بين دافوس وبورتو الليجري مفردات جديدة تؤرق المؤتمرين

(سيكون من الضروري تعميق المشاركة الشعبية وتطوير المؤسسات البرلمانية والتأكيد على الشفافية ومحاربة الفساد دوليا لانه سيكون علينا تمكين شعوبنا والقطاع الخاص فيها من المنافسة على مستوى العالم وإلا تراجعنا). سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في كلمته امام منتدى دافوس لم تعد القضايا المفصلية في حياة المجتمعات قابلة مزيدا من التأجيل والاهمال وعدم الاكتراث, ذلك ان مسائل مثل المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي والولوج في الحياة الديمقراطية واحداث تغييرات جوهرية في نمط العمل الذي تقوم به المؤسسات (البرلمانية) بهدف تعميقه شعبيا عبر الممارسة الديمقراطية الحقة القادرة على دفع عملية الشفافية والافصاح نحو آفاق اكثر رحابة وامكانية في كشف عناصر الفساد الاداري والمالي, وبالتالي تمكنها من رقابة المال العام والاداء الاقتصادي والسياسي... ان هذه المسائل اضحت ضرورة ملحة لنباء اي مجتمع حديث يحترم حقوق الانسان في العيش الكريم والطمأنينة النفسية التي لا تجيء الا اذا كان يعيش في دولة المؤسسات والقانون التي يتساوى فيها الجميع. من هذا المنطلق يمكن فهم فحوى الكلمة التي تفضل بها الفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع امام المنتدى الاقتصادي العالمي يوم الجمعة الماضي, والتي دعا فيها ايضا الى تخصيص عشرين بالمئة من ميزانيات التسلح للتعليم والثقافة (لتجسير الفجوة بين الدول الصناعية المتطورة وبين الدول النامية) وهذه دعوة صريحة لاعادة النظر في النمط السائد الذي تسير عليه اغلبية دول العالم الثالث التي تعاني من الفقر والمرض والامية. وهذه ــ ايضا ــ دعوة طيبة لأن تعزز دول المنطقة من قدرتها على احداث تطويرات مهمة في حقول التعليم والصحة والبنى التحتية. فدول مجلس التعاون الخليجي تنفق سنويا ما يربو على العشرين مليار دولار على الجانب العسكري, وهذا مبلغ فلكي يمكن تخفيضه لصالح حقول اكثر حيوية وفائدة في دولاب التنمية البشرية الشاملة التي تبدأ بالتربية والتعليم ولا تنتهي بالتدريب وايجاد فرص عمل جديدة للمواطنين. فالتنمية في دول مجلس التعاون تواجه تحديات ليست سهلة, ان على مستوى تطوير قطاع الطاقة الذي تعتمد عليه هذه الدول بشكل رئيسي في عملية العائدات او على تحديث البنى التحتية, والالتفات الى الخدمات الاساسية مثل التعليم والتطبيب والاسكان والعمل التي تشكل العنصر الرئيسي في مقاييس التنمية الشاملة, الى جانب حقوق الانسان والديمقراطية باعتبارهما عنصران درجت الامم المتحدة على وضعهما ضمن معايير التنمية البشرية وخاصة ابتداء من العام الماضي (2000م) حين اصدر برنامج الامم المتحدة الانمائي تقريره السنوي محملا بدعوات للدخول في معمعات المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار السياسي ومحاربة الفساد وايجاد اجهزة محاسبة ورقابة مالية تحفظ المال العام وتسيره ضمن القنوات الصحيحة. ومع ان سمو الشيخ محمد بن راشد كان يتحدث امام مؤتمر لصناع السياسة والاقتصاد في دافوس, الا انه لامس في حديثه, مطالب مؤتمر الفقراء الذي يعقد في الفترة نفسها في بورتو الليجري بالبرازيل والذي حضرته وفود غير حكومية من اكثر من مئة دولة طالبوا فيه بمزيد من الديمقراطية والشفافية وتقاسم الثروة والعدالة الاجتماعية. وفي (مؤتمر الفقراء) تبدت حقائق مفجعة خاصة لجهة الديون المستحقة على العالم الثالث والتي ارتفعت من 520 مليار دولار في العام 1980م لتصل الى اكثر من 2070 مليار دولار في العام 2000, وأن الدول المدينة سددت خلال الفترة نفسها 3350 مليار دولار. وهذه مبالغ لو استغل عشرها في مكافحة الامية والامراض التي تعصف بالعالم الفقير لحققت مستويات متقدمة من النتائج, ولتراجعت اعداد الوفيات التي تعصف خاصة بالقارة الافريقية بسبب امراض الايدز والملاريا وغيرها من الامراض القاتلة, اضافة الى انها ــ المبالغ ــ تمكنت من خلق بعض الأسس لتنمية اكثر استقرارا ولحجمت الحروب العرقية المنهكة. الا ان شيئا من هذا لم يحصل, وظلت احلام الفقراء تتزايد في الهجرة الى (فراديس) الدول الصناعية طلبا للعمل والامن المعيشي المفتقدين في دول الجنوب, وذلك بالرغم من اقدام الدول الغنية على اغلاق ابواب الهجرة اليها. لقد تسببت الدول الغنية في خلق اوضاع مزرية في دول العالم الثالث عبر عمليات السيطرة الاقتصادية والسياسية والعسكرية طوال عقود من الزمن, منذ حقبة الاستعمار الكولونيالي حتى تباشير العولمة المعتمدة على المضاربات المالية واغراق الاسواق (العالم ثالثية) بالسلع ووضع مقاييس ومعايير مفصلة على مقاسات الدول الكبرى لمنع وصول انتاج الدول الفقيرة للاسواق الغربية ومن ثم ضربها وهي على الارض! وهنا يمكن فهم ما قرره خمسمئة برلماني ينتمون الى اكثر من مئة دولة يشاركون في منتدى بورتو الليجري بتشكيل مجموعة عالمية من البرلمانيين هدفها تقديم الدعم الى الحركات الاجتماعية والمواطنين عبر خلق مناقشات تشارك فيها مؤسسات المجتمع المدني. كما يمكن فهم البيان الصادر عن المنتدى والذي طالب بالغاء الديون المفروضة على الدول الفقيرة وفرض ضريبة معينة على المضاربات برأس المال المؤدي الى الغاء الملاذات الضريبية, واجراء اصلاحات جذرية داخل منظمة التجارة العالمية والمؤسسات المالية الدولية التي تقود وتنظم الديون للدول الفقيرة. ويبدو ان المجتمعين في دافوس, احسوا, او على الاقل بعضهم, بوطأة الاوضاع المتردية في دول الجنوب, فكان شعار المنتدى (ردم الفجوات بين الاغنياء والفقراء) بيد ان هذا الشعار لا يزال بعيدا عن ارض الواقع الامر الذي حدا بامبراطور (مايكروسوف) بيل جيتسالاعلان عن صدمته من قلة الاموال المخصصة للابحاث حول الامراض وكيفية معالجتها, وتأكيده بأنه (يوجد فشل حقيقي في كيفية مقاربة السوق, فشل في الرؤية... وفشل في التعاون الذي ادى الى هذا الوضع الكارثي), ثم اعلن عن تبرعه بمبلع مئة مليون دولار لايجاد دواء لمرض الايدز! ولم يكن صوت بيل جيتس وحيدا في قاعة المؤتمرات. فالامين العام للامم المتحدة لم يذهب بعيدا حين اشار الى ان (معدل الجريمة المرتفعة لا تنبع من الاقليات العرقية, بل من الفقر والحرمان والظروف الاجتماعية السيئة) في محاولته للانسجام مع ما يجري في بورتو الليجري. لكن الفقر والحرمان تقف وراءها اسباب عديدة, وليس الديون العملاقة وحدها, انما حالة الفساد وتردي الاداء الاقتصادي الذي تعاني منه الدول الفقيرة هي اسباب اخرى, وهي جوهرية وعميقة كما اشار لها ولي عهد دبي, ذلك ان جزءا لا بأس به من الديون والمعونات لا يذهب الى القنوات الصحيحة في المجتمع, بل تتسرب وتتبخر بسبب الفساد المعشعش في غالبية كبيرة من هذه الدول, خاصة تلك التي لا تسير على نهج المكاشفة والافصاح والديمقراطية. ان معطيات كهذه, خلقت اجواء غير طبيعية في منتدى دافوس الذي تحول قصر مؤتمراته الى اشبه ما يكون بقلعة محاصرة من رجال الشرطة والبوليس الذين كانوا يقفون على اهبة الاستعداد لمواجهة اي متسلل معارض للمنتدى, كي لا تتحول شوارع ذاك المنتجع الى سياتل اخرى, وحرب شوارع اخرى اخرمت نارها عولمة تمتطي ليبرالية يزداد توحشها ونهمها بفتح مزيد من الاسواق ولتسهيل انتقال السلع التي استفاد منها مهربوا المخدرات وأصحاب الاموال القذرة الذين تمكنوا من ادماج نحو 400 مليار دولار من ارباحهم في الاقتصاد العالمي نظرا للحدود المفتوحة وسهولة انتقال الاموال وتزايد عمليات الخصخصة. واذا كان الحال هذه عالميا, فإن المنطقة العربية معنية بكل هذا, وهي تلج مرحلة جديدة مع بداية هذا القرن, مطالبة بوضع اسس فعلية لانهاء حالة الاحتقان التي دامت عشرات السنين عبر الدخول في برامج عملية واضحة من اجل تنمية تقوم على المكاشفة والشفافية وضرب بؤر الفساد الاداري والمالي ووقف التسرب في الميزانيات العامة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات