د. مصطفى الشرنوبي خبير شئون الاقتصاد الدولي وعلاقات الدول النامية: ، صراع التكتلات الاقتصادية الكبرى يطحن الدول الصغيرة

اكثر من 3 آلاف رجل دولة وسياسة واقتصاد واجتماع تجمعوا في دافوس تحت مظلة الدعوة الى خلق عالم تتلاشى فيه الفروق الاجتماعية بين الغنى والفقر, والصحة والمرض, الرفاهية والحاجة وذلك بالدرجة الاولى ، عن طريق دعم الشركات والمؤسسات التكنولوجية, لدفع التقدم التكنولوجي ومحاربة التخلف الحضاري, الهدف العام انساني, والمنطلق اقتصادي, كل من المؤتمرين حمل اجندة من الافكار والمقترحات لتضييق الفجوة في عالم زالت فيه الحدود الثقافية, وهيمنت العولمة بكل فروعها وتداعياتها على فعاليات المنتدى, فكل العالم يدرك الآن الآثار السلبية الناجمة عن العولمة في ظل الفروق الشاسعة بين الفقر والغنى في مناطق العالم, وفي ظل عدم تكافؤ الفرص الاقتصادية او التجارية في العالم. حول دافوس الاهداف والفعاليات, المتاح والمستحيل, حاور (الملف السياسي) الدكتور مصطفى الشرنوبي خبير شئون الاقتصاد الدولي وعلاقات الدول النامية: وفيما يلي نص الحوار: * فيما تركزت الاهداف العامة لمؤتمر دافوس, وهل يمكنه تحقيق هذه الاهداف؟ ــ شعار عريض حملة الهدف الاول للمؤتمر وهو (سد الفجوة بين الدول الفقيرة والغنية وتطور التكنولوجيا) في عصر العولمة, فيما تعددت القضايا حول هذا الموضوع الرئيسي من تقديم مساعدات جادة للدول الفقيرة, تقديم دعم تكنولوجي لدفع تطورها ونموها للأمام, اعادة النظر في قواعد التجارة العالمية. واضافة اسس جديدة تضمن للدول الفقيرة والنامية ايجاد موقع لها على خارطة الاهتمام في التجارة العالمية, وإعادة النظر في علة الاغراق, والتي تتخذ منها الدول الغنية والصناعية سببا لاغراق الطريق التجاري امام السلع الحيوية للبلدان الفقيرة والنامية, والتي تمثل في كثير من الاحيان عصب الاقتصاد الوطني بها ومصدر دخلها. والاهداف في مجملها نبيلة وجيدة وسبق ان تكررت في منتديات دولية كبيرة ومماثلة, وصدرت حولها مئات التوصيات, ولكن الواقع العالمي والذي تتحكم فيه مصالح الدول الكبرى ورغبتها في تشغيل شركاتها ومصانعها وفتح مزيد من الاسواق العالمية وتحويل البلدان النامية والفقيرة الى اسواق استهلاكية, كل هذا يتنافى مع مدى جدية هذه الدول الكبرى في تنفيذ ما يتم مناقشته في هذا المنتدى او غيره. اذ لا يجب ان يسقط من الحسبان ان الدول الغنية نفسها تعاني من نسب في البطالة فقط في اوروبا 15 مليون عاطل عن العمل, وتعاني في اوقات من ازمات اقتصادية على غرار ما يحدث الآن, ودول مثل امريكا قلصت على مدى عقود من الزمان مساعداتها لدول العالم الخارجي بنسبة 50% فيما اتخذت مساعداتها اشكالا اخرى, تهدف بالدرجة الاولى لتنمية الاستثمار الامريكي, وتشغيل الخبراء الامريكان المكدسين في الداخل, وترويج المنتجات الزراعية والصناعية الامريكية. ولو نظرنا للمشكلات الاقتصادية بين اثنين من اهم التكتلات الاقتصادية العالمية وهما الولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي لعرفنا الى اي مدى تتحكم لغة المصالح في سياسات الدول رغم تشابك مصالحهما, فهناك حروب حول صادرات اللحوم والموز والمنتجات المعدنية.. الخ, وقد تتغاضى واحدة وتتساهل الاخرى لتسيير المصالح, فما بال مصالح هذه الدول مع البلدان الفقيرة التي لا تملك شيئا, وتحتاج للعون. * هل يعني هذا ان المقترحات والنتائج التي يسعى لها المنتدى فاقدة الفعالية ولن تؤتى بثمار ايجابية؟ ــ لا يمكن الجزم بذلك بنسبة مئة بالمئة, اذ على الدول الغنية ان تنظر بعين الاعتبار ان تداعيات الفقر والمجاعات والمرض في الدول الفقيرة لن تكون هي نفسها بمنأى عن اضرارها في ظل عصر العولمة, وهناك عشرات التجارب الدولية في هذا الصدد, فكل النتائج السلبية للفقر والصراعات وغيرها بالدول الفقيرة والنامية انما يتم تصديرها لبلدان الجوار, ومنها للمنطقة كلها, ثم لبقية العالم, فكلما رأينا الحروب مثلا والصراعات وعدم تدخل الدول الكبرى بجدية لتهدئة هذه الصراعات بل سعيها احيانا من وراء الستار لتزكيتها بهدف بيع السلاح, انما يفرز هذا في النهاية امواجا من اللاجئين لبلدان العالم في مقدمتها الدول الكبرى والغنية, وتأثير هذه الامواج من اللاجئين معروفة الآن. وبلدان مثل اوروبا تصرخ الآن من تزايد اللجوء اليها وتضع سياسات متشددة لاغلاق ابواب اللجوء فلو هذه الدول وضعت في اعتبارها منذ البداية المساعدة وتقديم العون الجاد للبلدان الفقيرة ــ والتي بها صرعات مثلا ــ لتجنبت الصراخ والمشاكل الآن والتي هي اخطر واضخم من بضعة مليارات كانت ستتلاشى بها التداعيات الحالية. ولنا الآن تجربة حية يتم تنفيذها في اوروبا مع روسيا, فليننجراد التي تعد بؤرة روسية للفقر والجريمة, وتحاول اوروبا الآن حشد مليارات من اليورو بها واقامة مشروعات اقتصادية واجتماعية لعلاج النتائج التي انعكست على بلدان الجوار كفنلندا والسويد, وهي مصدر خطر للاتحاد الاوروبي حال ضم بلدان مثل ليتوانيا وبولندا, وهذا نموذج حيوي وحديث على ضرورة تحرك الدول الغنية لمد يد العون للدول الفقيرة قبل ان تتفاقم المشكلات, ولا يمكن معها الاصلاح بالأموال, بل سيكون الثمن هو الامن العام ومستقبل البلدان الغنية. * هل ينجح المؤتمر في تخفيف حدة مخاوف المعارضين للعولمة وتداعياتها الاقتصادية؟ ــ مما يؤسف له ان نوعا من فقدان الثقة يشوب الآن بلدان العالم الفقيرة والنامية من جدية الدول الغنية والصناعية في مد يد العون وانتشال هذه الدول من فقرها وتخلفها, في عصر العولمة, والذي لا تتمثل اهداف الدول الكبرى الا في غزو سياسي واقتصادي وثقافي لهذه البلدان, فالعولمة في ظل وجود هذه الفجوة والمساحة العريضة بين مستويات الدول الاقتصادية وبين شعوب تنعم بالرفاهية واخرى ترزح تحت وطأة الفقر والمجاعات والامراض ستزيد من الدول الفقيرة فقرا, اذا لم تتخذ خطوات دولية جادة في نوع من التكاتف الذي تشارك فيه المنظمات الدولية المعنية لانقاذ الشعوب الفقيرة والمتخلفة حضاريا. وقد تأكد فقدان الثقة في اكثر من منتدى عالمي سابق في سياتل وغيرها, والقوة والعنف الذي استخدمه المتظاهرون لتوصيل مخاوفهم للمؤتمرين في دافوس اكبر دليل على استمرار المخاوف وانعدام الثقة, فقد ضبطت كما سمعنا متفجرات واسلحة خطيرة, وشنت السلطات الامنية اعنف حملات اعتقال ومواجهات حدثت منذ عدة عقود في سويسرا لتأمين المؤتمر والمشاركين فيه, فالمؤتمر لم ينجح في تخفيف مخاوف المعارضين للعولمة وأثارها. * ما هي أهم المقترحات والافكار التي تم عرضها بالمنتدى؟ ــ لقد طرحت عشرات الافكار والمطالب ذات الاهدف النبيلة, ولكني اذكر جانبا مهم منها تمثل في كلمة رئيس معهد التجارة والزراعة الامريكي بولاية مينسوتا والذي طالب بضرورة اعتماد قواعد جديدة للتجارة العالمية, واحترام حقوق الاقليات, ومنع الاستعباد الاقتصادي في العالم. وكلمة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع لدولة الامارة العربية المتحدة والذي نادى باستقطاع نسبة 20% من موازنات التسلح في العالم لدعم اوجه التقدم الانساني العامة من تعليم وثقافة في البلدان الفقيرة والنامية, وهي دعوة جديدة, وقد تكون غريبة على اسماع العالم, خاصة الدول الكبرى التي لا تزال تلهث سرا وراء التسلح وتطوير هذا المجال بانفاق مليارات الدولارات سنويا, بل ان بلدانا تصل انفاقات التسلح لديها ما يعادل 40% من الموازنة العامة. لذلك ارى انها دعوة جديدة وجديرة بالبحث والتطبيق, إذا ما وضعنا في الاعتبار ان الصراعات المقبلة في هذا العصر المتطور والمفتوح في ظل العولمة, لن تكون صراعات عسكرية, بل هي صراعات اقتصادية, وثقافية, لذلك ارى في دعوة سمو الشيخ محمد بن راشد مطلبا حضاريا انسانيا على الدول بحثه بجدية, وهي ستعطي بلا شك وقفة مع النفس لدى الدول الكبرى, اذا ما تذكرنا ان بلدا مثل امريكا تسعى الآن الى تطوير انظمتها الصاروخية التي تكلف موازنتها مئات المليارات من الدولارات غير عابئة حتى بأزمتها الاقتصادية الحالية, او بأزمات الاخرين. فتسليح الشعوب بالكفاية الاقتصادية, والقوة الثقافية, والقدرة الانتاجية لهى في تصوري اقوى من اي سلاح مهما كانت قوته المتطورة, ولو بدأت البلدان الكبرى باعادة النظر في موازنتها للتسلح, لكان هذا بادره ايجابية لبقية بلدان العالم التي تنظر بخوف للبلدان الكبرى وتتصارع لتسليح نفسها من اجل الحماية والدفاع. * هل تمثل التواجد العربي بصورة جيدة في المؤتمر؟ ــ في تصوري ان التواجد العربي لم يتمثل بقوة وفعالية مطلوبة كما كان متوقعا على الرغم من ان البلدان العربية معنية ايضا اكثر من غيرها بمضمون فعاليات المنتدى, ومن الذين حضرو ببروز, وكانت لكلماتهم اهمية ووقع بلدان مثل قطر بوصفها الرئيس الحالي لمنظمة المؤتمر الاسلامي, الامارات, مصر, والقضايا التي تم طرحها عبر البلدان العربية وثيقة الصلة ايضا بالمشكلات العربية التي تعاني منها المنطقة شأنها شأن البلدان الاخرى النامية, والتي تعانى من فقدان العدالة الدولية في المعاملات التجارية, والسوق العالمية, وافتقاد التقنية المتقدمة, وغياب تكافؤ فرص المنافسة, والتي تنعكس على كافة مناحي الحياة بهذه الدول, اقتصاديا, اجتماعيا, وايضا ثقافيا. وتلاحظ انه على الرغم من عدم التمثيل الجيد لأمريكا بالمنتدى الا ان قضية الاقتصاد الامريكي وتراجع نموه شغلت مساحة كبيرة من المناقشات كما هيمنت الدول الاوروبية على الفعاليات خاصة في الايام الاخيرة وكان مستقبل الاتحاد الاوروبي بعد التوسع موضوعا رئيسيا, وتم مناقشة طموحات دول البلطيق ووسط وشرق اوروبا والجهود الاوروبية لمساعدتها في الاستعداد للانضمام للاتحاد على مدى عقد من الزمان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات