بيان الاربعاء : كثرت التكهنات في الفترة الأخيرة عن احتمالات تعرض روسيا من جديد لأزمة اقتصادية لا تقل آثارها عن أزمة أغسطس 1998م, فقد توقفت معدلات النمو الاقتصادي، التي تحققت خلال الأشهر السابقة بل وبدأ التراجع في هذه المعدلات, وينقسم الفريق الحكومي المسئول عن الملف الاقتصادي حول أسباب الأزمة المحتملة وطرق علاجها وإن كانوا جميعا لا ينفون احتمال وقوعها. ففي وقت يرى فيه رئيس الحكومة الروسية ميخائيل كاسيانوف أنه يمكن لروسيا أن تسدد جزءا من ديونها لنادي باريس في صورة أسهم المؤسسات الروسية, يقول نائبه وزير المالية الكسي كودرين أن روسيا لن تسلم أي سهم بل ستطالب بإعادة جدولة الديون وإلغاء شريحة منها. وبينما يقول مستشار الرئيس الروسي للشئون الاقتصادية أندريه إيلاريونوف أن الحكومة فشلت في تأدية واجباتها هذه السنة يقول كاسيانوف أن حكومته عملت بشكل جيد. وفي وقت يرى فيه مستشار رئيس الدولة ان على روسيا أن تسرع بسداد الديون الخارجية ما دامت قادرة على عمل ذلك يقول وزير التنمية الاقتصادية والتجارة جيرمان جريف أنه لا يحق للحكومة إنفاق إيرادات إضافية على سداد الديون. أما محافظ البنك المركزي فكتور جيراشينكو فهو لا يلقى بالا لما يقوله وزير التنمية الاقتصادية ومستشار رئيس الدولة فيما يتعلق بضرورة تخفيض قيمة الروبل تدريجيا. فقد قدم البنك المركزي للبرلمان تصورا للسياسة النقدية المطلوب انتهاجها في عام 2001 يقضي بتثبيت قيمة الروبل وعدم تخفيض قيمته, ويعتقد الكثيرون إن هذا التضارب في الآراء يكشف عن غياب إجماع في صفوف السلطة فيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية. وهذا يعني ببساطة ان الذين يتولون مسئولية الملف الاقتصادي, كاسيانوف وكودرين وجريف وجيراشينكو وإيلاريونوف, لا يشكلون فريقا واحدا. ويمكننا أن نتصور ان كلا من هؤلاء ينصح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأن يأخذ بنصيحته. من المعروف أن روسيا شهدت نزاعا بين البنك المركزي ووزارة المالية قبل أزمة أغسطس 1998وانهالت آنذاك التوصيات والنصائح على الرئيس السابق يلتسين من مختلف الجهات والتبست الأمور عليه حتى أنه أقسم قبل بضعة أيام من 17 أغسطس بعدم حدوث انهيار صاعق للعملة الروسية, إلا أن ما جرى عمليا هو انخفاض قيمة الروبل أمام الدولار الأمريكي بحوالي ثلاث مرات. ويعتقد مايكل كارتر, مدير مكتب البنك الدولي بموسكو, بإمكانية تكرار الأزمة التي ضربت روسيا في عام 1998 . وقد ناشد كارتر السلطة الروسية في كلمة ألقاها بمؤتمر عقد في موسكو حول حماية حقوق المستثمرين والمساهمين في روسيا أن تبذل قصارى جهدها حتى لا يحدث سيناريو كهذا. وكان وزير التجارة والتنمية الاقتصادية جيرمان جريف قد صرح في وقت سابق بأنه يوجد احتمال أن تجتاح روسيا أزمة أسوأ من أزمة أغسطس عام 1998. ويرى جريف أن الوضع الاقتصادي لايزال مقلقا بسبب تثبيت سعر صرف الروبل و زيادة معدلات التضخم,الأمر الذي يعمل على إبطاء معدل النمو الاقتصادي. في الوقت ذاته يبدو ان إيلاريونوف المستشار الاقتصادي للرئيس الروسي هو أيضا متشائما حيث أنه لا يستبعد حدوث اختلال في أسعار الصرف قد يسبب ما حدث من انهيار صاعق في أغسطس عام ,1998 إذا لم تتخذ الحكومة إجراءات عاجلة. تدهور محتمل ويتحدث جميع المسئولين في الحكومة الروسية عن احتمال هبوط أسعار النفط واستطرادا احتمال تدهور الوضع المالي والاقتصادي لروسيا, بالفعل يمكن أن تأتي المشاكل الاقتصادية من هبوط أسعار النفط في السوق العالمية مضافا إليه أعباء الديون الخارجية. ولكن المصيبة الكبرى في رأي البعض داخل الحكومة وفي إدارة الرئيس تأتي من جراء تثبيت سعر صرف الروبل. وواقع الحال يؤكد أن معدل النمو الاقتصادي لروسيا أخذ في التباطؤ عندما كانت أسعار النفط مرتفعة. والتفسير الذي يقدمه الاقتصاديون مفاده أن انخفاض قيمة الروبل الروسي في أغسطس 1998 استنفذ جدواه بمعنى أن خفض سعر صرف الروبل آنذاك أدى إلى إنعاش الصناعة الروسية ومكن مصدري المواد الأولية من تحقيق عوائد مرتفعة, واستقر الروبل الآن إلى درجة أصبحت معها أسعار السلع الروسية مرتفعة للغاية وغير قادرة على المنافسة.وفي الوقت نفسه ارتفع التضخم المالي من جراء ارتفاع عوائد الصادرات, وإذا لم يلجم التضخم فسيبدأ هذا الغول بالتهام ثمار عام 2000 بغض النظر عما إذا هبطت أسعار النفط في السوق العالمية أو لم تهبط. ويعتقد بعض الخبراء الاقتصاديين ان الحكومة الروسية لا توجد لديها حاليا آلية فاعلة تستطيع بواسطتها امتصاص السيولة الفائضة بصبها في القطاع الإنتاجي أو تحويلها إلى سندات أو أوراق مالية أخرى, إذ لم يعد أحد يثق بالقطاع الإنتاجي والأسهم الروسية.وهناك طريقة أخرى لنزع فتيل الأزمة وهو تخفيض سعر صرف الروبل مقابل الدولار, ومن الجدير بالذكر أن الاقتصاديين المستقلين وضمنهم إيلاريونوف اقترحوا على الحكومة والبنك المركزي قبل أغسطس عام 1998 بوقت طويل معالجة الأوضاع بهذه الطريقة. ويقترح إيلاريونوف (مستشار الرئيس الروسي للشئون الاقتصادية) اليوم نفس الشيء, إذ يقول: (فلتدفع موسكو بضعة مليارات من الدولارات لنادي باريس حتى تتقلص كمية الدولارات و ينخفض سعر صرف الروبل.ومن ثم فإن روسيا تضرب ثلاثة عصافير بحجر واحد, حيث تستعيد السلع الروسية القدرة التنافسية ويتضاءل التضخم المالي وترتفع سمعة روسيا في عيون المستثمرين الأجانب). ديون روسيا ويتساءل وزير المالية كودرين: كيف يمكنني تسديد الالتزامات تجاه العاملين في القطاع الحكومي من خزينة الدولة إذا سحبت مليارات الدولارات من روسيا؟ وفي نفس الاتجاه يتحدث رئيس الوزراء ميخائيل كاسيانوف الذي يؤكد في كل مناسبة أن روسيا لا تستطيع تسديد كل التزاماتها أمام نادي باريس للدائنين في موعدها لأن هذا سيجعلها لا تفي بالتزاماتها أمام المواطنين الروس. ويرفض كاسيانوف جميع المقترحات المتعلقة بضرورة اقتراض الحكومة لمبلغ مليار دولار من احتياطي العملة الصعبة لدى البنك المركزي الروسي لسداد الديون المستحقة, وتجدر الإشارة أن روسيا مطالبة في شهر يناير الجاري بتسديد الفوائد المستحقة على ديون الاتحاد السوفييتي لنادي باريس للدائنين, بين ما عليها أن تسدد في فبراير المقبل قسما من أصل هذا الدين (حوالي 3 مليارات دولار). وفي ظل هذا الوضع يتكهن بعض الاقتصاديين بحدوث السيناريو التالي: تدفع روسيا لنادي باريس بضعة مليارات من الدولارات وتسمح بانخفاض قيمة عملتها الوطنية ( الروبل ) بشكل طفيف. وفي الوقت نفسه تهبط أسعار الصادرات الروسية من المواد الأولية وتتراجع عائدات روسيا من العملة الصعبة, الأمر الذي يؤدي إلى انخفاض قيمة الروبل أيضا, ونتيجة لذلك ينخفض احتياطي البنك المركزي الروسي من النقد الأجنبي لأن الدولارات الأمريكية تشكل أكثر من 90% من هذا الاحتياطي, ومن ثم يستمر الروبل في الانخفاض. وبالتالي ستكون هناك ثلاثة عوامل تعمل على تخفيض قيمة الروبل بدلا من العامل الواحد الذي يراهن عليه إيلاريونوف وأنصاره. وفي سياق هذه التخفيضات المتتالية لقيمة الروبل يتأزم الوضع الاقتصادي حيث ترتفع الأسعار وتفقد مدخرات المواطنين قسما كبيرا من قيمتها, وقد يترتب على كل ذلك تغيرات في الحكومة على غرار ما جرى في السابع عشر من أغسطس 1998م.