وسط حالة من الاحباط لدى الكثير من المعارضين للعولمة والذين نظموا العديد من التظاهرات الحاشدة والغاضبة سواء فى سويسرا أو فى البرازيل حيث يعقد المؤتمر الاجتماعى العالمى, انطلقت أعمال منتدى دافوس, والذى شهد هذا العام مشاركة دولية وعربية متميزة وكان لسمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولى عهد دبى حضورا متميزا خلال فعاليات المنتدى, (الملف)التقى د.حمدى عبدالعظيم مدير مركز الدراسات الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الادارية وأحمد السيد النجار الخبير الاقتصادى لالقاء الضوء حول الأهداف العامة والأساسية لمنتدى دافوس, والمشاركة العربية والاسلامية فيه وأثرها على أعماله وكلمة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم فى المنتدى وردود الفعل حولها, ومدى النجاح الذى حققه المنتدى فى تخفيف مخاوف المعارضين للعولمة واثارها الاقتصادية على الدول النامية, ودور القوى الاقتصادية الكبرى فى توسيع الفجوة بين الاغنياء والفقراء فى العالم ومسئولياتها تجاه تضيق هذه الفجوة, وأخيرا هل يمكن لنظام التحول الشامل للسوق أن يخدم مصالح الدول الفقيرة والضعيفة أم أنه وضع لخدمة الدول الكبرى؟ صيغة جديدة للتعاون بداية يرى د.حمدى عبدالعظيم مدير مركز الدراسات الاقتصادية بأكاديمية السادات للعلوم الادارية ان مناقشات منتدى هذا العام ركزت على شعار جديد وهو الخاص بضرورة تقليل الفجوة بين الاغنياء والفقراء فى العالم وخاصة فى ظل الاثار السلبية للعولمة والتى تؤدى الى زيادة ثراء الدول المتقدمة وزيادة فقر الفقيرة, وزيادة البطالة وأعباء المديونية على دول العالم الثالث وانتشار بعض الامراض مثل الايدز والملاريا فى هذه الدول, ولذلك حاول المنتدى الوصول الى صيغة جديدة للتعاون بين الشمال والجنوب بحيث تقل الفجوة بينهما من ناحية مستويات الدخل والرعاية الصحية وكذلك من ناحية حماية البيئة وعلاج مشكلة المديونية فى جنوب الصحراء الافريقية ووضع نظام يحقق تدفق الصادرات من دول العالم النامى الى العالم المتقدم, وهذا يعنى أن تفتح هذه الدول أسواقها وتزيل الحواجز امام دول العالم النامى وحتى لا تظل مجرد سوق لتصريف منتجات الدول المتقدمة, كما لابد من تقديم معونات تكنولوجية للدول النامية لمساعدتها فى برامج تدريب العمالة وزيادة قدرتها التنافسية. وحول رأيه فى المشاركة العربية والاسلامية فى فعاليات المنتدى واثرها على اعماله يقول د.حمدى عبدالعظيم: لاشك فى أهمية التواجد العربى فى المنتدى لأنه يحقق لغة تفاهم وحوار بين الدول المتقدمة والنامية ومنها الدول العربية والتى لها مصالح فى تشكيل العلاقة بين الشمال والجنوب بالصورة العادلة, كما أن التواجد العربى يحقق مصالح سياسية ويؤدى الى وصول الصوت العربى الى الرأى العام العالمى فيما يتعلق بقضايا السلام فى المنطقة, وبحيث يتم لفت نظر دول العالم الى حاجة الشعب الفلسطينى على سبيل المثال لتأييد المجتمع الدولى ودعمه من أجل رفع الحصار الجائر عن أراضيه واقتصاده, أى أن التواجد العربى يمكن أن يكون بمثابة رسالة للمجتمع الدولى لأن يقوم بدوره فى تحقيق الأمن والاستقرار فى المنطقة التى فيها من المصالح مايهم الكثير من دول العالم المتقدم, كما يتيح عقد صفقات بين رجال الأعمال والمستثمرين من الدول العربية وغيرها من الدول الأخرى على هامش هذا المنتدى وهذا يفسر حرص نحو 33 رجل أعمال مصريا على الحضور والمشاركة فى فعاليات المنتدى, اننا يجب ان نكون فاعلين فى النظام العالمى الجديد وليس مجرد متلقين, وان تكون لنا رؤية يسمعها العالم وكما حدث مع كلمة الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولى عهد دبى والتى دعا فيها الى اقتطاع 20% من ميزانيات التسليح فى العالم لدعم قضايا التعليم والثقافة وغيرها, ولقد اثارت هذه الدعوة ردود فعل كثيرة ووجدت صدى داخل المنتدى وخارجه. مصالح الطبقة العاملة. وفيما يتعلق بمدى النجاح الذى حققه المنتدى فى تخفيف مخاوف المعارضين للعولمة يشير د.حمدى عبدالعظيم الى أن المنتدى حاول ايضاح الكثير من النقاط موضع القلق بالنسبة للعديد من دول العالم الثالث التى تخشى سلبيات العولمة من حيث زيادة البطالة واعبائها من ناحية زيادة الاستيراد, وضرورة أن تكون هناك ضوابط للتعامل مع هذه السلبيات وقد تحدث بالفعل رؤساء بعض الدول النامية عن ذلك, وقد دعا المشاركون فى المنتدى الى ضرورة تقديم المعونة الفنية للدول النامية لزيادة قدرتها التنافسية, واسقاط المديونية عنها ومساعدتها فى مواجهة الامراض المتوطنة لديها, كما حاولت الدول المتقدمة أن توضح للدول النامية خلال المنتدى انها قامت بخطوات للمساعدة فى رفع مستوى المعيشة لابقاء الدول الفقيرة, لانها تدرك أهمية البعد الاجتماعى وانه يجب الا يغيب عن بال المروجين للعولمة وخاصة فى ظل التظاهرات التى انطلقت فى دافوس التى هاجمت المنتدى ودعت الى ضرورة مراعاة البعض الاجتماعى وعدم تجاهل مصالح الطبقة العاملة والمشاكل الخاصة بالبطالة والفقر, وأيضا المؤتمر الاجتماعى الذى عقد فى نفس الوقت فى البرازيل, وذلك ردا على منتدى دافوس. سياسات اقتصادية معنية ومن جانبه يشير أحمد السيد النجار الخبير الاقتصادى الى أن فلسفة وفكرة المنتدى تقوم على تواجد مجموعة من كبار رجال الأعمال الممثلين لكبريات الشركات العالمية وأيضا بعض المفكرين الاقتصاديين الليبراليين, للنقاش فيما بينهم حول الاوضاع الاقتصادية فى بلدان العالم المختلفة ومن خلال ذلك يتم تقييم مناخ الاستثمار فى هذه البلدان والتغيير فى التوجهات الاقتصادية بالنسبة لها, كما يتم من خلال المنتدى طرح كل المستجدات على الصعيد الاقتصادى العالمى فمثلا هناك قضايا مثل التجارة الالكترونية, وتحرير الخدمات المالية كان أول طرح فى المنتدى, أيضا يقوم المنتدى ببعض الأدوار التى تخدم هذه الشركات الكبرى والتوجهات السياسية المرتبطة بذلك, مثل ترتيب عقد المؤتمرات الاقتصادية الشرق أوسطية فى الدار البيضاء وعمان وقطر, وذلك بغية ادخال اسرائيل فى النسيج الاقتصادى فى المنطقة. ويضيف أحمد السيد النجار انه ونظرا لأن رجال الأعمال أصحاب كبريات الشركات التى تشارك فى المنتدى لها من النفوذ المادى مايتيح لها أن تقوم بأدوار سياسية معينة بأن تدعم صانع القرار فى بعض الدول منها الولايات المتحدة الأمريكية من خلال حملات التبرعات, حظي المنتدى بدعم قوى من السلطات التنفيذية فى هذه البلدان ولذلك وجدنا الرئيس الأمريكى والعديد من رؤساء الدول الأوروبية يحرصون على حضور فعاليات المنتدى وخاصة بعد أن صار له قوة ونفوذ دولى جعل ممايصدر عنه من توصيات وقرارات هى بمثابة شهادات واقرارات بخصوص السياسات الاقتصادية فى العديد من بلدان العالم وخاصة العالم الثالث, ومن هنا نفهم حرص دول العالم الثالث هى الاخرى على حضور فعاليات المنتدى ومنها الدول العربية حتى تقدم نفسها بالصورة الأمثل لمجتمع رجال الاعمال الممثلين لكبريات الشركات العالمية من حيث توافر فرص الاستثمار فى أسواق هذه الدول. ويرى أحمد السيد النجار أن حضور دول العالم الثالث للمنتدى الهدف الاساسى منه هو التأكيد على أنهم يسيرون فى الطريق السليم وانهم ملتزمون بما تم الاتفاق عليه مع صندوق النقد وغيره من المؤسسات الدولية وأن مناخ الاستثمار لديهم جيد وهكذا, ولكن هذه الدول فى موقع لا يسمح لها بالمساهمة فى صياغة استراتيجية للمنتدى أو للشركات التى لها حضور قوى, فالدول النامية ليس لها دور فى هذا وكل دورها داخل المنتدى هو اعلان ترحيبها بالاستثمار الاجنبى داخل أراضيها والتأكيد على المناخ الاقتصادى الجيد لديها, ولكن لا يمكن هنا أن نغفل أن هناك دولا من العالم الثالث تحرص على الحضور للتوضيح والتأكيد على أن هناك شروطا جائرة فى العولمة وانه لابد من اعادة صياغة هذه الشروط مرة أخرى. فجوة مذهلة وحول دور القوى الاقتصادية الكبرى فى توسيع الفجوة بين الأغنياء والفقراء فى العالم يقول احمد السيد النجار: هناك رقم أعتبره صدمة وهو أن 1.85% من سكان العالم يأخذون 6.21% من الناتج العالمى, فى حين يستأثر 9.14% منهم بنحو 4.78% من هذا الناتج, وهذا يوضح ان هناك فجوة مذهلة بين الدول المتقدمة والأخرى النامية فى جميع المجالات سواء من حيث فرص العمل أو التقدم التكنولوجى ومستوى المعيشة وغيرها من الأمور, والملاحظ هنا أن كل السياسات المرتبطة بالعولمة فى الوقت الراهن لن تؤدى الا الى زيادة هذه الفجوة وخاصة فيما يتعلق بالمجال التكنولوجى, لأن هذه العولمة انتقائية فدول العالم المتقدم تسمح بحركة رأس المال الفائض لديها الى الدول النامية لكى يشتغل ثم تحصل عليه مرة أخرى بعد أن يكون حصل على الأرباح, فى حين انها ترفض على سبيل المثال أخذ حاجتها من العمالة الموجودة فى الدول النامية, أى أن الدول المتقدمة تستغل الأخرى الفقيرة وتحرص على وضع العديد من القيود على عمالتها ومنتجاتها وخاصة الزراعية, ففى مجال تحرير السلع نراها تسمح بتحرير السلع الصناعية التى تصدرها للدول النامية فى حين انها تضع قيودا شديدة على استيرادها للسلع الزراعية من الدول النامية والتى تمتلك ميزة نسبية فى هذا المجال, أيضا فى مجال حماية حقوق الملكية الفكرية, الدول المتقدمة وضعت ضوابط كثيرة من أجل الحصول على مقابل لتقدمها فى المجالات التكنولوجية المختلفة فى حين أن هذه الدول أقامت نهضتها التكنولوجية على اكتاف العديد من علماء دول العالم الثالث دون أن تدفع أي مقابل لذلك, ولذلك استطيع هنا أن أؤكد انه مماسبق فالعولمة سوف تؤدى الى توسيع الفجوة لأنها انتقائية, وان المؤتمر لم ينجح فى تخفيف المخاوف منها. ويعتقد أحمد السيد النجار ان الدول المتقدمة عليها مسئولية كبيرة تجاه تضييق الفجوة بين الاغنياء والفقراء فى العالم بأن تقدم تنازلات فى مجال براءات الاختراع, اتاحة التكنولوجيا للعالم الثالث بأسعار مخفضة, وفى بعض الحالات تقدمها بدون مقابل ويكفى انها تستفيد مما لديها من عقول نازحة من العالم الثالث, أيضا يجب عليها تقديم اعانات لمساعدة العالم الثالث على بناء نظام للحوافز المالية لابقاء النخبة العلمية فى بلدان العالم الثالث فى مكانها وبدلا من نزوحها الى دول العالم المتقدم لأن هذا من شأنه أن يساعد على بناء نهضة تكنولوجية لهذه الدول. وفيما يتعلق بالتحول الشامل الى السوق وهل يخدم مصالح الدول الضعيفة يرى أحمد السيد النجار انه عند الحديث عن تحرير الاقتصاد فلابد أن يراعى ظروف كل دولة وبناء عليه يتم تحديد دور وحدود الدولة فى هذا الاقتصاد, فمثلا الدولة لها دور مهم فى التحديث سواء كان هذا الدور اقتصاديا أو سياسيا أو اجتماعيا ولكن هذا ليس معناه أن تفرض حمايتها على طول الخط لأن هذا عبث, فالحماية المستمرة هى البوابة الملكية لتخلف الاقتصاد, حيث أن الاقتصاد يجب أن ينمو فى ظل المنافسة, واذا حدثت حماية الدولة فلابد أن يوضع لها سقف زمنى لا تتجاوزه لأن هذا يضير باقتصاديات الدولة.