خلال انعقاد منتدى (دافوس) تابع العالم الاجراءات والتدابير التي اتخذتها السلطات السويسرية للحؤول دون وصول المتظاهرين من المحتجين على العولمة الى تجمع 3200 من رؤساء الدول وكبار مدراء الشركات، العالمية الذين جاءوا من مختلف الاصقاع وحاولت هذه السلطات ان تمنع وصول المتظاهرين الذين جاءوا ايضا من مختلف الاصقاع الى هذا المنتجع (دافوس) فبدت الصورة للعالم كما لو اننا ازاء عالمين. عالم يبشر بصيرورة حرية السوق وحرية المبادلات وعالم يرى فيها اعتداء على الانسانية. وإذا كان المؤتمرون قد جسدوا في التقائهم هذا العولمة من خلال انتمائهم الى مناطق جغرافية مختلفة وتخصصات ومجالات متعددة كذلك كان المحتجون من خلال انتمائهم الى مناطق جغرافية شتى وخلال تعدد المنظمات غير الحكومية التي ينتمون اليها. والحقيقة ان هذا التعارض في فهم العولمة كما تبدى من خلال منتدى دافوس بين عالمين يعكس في مضمونه ودلالاته تعارضا بين مرجعيات اعلى من العولمة وفي هذا السياق يلاحظ ان مايك مور في فهمه للعولمة يغاير ويخالف غيره على نحو يباعد بين المواقف ويؤكد بأنه بقدر ما يجري التبشير بمنافع العولمة يجري التحذير من مخاطرها. فمايك مور مدير عام منظمة التجارة العالمية يقف على النقيض مما يراه كوفي عنان الامين العام للأمم المتحدة اذ يرى مور (ان العولمة في حد ذاتها عملية اقتصادية وليست سياسية وكل ما في الامر ان هذه العملية تتسارع الآن تماما مثلما تم التحول من المجتمعات الزراعية والاقطاعية الى عصر التصنيع واليوم نحن في عصر ما بعد التصنيع.. فالآن يمكن لأي فرد من اي جزيرة منعزلة او قرية نائية ان يتمتع بموسيقى بافورني ويستقبل تقارير عن الطقس ويقوم بتعليم اطفاله خير تعلم). مقابل هذه الرؤية السطحية للعولمة يرى كوفي عنان الامين العام للامم المتحدة انه لابد من جعل العولمة اكثر انسانية ويقول (اننا اذا تعاملنا مع العولمة كظاهرة اقتصادية بحتة وقمنا بتطبيق القواعد العامة فقط في المجالات التقنية والتجارية فإننا نكون قد اقحمنا انفسنا في مخاطر سياسية واجتماعية جمة وذلك لأن قوى السوق تحدث تغيرات سريعة وضخمة في حياة الشعوب). هذا التعارض البيني على مستوى المرجعيات العالمية الفاعلة تكشف بجلاء انه بالقدر الذي تقدم العولمة كفرصة تاريخية لاندماج العالم في حركة واحدة فهي تعمل على افراز نقيضها وهو ما تجلى بأبهى صور, في منتدى دافوس الذي ظهر فيه مدى عولمة الاحتجاج بالقدر الذي ظهر فيه التشديد على الاندماج الذي يبشر به سيفضى لا محالة حسب المحللين الاقتصاديين الى اقصاء اكثر من 80% من دائرة امتلاك الثروة والمال واستئثار النسبة 20% من الناس بها وهو ما يحيل الى التساؤل حول ما اذا كان هؤلاء الـ 80% سيظلون مجرد متفرجين وليسوا بلاعبين اساسين يكتفون بقوت يومهم ليعيشوا بطبيعة الحال لا كما يخلص الى ذلك المفكر محمد عابد الجابري وهو ما يتأكد يوما بعد يوم من خلال تظاهرات منتدى دافوس وقبله في سياتل وبراغ ونيس ما يعزز الاعتقاد بإنه بقدر تزايد الدعوة لتحرير المبادلات التجارية والتعجيل بالاندماج الاقتصادي العالمي تزيد ظاهرة عولمة الاحتجاج. فخلال المؤتمر الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في سياتل تحولت هذه المدينة من مركز لكبريات الشركات العالمية مثل (مايكروسوفت) و(بوينج) وملتقى لمندوبي 135 دولة إلى مركز للاحتجاج العالمي ظهرت خلاله المنظمات غير الحكومية وهيئات المجتمع المدني بقوة وبتنظيم فاجأ الجميع وخرجت هذه المنظمات والهيئات باعلان صدر باسمها وأطلق عليه (اعلان المجتمع المدني في سياتل) تم اقراره بالتوافق بين أزيد من ألف منظمة في هيئة غير حكومية تمثل 73 دولة مختلفة المشارب والاتجاهات والأهداف في حين فشل اللقاء الوزاري لمنظمة التجارة العالمية في ايجاد الحلول حول كثير من القضايا لا سيما بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وبين العالم المتقدم والدول النامية. ولم يقتصر هذا الزخم للمنظمات غير الحكومية على اجتماعات منظمة التجارة العالمية في سياتل وحسب بل واجتماعات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في براغ. وجميعها محطات أكدت بجلاء التعارض الحاصل في فهم العولمة انطلاقا من المواقع المختلفة لكل طرف. وإذا كان ملتقى منتدى دافوس الحادي والثلاثين قد عقد هذه المرة تحت شعار (دعم النمو وتجاوز الفروقات بين الأغنياء والفقراء) في محاولة لابراز الوجه الانساني للعولمة إلا ان ذلك لم يحل دون انتشار الذعر من عولمة الاحتجاج التي دفعت بالسلطة السويسرية إلى عزل هذه البلدة عن العالم وسد المنافذ والطرقات المؤدية إليها للحؤول دون وصول المتظاهرين إلى المؤتمرين وكذا اقفالها لحدودها مع ايطاليا عند معبر كياسو خلال المؤتمر وايقافها لجماعات من المتظاهرين الايطاليين الذين كانوا يسعون إلى الانضمام إلى تظاهرات المحتجين واعتبار الخارجية الأمريكية لمنتجع دافوس منطقة خطرة حذرت الرعايا الأمريكيين من الذهاب إليها علاوة على ذلك جاء المنتدى الاجتماعي العالمي المنعقد في بورتو اليجري في البرازيل بالتزامن مع انعقاد منتدى دافوس والذي جاء بمثابة رد فعل عليه واطار دولي جديد طرح مبادرات ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية شددت على دعم وتعزيز حقوق الانسان وعلى العدالة الاجتماعية وتحقيق تنمية مستدامة وتقديم بدائل للعولمة من منظور المنظمات غير الحكومية ودعم تحالف هذه المنظمات بغية تفعيل دور المجتمع المدني الذي أصبح اليوم لاعبا رئيسيا في العلاقات الدولية على نحو جعل من الاحتجاج أبرز مظاهر العولمة وهو الأمر الذي لا يمكن التنبؤ بما سينتهي إليه الحال في معارضة العولمة بوجهها الأحادي الذي يجري التبشير به لا سيما إذا ما استحضرنا في هذا الاطار الاصرار الواضح للمنظمات غير الحكومية في السير في هذا الاتجاه إلى أقصى مدى وهو يرى من خلال تصعيد هذه المنظمات لمعارضتها لعقد الاجتماع المقبل للمؤتمر الوزاري الرابع لمنظمة التجارة العالمية في الدوحة الذي انتقدته بشدة بحجة ان قطر لا تسمح بتنظيم تظاهرات واحتجاجات ما دفع وزير المال والاقتصاد والتجارة القطري يوسف حسين كمال خلال منتدى دافوس إلى تطمين هذه المنظمات ومن بينها منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوق الإنسان عندما أكد ان بلاده تعير اهتماما بالغا لهذا الأمر الذي طرحته هذه المنظمات مبديا استعداد السلطات القطرية للتعاون مع هذه المجموعات والمنظمات غير الحكومية في تظاهراتها شريطة أن يكون تظاهرا سلميا ومشيرا إلى انه أكد لمنظمة العفو الدولية انه بامكان حضور من يرغب إلى المؤتمر وان كل التسهيلات متوافرة وبمقدورهم طرح آرائهم حول ما سيناقش أو ما يتعلق بجدول أعمال منظمة التجارة العالمية وهو ما يعني بوضوح ان ظاهرة عولمة الاحتجاج باتت ملازمة لملتقيات عولمة الأسواق وان ملتقى دافوس لم يكن المحطة الأخيرة لعولمة الاحتجاج لا سيما إذا ما استحضرنا حدود فعالية منظمات وهيئات المجتمع المدني كلاعب جديد في العلاقات الدولية يعكس في تحركاته التعارض الحاصل بين طرفين يختلفان في فهم العولمة ما يحتم ضرورة جعلها أكثر انسانية وليس اختزالها إلى مضامين اقتصادية صرفة كما ذهب إلى ذلك مايك مور مدير المنظمة العالمية للتجارة وهو ما يقتضي مراجعة الخيارات الاطلاقية وكما يقول الروائي والكاتب الألماني غنتر جراس (فئة قليلة من الرأسماليين الذين يحسون بالمسئولية وهم الذين يطالبون بالحذر لاننا أصبحنا لا نتحكم في الوضع ويمكن للنيوليبرالية أن تكرر أخطاء الشيوعية عن طريق خلق عقيدة جديدة) وربما ان هذه الاحتجاجات ليست إلا ارهاصاتها الأولية.