بعيدا عن المسيرات الصاخبة المضادة للعولمة التي احتشدت في طرقات دافوس, والدوجمائية التي ميزت جانبا من الخطاب الاعلامي المصاحب لصخب المسيرات الهادرة, أو حتى لغة الجدل العقيم التي اعتمدها البعض، في مداخلات حول الطاولات المستديرة داخل المنتدى الاقتصادي العالمي, بهدف طرح (عولمة مضادة) في مواجهة المظاهر السلبية للعولمة, بعيدا عن ذلك كله جاءت (مبادرة سمو الشيخ محمد بن راشد ولي عهد دبي وزير الدفاع بدولة الامارات العربية المتحدة) لتترجم رؤية عصرية, من منظور عربي, استجابة لمتغيرات نهاية قرن مضى, ومفتتح قرن وُلد, تواجه الواقع, وتجادله, ليس بهدف حضه, ولكن استهدافا للتواصل معه, والتمكن من آلياته. هكذا فإن أي مقاربة, أو قراءة موضوعية للرؤية التي طرحها الشيخ محمد بن راشد في دافوس تؤكد على عدة حقائق: أولها: أن ثمة وعيا بمعطيات الواقع العولمي قد كست تلك الرؤية وميزتها, في محاولة لايقاظ الضمير الاجتماعي للاقتصاد العالمي, بنظرة كلية, وتحليل شمولي. ثانيها: أن العلاقة بين الخاص (محليا, قطريا, عربيا) والعام (اقليميا ودوليا) كانت من الوضوح بالدرجة التي تجعل الخيار المطروح يزاوج ببراعة بين الخاص والعام, لاسيما عند استدعاء خبرة التجربة في دبي, والامارات. ثالثها: أن نقطة تماس بين المثقف العربي والسلطة يمكن أن تسقط الجدار الفاصل بين الاثنين, وصولا الى صيغة المثقف/ المسئول, أو صاحب السلطة/ المثقف. انطلاقا من ثلاثية الحقائق تلك, لم تكتف (مبادرة محمد بن راشد) برفض التهميش الذي تمارسه القوى الدولية الساعية للاستئثار بثمار العولمة, عبر توسيع الفجوة بين الاغنياء والفقراء, أو بين الشعوب والدول المتقدمة, والشعوب والدول المتطلعة للنمو في العالمين الثالث والرابع الأمر الذي يكرس (خطايا) النظام الدولي الجديد (تحت التأسيس) لكنه يطرح عبر مبادرته أن تتحول القوى المهمشة, الى قوى فاعلة مؤثرة, سواء من خلال تفعيل عناصر القوة الذاتية داخلها, أو التأسيس لآليات تستجيب لتطلعات كافة الشعوب دون تفرقة في بناء نظام دولي يسوده التكافؤ والتكامل, حتى يكون العالم أكثر انسانية, وعدالة, ومن ثم أكثر استقرارا, عبر تسريع جهود استئصال الفساد والفقر والجهل والتخلف والاستبعاد, وتكثيف تلك الجهود, وبالتالي وضع النظام الدولي مع طريق شراكة عالمية حقيقية توائم بين النمو الاقتصادي ومخاطر الظلم الاجتماعي, من جهة, وتراعي ثقافة المحلي ومصالحه من جهة أخرى. بعيدا عن الجدل الاتهامي ولاشك أن لغة الخطاب التي حملتها (المبادرة) يمكن أن تحرز نجاحا على صعيد تجسير علاقة أكثر توازنا بين الدول الصناعية المتقدمة والدول النامية بديلا عن لهجة الجدل الاتهامي, التي سادت طويلا العلاقة بين الطرفين, دون أن يحدث التقارب المنشود الذي يتيح جني الثمار للجميع. وإذا كان جوهر (مبادرة محمد بن راشد) يتمثل في المطالبة بتخصيص 20% من ميزانيات التسلح لصالح تعزيز بند التعليم والثقافة في الموازنات العامة ومساعدة الدول النامية, فإن المناداة قد حملت بعقل متفتح وواع - رؤية تعكس قدرة المثقف/المسئول على التفاعل مع الواقع العالمي بتحدياته ومتغيراته, والأهم ليس في القدرة على التشخيص مع التسليم بأهميتها ولكن تجاوز ذلك الى تحديد خيار يتجاوز القُطري, ويلامس القومي والعالمي, على خلفية دراسة دقيقة لمفردات الظرف الراهن, ثم رسم صورة لمستقبل أكثر رحابة. من ثم كان منطقيا أن تحدد المبادرة مواصفات القائد العصري, الذي تتفاعل داخله القدرة على المبادرة والانجاز من جهة, ومزاوجتها بالقدرة على تحفيز الابداع, وارساء ثقافة المساءلة والمحاسبة من جهة ثانية, الأمر الذي يعني توفير مناخ يطلق ثورات الموارد البشرية الخلاقة, لتحقيق الاستقرار والتنمية, في ظل حماية مظلة من المشاركة الشعبية, مع التأكيد على الشفافية التي تعني الوضوح عند تحديد الهدف أولا ثم المكاشفة بالخطأ ثانيا لتصحيح المسار. استمرارا لمنهج المبادرة ذاته, يجب تثمين حرص (مبادرة محمد بن راشد) على ضرورة تطوير المؤسسة البرلمانية حتى يكون تمثيل المواطن العربي أكثر فاعلية, تعبيرا عن طموحاته المشروعة, وبما يرسي قواعد العدالة إذ أن الانتقاص منها أو غيابها يؤثر سلبيا, دون شك على تحقيق غايات التنمية, والمبادرة هنا تبلور اتجاها واضحا في الرهان على التوازن بين جهد الفرد, والحركة العامة للجماعة/ المجتمع في ظل واقع مأزوم على العديد من الأصعدة. هكذا فإن المبادرة تطمح في عمق تجلياتها الى اعادة صياغة العديد من دوائر العلاقات: العلاقة بين الفرد والجماعة. العلاقة بين الحاكم والمحكوم. العلاقة بين الدولة والمجتمع. العلاقة بين المحلي والقُطري. العلاقة بين القُطري والقومي. العلاقة بين القومي والعالمي. على أن تتم الصياغة الجديدة وفق منطق الحوار الحضاري الراقي, الذي يضمن في محصلته النهائية ترسيخ قواعد احترام حقوق الانسان في كافة دوائر فعله وحركته, وحقوقه وواجباته. نصيب من ثمار العولمة فإذا ما وصلنا في قراءة (المبادرة) الى الأسلوب الذي اعتمده للمطالبة بنصيب عادل من ثمار العولمة, بهدف تضييق الفجوة بين الأغنياء الأقوياء, والفقراء الضعفاء, نكون بصدد أخطر ما طرحته المبادرة, أي مطالبة الشيخ محمد بن راشد بتخصيص 20% من ميزانيات التسلح لتعزيز التعليم, ودعم الثقافة ومساعدة الدول النامية, التي تعاني شعوبها من التهميش المتزايد, في ظل واقع مؤلم, يتسم بالتخلف والجهل والمرض, وكل ما من شأنه تكريس ذلك الواقع الذي يشمل نحو نصف سكان المعمورة, إذ أن الخط الفاصل لا يقسم فقط العالم الى شمال وجنوب, لكنه حتى في الشمال يوجد خط يميز بين مواطني الدول الغنية, بما يكرس درجات من التفاوت الطبقي الذي تختلف حدته من مجتمع لآخر, لكنه على أي حال واقع قائم حتى في أكثر الدول تقدما وثراءً! وربما يطرح البعض العديد من التساؤلات بصدد تحديد تلك النسبة أي نسبة الـ20%, وكنموذج لتلك التساؤلات: * لماذا حددت (المبادرة) هذا الرقم بالذات؟ لماذا لم يطالب الشيخ محمد بن راشد بنسبة أكثر أو أقل؟ ما مغزى الرقم؟ هل يمكن الرهان على درجة معقولة من الاستجابة, سواء على المستوى القطري أو العالمي؟ وتساؤلات أخرى يمكن طرحها, لكن المهم في هذا السياق التوقف بحثا عن مغزى تحديد تلك النسبة, وما تعنيه. لقد طالبت (مبادرة الشيخ محمد بن راشد) بتحويل 20% من ميزانيات التسلح التي تبتلع في بعض الدول النامية نحو نصف الموازنة العامة وربما تتجاوزها! الى بند التعليم والثقافة, إذ أن دراسات عديدة طرحت ذات المطلب, وبأرقام تدور حول ذات النسبة التي ذكرها الشيخ محمد بن راشد, لكن ما يمكن أن يطالب به خبراء الاقتصاد, أو القائمين على الدراسات ذات الطابع الأكاديمي, يكتسب ثقلا وتأثيرا عندما يتبناه صانع القرار, بمعنى أن يلتقي صانع القرار, مع الأكاديمي أو الخبير عند نقطة تدفع باتجاه تحويل المطالبة من مقاعد الباحثين والعلماء الى مقعد صاحب السلطة الذي يمكنه تحويل المطلب الى قرار. وفي حالتنا تلك, يكتسب الأمر مزيدا من الأهمية من منظور أن صاحب المبادرة بالأساس عسكري مرموق, تخرج في أرقى الأكاديميات العسكرية ويتقلد رتبة (جنرال) ويحمل حقيبة الدفاع في وطنه. ثم أن ملاحقة الثورة في مجالات التكنولوجيا المختلفة, خاصة تكنولوجيا المعلومات التي تعد حقوقا أساسية في جميع الأنشطة الأخرى دون استثناء لابد أن تبدأ من خلال دعم وتطوير التعليم, لأنه لا يمكن التعاطي مع المشاكل والتحديات القائمة من منظور معلوماتي إلا عن خلق الكوادر القادرة على تحمل عبء تحديث مجتمعاتها, وقيادة نهضتها, ولا يمكن الوصول الى انجاز بهذا الحجم إلا من خلال تعظيم الاستثمار في التعليم والثقافة والبحث العلمي. اضافة الى أن المدخل المعلوماتي للاندماج في النظام الدولي الجديد يتيح التنمية المعلوماتية, التي تحمل بدورها الدول النامية الى ساحة أوسع للمناورة وحرية الحركة, في ظل نهضة علمية / تعليمية, تدرك أن تكنولوجيا المعلومات هي أحد الموارد الرئيسية في عملية التنمية, بل وتفوق في أهميتها الموارد المادية والطبيعية, الأمر الذي يتطلب اعادة النظر في العملية التعليمية ودعمها وتوفير كافة الموارد اللازمة لانطلاقها وصولا الى المعدلات التي وصلت اليها في الدول المتقدمة. وأخيرا, فإن التوقيت الذي طرحت فيه (مبادرة الشيخ محمد بن راشد) يحمل بحد ذاته عدة دلالات أهمها: * أن العالم في لحظة فارقة بين قرنين, وألفيتين, بما يحمله ذلك من معايير رمزية وبعد عقود من سباق التسلح المجنون عقب حربين عالميتين مدمرتين. * أن التجربة أثبتت أن الصراع العسكري دائما ما يكون على حساب التنمية وحرية المواطن. * أن التقدم التقني الذي حققته الصناعات الحربية يعني مضاعفة أسعار الأجيال الحديثة من الأسلحة, يعني ذلك أن ملاحقة تلك الأجيال يكون بالتأكيد خصما من البنود التي تحقق القدر المعقول من الحياة الكريمة, الأمر الذي لم يعد مقبولا. * إن قدرة المواطن في العديد من الدول على احتمال شظف العيش تحت دعاوى الحفاظ على الأمن القومي والواقع أنه أمن أنظمة وأشخاص أدى الى انفجارات وانتفاضات قادت الى تشظي بعض الدول, أو اندلاع حروب أهلية. * أن التجارب قد أثبتت أن عنصر الحسم في الحرب لا يكمن في القدرة العسكرية فحسب, لكنه يكمن بالأساس في محصلة القوة الشاملة, أي مجموع القدرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والمعنوية.. الخ.. والعلم مكون أساسي في تشكيل تلك القدرات. * إن العالم اليوم بصدد مواجهة حرب باردة جديدة سوف تشعلها محاولة ادارة بوش الابن احياء مبادرة الدفاع الاستراتيجي (حرب النجوم) بتكلفتها الباهظة التي يمكن أن تفتح أبواب سباق التسلح على مصراعيها من جديد, وعلى حساب التنمية والاستقرار والأمن لشعوب عديدة. هكذا اكتسبت (مبادرة الشيخ محمد بن راشد) أهمية اضافية بالنظر الى التوقيت الذي طرحت فيه, كما أنها حرصت على أن تصب في خانة محور (الخيارات الخلقية والمبدئية) كمحور رئيسي في دافوس ,2001 لكنها عززت الجانب الأخلاقي والمبدئي برؤية قابلة للتطبيق, ومن ثم فإن جهودا يجب أن تبذل في اتجاه تحويل الطموح الذي حملته المبادرة الى خطوات فعلية تجني ثمارها الشعوب التي عانت طويلا, وآن لها أن تجتاز عتبة عصر جديد تأخرت كثيرا في اللحاق به. .. وتلك هي المسألة! بقلم: علاء عبدالوهاب