتدى دافوس اطلاق القضايا والشعارات للنقاش فى المنتدى للتخفيف من حدة المعارضة للعولمة وللمنتدى, لكن المنتدى فى نقاشاته لا يمكنه أن يصل الى قرارات فيما يطلقه من شعارات, لذلك فإن مايطلقه قادة العالم النامى, والقيادات العربية حول تصويب العولمة, أو حول الوصول الى نظام اقتصادى جديد أكثر أمنا وأكثر عدالة, وبصفة خاصة الاقتراحات العملية حول تدعيم التعليم والثقافة وتقليل الفجوات بين الدول المتقدمة والدول الفقيرة, واقتراحات السعى العالمى لمواجهة حدة الفقر, التى يتم طرحها والتشديد عليها فى المنتدىات الدولية, تكتسب أهميتها من اظهارها الفجوات التى تتسبب فيها أدوات العولمة وقواها الفاعلة الكبرى, من دول رأسمالية متقدمة, وشركات متعدية الجنسيات, ومثلث الصندوق والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية. وتنقسم حركة المعارضة للمنتدى الى 3 اتجاهات رئيسية, الأول يسعى الى التحاور من داخل المنتدى لتغيير سياساته ووضع قواعد جديدة للعمل به, وهذا ماتسعى الى تحقيقه منظمة اعلان برن والمنظمات العاملة معها ومنها منظمات أمريكية, ومنظمة برن هى منظمة سويسرية غير حكومية تروج لمشروع متكامل لوضع أعمال منتدى دافوس تحت مراقبة جماهير العالم ودفعه لمناقشة قضايا ديون العالم الثالث وحقوق الانسان والبيئة, والاتجاه الثانى المعارض يرى أهمية وضرورة التظاهر امام المنتدى ورفع الشعارات المنددة بالمنتدى وسياسات العولمة. أما الاتجاه الثالث لمعارضة منتدى دافوس فهو الاتجاه الذى نظم مؤتمرا بديلا أطلق عليه اسم (المنتدى الاجتماعى العالمى) كلقاء مواز لمؤتمر دافوس, وقد نظم المؤتمر البديل الآلاف من المفكرين اليساريين من مختلف دول العالم المناهضين للعولمة, وقد استضافت هذا المنتدى الضد أو البديل مدينة (بورتو الليجري) البرازيلية. وفى كل الأحوال, فإن مؤتمر دافوس 2001 بقضاياه وبمعارضيه يعبر عن اتساع الفجوات التى انتجتها عولمة نهاية القرن العشرين, خاصة بين الدول الرأسمالية المتقدمة ودول العالم الثالث فى آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية, ويعبر فى نفس الوقت عن اتساع المعارضة للعولمة وأدواتها الاقتصادية الدولية, فمعارضة العولمة تأتى من الشمال والجنوب, والشرق والغرب.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات