لم تكن فكرة العولمة بمضامينها السياسية والأيديولوجية والثقافية والاقتصادية, مجرد فكرة مقطوعة الجذور, بقدر ما جاءت كمحصلة طبيعية ونتيجة حتمية لتطور العقل البشري وإبداعاته المذهلة, التي هدفت إلى اختزال عامل الزمن وتقصير المسافات وانفتاح الجزء على الكل, بعيداً عن العرق والقومية والجغرافيا التي تدمغ هذا الشعب أو ذاك, وبعيداً عن عاملي الضعف والقوة التي تمتلكها الشعوب والأمم. ولعل ما يسمى مجازاً بنظام العولمة بات نظاماً يتسم بالفرادة راهناً, بصرف النظر عن التقييمات والمواقف السياسية الرافضة له, والمرتكزة في غالبيتها إلى خلفيات أيديولوجية واعتقاديه من شتى المشارب والاتجاهات, أو ما شابه ذلك, وبمعزل عن استحواذ هذه القوة الدولية ومحاولات دمغها بطابعها أو اقتناص منافعها الكبيرة على كافة المستويات السياسية والاقتصادية, وموقنا منها, أو تلك, على مجريات وآليات التحقق الناجز الذي تشارك به معظم دول العالم وشعوبها ومؤسساتها حكومية كانت أم أهلية.بطبيعة الحال دون أن نقلل من انعكاساتها السلبية على الثقافات الوطنية لبعض شعوب الأرض, ومن بعض المخاطر التي تتهدد هذه الشعوب والأمم, التي لا تزال بطور التكوين, وما تعانيه من أزمات اجتماعية اقتصادية حادة, بسبب اجتزاء هويتها الغير محققة أصلاً, والغير قادرة على مجاراة الآخر إن كان عولمياً أو خلاف ذلك, والأمثلة التي شهدتها حقبة الحرب الباردة أكثر من أن تحصى على المستوى الكوني. أيا تكون الاختلافات الجارية ما بين مؤيد ومعارض لصيرورة العولمة كنظام كوني, والذي بات يشكل كجزء من حقبة تاريخية, وهنا لسنا بصدد المؤيد أو المعارض لهذه الصيرورة, فقد بدأت العولمة منذ سنوات تشغر حيزاً هاماً من أحقاب هذا التاريخ البشري الذي يتسم بعموميته بسمات إنسانية بعيداً عن ظاهرة الغالب والمغلوب, والمضطهد والمضطهد, ولا بد من التواصل معه بهدف فهمه وتفكيكه والتعامل معه بما يلزم من أدوات معرفية على كل الأصعدة والمستويات.خاصة وأنه عصر الحواسيب وعلب المعلومات والرسائل الكوكبية التي تختزل الأبعاد وتطوي المسافات.أي أنه بكل جدارة هو انتصار الزمان الفعلي على المكان التقليدي, إذ أصبح التاريخ يجري وفق زمن عولمي فوري ومباشر, باعتباره يتيح إمكانيات هائلة للتحكم والاتصال من على بعد, ويتيح ليس فقط السمع والرؤية على مسافات شاسعة, بل يتيح أيضاً عبر الشبكات الإعلامية والقراءة الإلكترونية, ضروباً جديدة خارقة من الاتصالات, التي تسهل العلاقات على اختلافها, بما في ذلك عقد الصفقات وإجراء الندوات والمداولات وما إلى ذلك من هذه القضايا. وهنا ما يهمنا من كل ما تقدم, هي جملة المعطيات التي حدثت في دافوس بسويسرا, والذي حضره أكثر من ثلاثة آلاف رئيس دولة وممثل لشركات عامة وخاصة وفعاليات سياسية واقتصادية واجتماعية وصحفية وإعلامية, واعتبار أن هذا المنتدى الذي يعقد ثاني مرة خلال أقل من سنتين في نفس المكان يعتبر انطلاقة ودفعاً جديداً نحو فضاءات العولمة, التي أرست قيمها منذ بداية تسعينيات القرن الماضي.بعيداً عن مظاهر الاحتجاج, التي تعبر بجد عن مخاض حقيقي سيفصل ما بين زمنيين كمقدمة لتوحيد الأمكنة المترامية الأطراف من خلال أدوات المعرفة المنقولة عبر وسائل الإيصال والاتصال, وللتعبير عن مدى الخوف الذي يجتاح الأفئدة قبل الصدور والعقول انطلاقاً من عاملي الشك والريبة من هذا النظام العولمي الجديد, وما قد يخلفه من فواجع وأزمات على الدول ذات الاقتصاديات المتخلفة, الغير قادرة على مجاراة روح العصر واستخدامات التكنولوجيا المتطورة. لكن أياً تكون مظاهر الاحتجاج, التي يشاهدها العالم أجمع على شاشات التلفزيونات متعددة الأسماء والمدغمة بكافة لغات العالم, بات حرياً بنا نحن العرب ألا نقف بمنتصف الطريق نصفق للقادم, ونترحم على الماضي, حيث يتطلب منا الأمر بكل جدية اتخاذ مواقف محددة وواضحة, مبنية على رؤية استراتيجية, قادرة على التفاعل مع مجريات العصر, أياً تكون التسميات والشعارات.وأن نثق بأنفسنا بأننا أصحاب حضارة متجذرة وقادرة على التفاعل مع الآخر, خاصة إذا ما أيقنا حق اليقين بأن الأمة العربية لم تكن يوماً أمة منغلقة بعيدة عن الانفتاح والتفاعل مع الآخر وهي كانت ولا تزال قادرة على إنتاج المعرفة, وأن العولمة لا تخيفها بل تخيف البعض الذي لا يمتلك إرثاً حضارياً قد يقيه من التغيرات الكونية العاصفة, كما أن أبناءها قادرون على استخدام أخر ما توصل له العقل البشري من تكنولوجيا متحضرة. و قد لا أغالي القول إذا ما اعتبرت في هذا المقام أن كلمة سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع بدولة الامارات العربية المتحدة, قد أسست لرؤية عربية واقعية من خلال مطالبته أعضاء منتدى دافوس بتخفيض 20% من نفقات التسلح التي تدمر اقتصاديات العالم, لتسخيرها بشكل فعلي وخلاق في القضايا الأهم كالتعليم والثقافة والعلوم.انطلاقاً من فهم محدد مؤداه أن شكل الاقتصاد الراهن بما في ذلك مجموع العلاقات الأخرى, يقوم على الجدارة العالية والتكنولوجيا المتقدمة, وهذه الجدارة بطبيعة الحال لا يمكن أن تبنى إلا من خلال برامج تعليمية وتربوية وثقافية شاملة, هدفها الأساسي والرئيسي, الارتقاء بالمعرفة التي تؤدي إلى إعادة الهيكلة البعيدة كل البعد عن الارتجال الهدام, والتي تخلص المؤسسات من التعقيد والروتين وتؤسس لمجتمع الرفاه القائم على التكافل الاجتماعي هذا من جهة.أما من الجهة الأخرى فهذه الصرخة أمام هذا الحشد الكبير, جاءت لتقول أنه من يريد أن ينادي بالقرية الكونية المتصالحة مع نفسها, يقع على عاتقه أن يقدم حسن النوايا الذي يتأتى من وقف حمى التسلح الخطير, الذي يهدم عوامل الثقة ما بين الشعوب ويقف حائلاً دون تحقيق أنسنة العلاقات الدولية, في كافة مجالات الحياة وبلا استثناء, وبما يترتب على ذلك من التزامات دولية تؤدي في نهاية الأمر إلى فض فتائل الصراعات القائمة بما يتوافق ومقررات الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي, مع الأخذ بالحسبان عدم الانحياز لطرف على حساب طرف, خاصة إذا ما علمنا أن نجاح العولمة يتوقف على إرساء الأمن والاستقرار العالميين, ودون ذلك ستبقى الصراعات الدامية في العديد من المناطق وسنشهد حربا باردة من نوع مختلف في معظم المناطق في هذا العالم الفسيح, بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط, التي لا تزال تشهد الصراع العربي الصهيوني, والتي كل الحلول المطروحة أقل من المطلوب عربياً.كما جاء خطابه صرخة للدول الصناعية في تسخير هذا الرقم لخدمة الدول الفقيرة في مضمار التعليم والثقافة والعلوم, وخفض ديون الدول الفقيرة التي تئن من وطأة الفقر والجوع والعوز. وعود على بدء, فإذا كنا قد اعتبرنا خطاب سمو الشيخ محمد بن راشد قاعدة لخطاب عربي ومقدمة لمواجهة ما قد تعكسه العولمة من مخاطر ومفاجآت قد لا تحمد عقباها ونحن لسنا بمنأى عنها في ظل الواقع المتردي, فذلك يلقي على كاهلنا كعرب ما يلي : أولاً : الإسراع في بناء السوق العربية المشتركة, القائمة على أساس من الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة, وبما يؤمن مصالح كل الأطراف دون استثناء بعيداً عن الحسابات القطرية الضيقة. ثانياً :الإقلاع عن التغني بالتماثل, لان مفهوم التماثل قد أثبت عجزه, ولا يمكنه أن يحد من أخطار العولمة, وإرساء قناعة بأن مفهوم التكامل كان ولا يزال مخرجاً مناسبا لاقتصاديات الدول العربية على تنوعها. فإذا كانت دولة مثل الولايات المتحدة مؤلفة من 52 ولاية ولها باع طويلة في العالم يقترب معدل نموها من الصفر, والإنتاج الياباني بدأ يتراجع في النصف الثاني من العام 2000 والذي ترافق مع انخفاض العملة اليابانية, والذي سيحمي أسواقا صغيرة ومقسمة على المستوى العربي ؟ وهذا يتطلب بكل تأكيد تنشيط الاتفاقيات العربية المشتركة, التي ملأت أدراج جامعة الدول العربية ومجموع الوزارات العربية المختصة بذات الشأن. ثالثاً : إرساء دعائم الديمقراطية, بما يؤمن إشراك كافة القطاعات الإنتاجية, والعودة إلى التفكير في قطاع الدول, أو كما يسميه البعض القطاع العام, لانه الضمانة لاستمرارية حالة التوازن, خاصة وأننا نشهد نشاطاً كبيراً لدى دول أوروبا بلا استثناء, للعودة إلى تنشيط دور هذا القطاع وضرورته التي لا غنى عنها, وهنا لا بد من التذكير أن الولايات المتحدة لم تتخل يوما ً عن قطاع الدولة وهي تحاول رفعة إلى أكثر من 51 %, وقد تكون مشكلة مايكروسوفت مع الحكومة الأمريكية السابقة لهذا السبب وغيره. رابعاً : ألا ترضخ الدول العربية ومعها دول عدم الانحياز, والكثير من دول العالم الأخرى, من تحويل العولمة من عولمة لمصلحة الأمم, إلى أمركة ضد مصالح الشعوب والأمم, على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وأن نقلع عن فصل السياسة عن الاقتصاد, لان السياسة بالأساس اقتصاد مكثف, وهذه حقيقة لا يمكننا إغفالها قطعاً. خامساً : الشروع في إقامة المشاريع المشتركة, بعيداً عن الخلافات السياسية التي تحكم الواقع العربي, والذي بدوره سيردم الهوة الحاصلة في واقعنا العربي, والنظر بكل جدية إلى بناء التكتلات الاقتصادية العربية كخطوة أولى نحو تكتل اقتصادي عربي من شأنه أن يبني علاقات متوازنة مع دول الجوار الجغرافي ليصبح بعدها قادراً على المنافسة في الأسواق العالمية, ويحمل الآخر على احترامه, ومقدمة لتنازل هذا الآخر على التسليم بحالة التوازن التي لن تأتي منة أو حسنة أو حتى عفو الخاطر, لان المصلحة والمنفعة فوق الجميع, انطلاقاً من المفاهيم البراجماتية التي يمارسها. لكن السؤال الأهم والأبرز, هل سيصل العرب حقاً بالتسليم بأنه لا مكانة بعد اليوم للصغار ؟ وأنه بظل غمرة التنافس المحموم سيفكرون بخلق البدائل الإيجابية, التي تؤمن لهم الأمن والسلم الاجتماعيين على المستوى القطري والقومي ؟ أم أنهم سيبقون يسوفون بانتظار الحلول المستوردة التي لن تجلب لهم إلا الفاقة والفقر ؟ على كل يبقى المثل قائم أما أعيننا في الكثير من البقاع في هذا العالم, وتبقى أفريقيا التجربة الحية التي نعيشها بكل فصولها المأساوية التي تدمي القلب قبل العين أحيانا.فهل نتحول نحن العرب من محيطنا إلى خليجنا إلى إفريقيا ثانية ؟ أسئلة برسم أصحاب القرار السياسي والاقتصادي العربي, وبما يمثلون من قطاعات عامة أو مشتركة أو خاصة فهل من مجيب؟ بقلم: عبد الكريم محمد