نص كلمة الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في منتدى دافوس: أيها الحضور الكريم يسعدني أن أكون بينكم اليوم واعتقد أنكم مثلي سعداء بالعيش في هذه الحقبة الزمنية المثيرة ، جدا.. اننا نعيش في عالم جديد لم يعرفه آباؤنا.. وقد عاش اباؤنا أيضا في عالم جديد لم يعرفه اباؤهم.. وفي زماننا هذا يحدث التغيير بسرعة غير مسبوقة ويخلق واقعا جديدا تماما يؤثر على كافة جوانب حياتنا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا.. من هنا فان التحديات دقيقة وربما صعبة. وسواء أعجبنا أم لم يعجبنا فان العولمة تتقدم وحركة رأس المال الفكرى والنقدى تزداد سهولة عبر العالم.. أما المعلومات فقد صارت المصدر الرئيسى لتوليد القيمة المضافة.. سواء في الزراعة أو الصناعة أو الخدمات.. ومن الطبيعى أن يرتب هذا الواقع الجديد على القيادات العربية مسئوليات جديدة وتحديات جديدة.. لذلك سيكون ضروريا فرز الحقائق عن الاوهام وتحديد الهدف بدقة وحشد الموارد وتحديد الاتجاه والاولويات. ان القائد العصرى هو الذى تتفاعل عنده المبادرات والانجازات والقدرة على تحفيز الابداع والهام المبدعين وارساء ثقافة المساءلة والمحاسبة والريادة والعطاء كما يحتاج القائد الى بلورة رؤية ملهمة توفر متطلبات اطلاق قدرات الموارد البشرية بما يحقق الاهداف المرجوة وسيكون ضروريا توسيع المشاركة الشعبية وتطوير المؤسسات البرلمانية التمثيلية والتأكيد على الشفافية والمساءلة ومكافحة الفساد وسيكون علينا تمكين شعوبنا وقطاعنا الخاص من المنافسة على مستوى عالمى. وبالنسبة لنا في دبي فقد تحركنا بسرعة وحسم وعلى جبهات عدة مستندين الى بنية اساسية متطورة وعلى أرفع المستويات العالمية.. لقد اعطينا الاولوية لتوفير بيئة مناسبة تسهل الانتقال الى الاقتصاد الجديد فأطلقنا في أكتوبر 1999م مبادرة انشاء مدينة دبي للانترنت وخلال سنة ولدت منطقة تتوفر فيها بيئة مثالية لكل المشتغلين في المعلومات والاتصال والتجارة الالكترونية كما أنشأنا واحة المشاريع الالكترونية لخدمة المبتدئين في أعمال التجارة الالكترونية. وخلال العامين الماضيين اتسعت قاعدة المهتمين بتقنية المعلومات وارتفع عدد مستخدمى الانترنيت الى أرقام قياسية تضاهى مستويات الدول المتقدمة ولم يكن القطاع الحكومى خارج هذه التطورات. فالحكومة تحتاج الى اعادة تنظيم لمواجهة حقائق القرن الحادى والعشرين وصار على الحكومة مهمة اضافية هى تسهيل انتقال المجتمع الى الاقتصاد الجديد.. لذلك أطلقت في ابريل الماضى مبادرة الحكومة الالكترونية وأعطيت مدراء الدوائر خيار التكيف مع الوضع الجديد خلال 18 شهرا أو التنحي. كان ضروريا خلق الاحساس بأن الوقت ضاغط واننا في سباق مع الزمن فاذا زاد اتساع الفجوة الرقمية لا يعود ممكنا الاقتراب من التحدى الحقيقى وهو تجسير الفجوة بين الذين يملكون المعرفة.. والذين لا يملكون وبين القادرين على الابتكار وغير القادرين. وندرك أن هذا التحدى يحتاج الى: أولاً: استثمار كبير في التعليم والابحاث والتدريب. ثانيا: بنية اساسية من الدرجة الاولى تكون جاهزة قبل أن تظهر الحاجة لها. ثالثا: بنية ادارية وتشريعية مناسبة. رابعا: تقوية القطاع الخاص وتوفير فرص النمو والازدهار للمشاريع الصغيرة والمتوسطة. خامسا: فتح الابواب للاستثمارات وتوفير بيئة تنافسية في القطاعات ذات الاهمية الخاصة في الاقتصاد الجديد. سادسا: الاعتراف بالفروقات الثقافية واعتماد الحوار والتسامح بين الحضارات بديلا عن المواجهات. ومادامت تقنية المعلومات والاتصال ستحولنا الى مجتمع عالمى واحد فمن باب أولى تسريع تصفية النزاعات على مبادىء الشرعية الدولية واقرار مبدأ المواطنة العالمية المتساوية في الحقوق والواجبات لكل البشر. ويظل بناء اقليم يسود فيه السلام والازدهار من أعز أهدافنا. تعد قمة دافوس السنوية التي ينظمها المنتدى الاقتصادي العالمي من اهم وأبرز الاحداث السياسية والاقتصادية العالمية, حيث تستقطب اكبر عدد في وقت واحد من النخب السياسية والاقتصادية على مستوى العالم اجمع, جنوبه وشماله, ودوله الفقيرة والغنية. وينعقد المؤتمر هذا العام (2001) في وقت بالغ الاهمية والحساسية, حيث يثور جدل واسع وحاد حول العولمة وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية, بل والثقافية ايضا, على مستوى العالم وعلى الدول النامية والفقيرة بشكل خاص. فقد شهدت دافوس ذاتها ومدن سويسرية وأوروبية اخرى تظاهرات عديدة ضد العولمة بمناسبة انعقاد المؤتمر, في الوقت الذي كانت تستضيف فيه مدينة (بورتو اليجري) في البرازيل مؤتمرا موازيا لمؤتمر دافوس شارك فيه نشطاء من 120 دولة وألف منظمة عالمية, مطالبين بعالم اكثر عدالة وتوازنا بين اغنياء العالم وفقرائه. من هنا اهمية وضرورة ان يبرز موقف عربي ليقدم رؤية مستقبلية واضحة المعالم, اعتمادا على حقائق الواقع ومعطياته وانطلاقا من القيم العربية الاسلامية الراسخة التي تؤكد على الحق والعدل والمساواة بين الناس. وهذا ما عبر عنه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع في كلمته خلال المنتدى, والتي لم تتجاوز مدة إلقائها الدقيقة والنصف, لكن ثراء مضمونها وردود الفعل حولها تجاوزت ذلك بكثير, لما اظهرته من وعي وإدراك لحقائق الوضع العالمي الراهن وآفاقه المستقبلية بعيدا عن الانشائية والشعارات الضبابية. كما تميزت بشمولية الرؤية وعملية الطرح من خلال نهج متكامل وخطوات محددة في مواجهة التحديات المحلية والاقليمية والدولية. وهو ما جعل سموه بحق وعن جدارة (خير ممثل للعرب) في هذا المنتدى العالمي الكبير, كما قال الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد وقائد قوة الدفاع في البحرين. البعد الانساني من العناوين البارزة التي تضمنتها (الكلمة ـ الرؤية) التركيز على الجانب الانساني بكل ابعاده الفردية والاجتماعية, وقد تمثل ذلك في التأكيد على ثلاثة مبادىء اساسية: 1) اطلاق قدرات الموارد البشرية, لتأهيل الفرد واكسابه القدرة على التعامل مع متطلبات العصر وتحديات العولمة والثورة المعلوماتية. وقد اوضح سمو الشيخ محمد في هذا الاطار ان دبي قد وضعت خطة لتأهيل خمسين الفا من شباب الوطن في مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصالات التي اصبحت لغة العالم المعاصر والشرط اللازم للدخول في معتركه, من منطلق الفعل والمشاركة وليس مجرد التلقي ورد الفعل فقط. 2) توسيع المشاركة الشعبية وتطوير المؤسسات التمثيلية لتكون اكثر تعبيرا عن آمال وتطلعات الشعوب واكثر قدرة على تحمل المسئولية الوطنية التي يجب ان يشارك فيها الجميع بدلا من القائها على كاهل الحكومات وحدها. فالنظرة التقليدية الى دور الدولة باعتبارها المسئولة عن (رعاياها) لم يعد قابلا للتطبيق في عصر اصبح فيه (الرعايا) مواطنون يمتلكون كامل الحرية ويتحملون المسئوليات الوطنية على قدم المساواة. وهذا التغير في الدور يتطلب بالضرورة المزيد من الشفافية والمساءلة لمواجهة ما قد يعترض مسيرة التطور والنماء من عوائق وعراقيل وعلى رأسها الفساد, خاصة بعد ان اصبح ظاهرة عالمية اقرب الى الجريمة المنظمة, مما يستدعي التعاون والتنسيق على مستوى عالمي, وليس محليا او اقليميا فحسب. 3) وعلى المستوى العالمي الاشمل جاءت دعوة سمو الشيخ محمد بن راشد لتخصيص 20% من ميزانيات التسلح العالمي وتوجيهها لدعم التعليم والثقافة, لتؤكد النظرة الشمولية لديه والادراك الواعي لأهمية ودور التعليم في تطور الشعوب وبناء الدول. وقد تبدو هذه النسبة ضئيلة في نظر البعض او اقل مما يستحقه التعليم والثقافة, ولكن الوضع يختلف اذا عرفنا ان مجموع الانفاق العالمي على التسلح سنويا يتجاوز 750 مليار دولار, مما يعني ان نسبة العشرين في المئة ستبلغ في حدها الادنى 150 مليار دولار في السنة, وهو ما يوازي ميزانيات التعليم في اكثر من نصف دول العالم مجتمعة. وتتزايد اهمية هذه النسبة حين نعرف ان معظم الدول النامية تتجاوز نسبة انفاقها على التسلح 50% من اجمالي ناتجها المحلي, بينما لا تتعدى ميزانيات التعليم في كثير منها 0.5% (أي نصف في المئة) فقط مقارنة مع ما بين 20 و50% من الميزانيات العامة للدول المتقدمة. وإذا كانت هذه الهموم والمشاكل تؤرق وترهق الدول النامية وتشغل العالم اجمع. فإنها تتطلب جرأة كبيرة واحساسا عاليا بالمسئولية لطرحها امام منتدى عالمي بهذا المستوى يضم اكثر من ثلاثين رئيس دولة وحكومة ونحو 1200 من صناع القرار السياسي والاقتصادي والتكنولوجي ايضا على مستوى العالم. وهو ما يضفي مزيدا من الاهمية والمصداقية لكلمة الشيخ محمد ودعوته العقلانية والانسانية. تجربة حية لم يكن الشيخ محمد, وهو يطلق دعوته العالمية ويطرح رؤيته الانسانية لينطلق من فراغ وهو يتحدث امام محفل دولي بهذه الاهمية وعلى هذا المستوى العالمي الرفيع, وإنما جاء يحمل تجربة حية تجسدت على ارض الواقع في دولة الامارات عامة وفي دبي بصفة خاصة. فقد اطلق سموه قبل نحو عام مبادرة الحكومة الالكترونية التي تعتبر ثورة بكل معنى الكلمة في مجال الادارة والأداء الحكومي المتميز, اضافة الى انشاء مدينة دبي للانترنت وباطلاق مشروع مدينة دبي للاعلام, وغيرها من المشاريع الاخرى الرائدة التي تؤكد انسجامه والتزامه بضرورة المبادرة وتحفيز الابداع والمبدعين, في سباق محموم مع الزمن نحو الجودة والتميز اللذين اصبحا سمة من سمات دبي الراسخة, بعد اكتمال البنى الاساسية اللازمة لمواكبة العصر ومواجهة التحدي المعرفي المتمثل في الفجوة الكبيرة (بين الذين يملكون المعرفة والذين لا يملكون, وبين القادرين على الابتكار وغير القادرين). وقد حدد سموه متطلبات هذا التحدي بدقة ووضوح, بحيث لم يقتصر على تشخيص الواقع فحسب, وإنما قدم الوصفة العلاجية المناسبة لقهره وتجاوزه. فالاستثمار الكبير في التعليم والابحاث والتدريب, لم يعد مجرد رغبة عابرة او ترف, بل اصبح ضرورة ملحة تتطلب حشد كل الجهود والامكانيات على مستوى الدولة والقطاع على حد سواء. وهذا يحتاج الى بنية اساسية مكتملة ومتكاملة (تكون جاهزة قبل ان تظهر الحاجة اليها) وهو ما يعني التخطيط المسبق والمبادرة الدائمة والعمل المتواصل. غير ان هذه البنية لا تكتمل الا بوضع الهياكل الادارية والتشريعات اللازمة لسير العمل وتطويره. وباعتبار ان دور القطاع الخاص يقوم بالتوازي والتكامل مع دور القطاع الحكومي, فإنه لابد من (توفير فرص النمو والازدهار للمشاريع الصغيرة والمتوسطة) كما يقول الشيخ محمد. وقد تعددت المبادرات التشجيعية التي قدمتها دبي في هذا المجال من خلال مشاريع مختلفة مثل (انجاز) و(انطلاق) وغيرها من المشاريع والمبادرات الرامية الى تشجيع الشباب وحثهم على العمل والانتاج في مختلف المجالات. وبما ان تحقيق هذه الطموحات الكبرى يتطلب استثمارات على المستوى نفسه, فلابد من (فتح الابواب للاستثمارات وتوفير بيئة تنافسية في القطاعات ذات الاهمية الخاصة في الاقتصاد الجديد), وعلى رأس هذه القطاعات دون شك الاقتصاد الالكتروني او ما يسمى (الفضاء الافتراضي) الذي يتوقع ان يبلغ حجم الاستثمار فيه سبعة آلاف مليار دولار في اقل من اربع سنوات من الآن. مسئولية عالمية ان التغير المذهل الذي يسير بسرعة غير مسبوقة في تاريخ البشرية يخلق واقعا جديدا يتطلب العمل الجماعي المشترك على مستوى العالم, وليس مسئولية دولة واحدة او مجموعة من الدول وغيرها من الاطراف الدولية الاخرى, بعد ان هيأت تقنية المعلومات والاتصالات لتحويل العالم كله الى مجتمع كوني واحد. غير ان تحمل هذه المسئولية الجماعية الدولية لا يمكن ان يتحقق الا عن طريق (الاعتراف (المتبادل) بالفروقات الثقافية واعتماد الحوار والتسامح بين الحضارات بديلا عن المواجهات). وهذا بدوره يتطلب بالضرورة الالتزام بمبادىء الشرعية الدولية واقرار مبدأ المواطنة العالمية المتساوية في الحقوق والواجبات لكل البشر. فبدون التزام كامل بمبادىء الشرعية والمساواة بين الشعوب والدول, لا يمكن ان يتحقق الامن والاستقرار في العالم, وبالتالي فإن النزاعات والحروب المتعددة ستعصف بكل ما تحقق من انجازات وتعيق اي محاولة للتقدم نحو الافضل. وهكذا يضع سمو الشيخ محمد يده على الجرح الذي يؤرق شعوبا ومنظمات دولية عديدة تخشى انعكاسات الآثار السلبية للعولمة وما تحمله في طياتها من هيمنة دول او قوى دولية على باقي المجتمعات والدول في العالم. وفي الوقت نفسه قدم سموه الوصفة العلاجية التي تكفل مصالح الاطراف الدولية المختلفة وتهيىء الفرص للتعاون وتبادل المنافع وتجسير الفجوة بين اغنياء العالم وفقرائه على اساس العدالة والمساواة لتحقيق الامن والاستقرار للجميع, واقامة مجتمع عالمي واحد يسوده السلام والازدهار. بقلم: عبدالله اسحاق