بيان الاربعاء : حمل عام 2000 متغيرات مهمة للسياسة الكويتية سواء في بيئتها الاقليمية او الدولية من اهمها التغيرات التي شهدها الملف العراقي والتغير على الساحة الايرانية, اضافة الى التغييرات التي شهدتها منطقة الشرق الاوسط, وكلها متغيرات تهتم بها السياسة الخارجية الكويتية كونها تنتمي الى ثلاث دوائر تحمل كل منها اهمية خاصة بالنسبة للدولة تفرض عليها تحركات معينة وهذه الدوائر هي: الدائرة الخليجية وتعتبر أقرب الدوائر إلى دولة الكويت و مصالحها القومية وامتدادها الاجتماعي وفيها تبرز قضيتا التكامل والأمن في الخليج كأبرز قضايا السياسة الخارجية للكويت ومقصداً لجهودها منذ استقلالها عام 1961 الأمر الذي توجته في فبراير 1981 بدعوتها إلى تعاون أوثق داخل إطار مؤسسي بين الدول الخليجية الست لمواجهة المخاطر التي كانت تهدد المنطقة آنذاك وتنسيق السياسات فيما بينهم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وعسكرياً. أما الدائرة العربية فهي دائرة الانتماء القومي للكويت حيث تلعب الأخيرة دوراً مميزاً داخل إطارها سواء في علاقاتها الثنائية مع غيرها من الدول العربية أو في دعمها لقضايا المنطقة الأساسية كقضية السلام وقضية التضامن العربي إذ يشهد للكويت بأنها لم تستقطب في أي وقت من الأوقات في المعركة بين قوى الثورة العربية وخصومها طوال فترة الخمسينيات والستينيات والسبعينيات أو في أية خصومات عربية مباشرة مما ساعدها على أن تلعب دور الوسيط في عدد من الحالات العامة والأهم من هذا أنها على الرغم من العدد المحدود لسكان دولة الكويت وأثر ذلك في محدودية الدور العسكري المباشر الذي يمكن أن تلعبه في معادلة الأمن القومي العربي فإنها وبحكم تراثها وحسها القومي استطاعت أن تلعب دوراً بارزاً في دعم الجهود الرامية إلى الحفاظ على هذا الأمر, فمن المعروف أن الكويت من الدول العربية الرائدة من حيث المساهمة المالية في هذا الشأن في معظم الحالات وعلى نحو مطلق. أما إذا حسبت المساهمات كنسبة من الناتج القومي الإجمالي فتكون الكويت هي الدولة الأولى في كل الحالات وليس في معظمها. وهي حقيقة تظهرها كافة قرارات مؤتمرات القمة المنعقدة منذ عام 1964 وحتى الآن . ومن الدائرة الدولية انطلقت السياسة الخارجية للكويت في هذه الدائرة من هدف أساسي وهو دعم العلاقات مع القوى الدولية الكبرى وتعميق التعاون الاقتصادي والثقافي والعلمي مع الدول الغربية بصفة عامة. ومما يلفت النظر أن علاقات الكويت على هذا المستوى اتسمت ــ وحتى قبل الاستقلال ــ بالتوازن والتزامن مع خط عدم الانحياز والتعامل مع الدول والشعوب الأخرى معاملة الند للند على صعيد الروابط والاتصالات بما يخدم المصالح المشتركة دون التفريط بحق أحد الطرفين أو الإساءة لطرف ثالث. وقد شهد عام 2000 تحركات وجهودا ملموسة للسياسة الخارجية الكويتية داخل الدوائر الثلاث السابقة يمكن عرض أبرزها ونتائجها في خدمة قضايا الكويت كما يلي: أولاً: الدائرة الخليجية تحركت الجهود الخارجية في هذه الدائرة على مستويين : الأول داخل إطار مجلس التعاون الخليجي من خلال المشاركة الفاعلة للمسئولين الكويتيين في اجتماعات المجلس ومؤتمراته والتقدم بأوراق عمل لمناقشة القضايا محل الاهتمام المشترك. وقد أثمرت السياسة الخارجية على هذا المستوى موقفاً جماعياً مؤكداً لقضايا الكويت خاصة فيما يتعلق بأسلوب التعامل الخليجي مع العراق حيث كانت هناك أولوية كويتية واضحة بضرورة توحيد رأي دول المجلس حول الموقف من المسألة العراقية, الأمر الذي تحقق من خلال بيانات المجلس طوال العام الجاري التي ركزت على ضرورة انصياع العراق للقرارات الدولية كشرط لرفع العقوبات المفروضة عليه , فضلاً عن ضرورة التزامه باحترام حقوق دول الجوار والمحافظة على أمن المنطقة. كما كان هناك موقف خليجي موحد في مواجهة التهديدات العراقية الأخيرة للكويت من حيث تأييد الجانب الكويتي ومطالبة العراق أكثر من مرة بوقف هذه التهديدات. أما المستوى الثاني : فيلاحظ تركز الجهود الخارجية فيه على المملكة العربية السعودية بصفة خاصة باعتبارها أقرب الدول الخليجية إلى القضايا الكويتية قديماً وحاضراً, والأكثر دفاعاً وتمسكاً بالأمن الوطني للكويت وسيادتها على أراضيها الأمر الذي تجلى بأوضح صوره أثناء الغزو العراقي ولاتزال مؤشراته سارية حتى الآن من خلال التأييد والدعم المستمرين للجانب الكويتي في كافة المحافل الإقليمية والدولية. ومن هنا شهد عام 2000 كثافة في مستوى الزيارات المتبادلة لمسئولي البلدين منها زيارة وزير النفط الكويتي الشيخ سعود ناصر الصباح إلى الرياض منتصف العام, كما استقبلت الكويت في بداية شهر يوليو ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز في زيارة شكلت منعطفاً جديداً في العلاقات بين البلدين يتميز بدرجة أكبر من التعاون والتنسيق نتيجة لاتفاق الطرفين حول صيغة نهائية للحدود البحرية بينهما أنهت خلافاً استمر نحو34 عاماً. كما كان من ثمار السياسة الخارجية للكويت على هذا المستوى عقد أكثر من اتفاق مع الجانب السعودي لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك بينهما مثل اتفاقية تشجيع الفعاليات الاقتصادية على إقامة المشروعات المشتركة وتشمل حركة رؤوس الأموال والبضائع على جانبي الحدود. ويخرج من الدائرة الخليجية للسياسة الخارجية الكويتية منطقتان على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للكويت هما إيران والعراق, خاصة وأن من أهم أهداف السياسة الخارجية للكويت هو دعم التوازن الإقليمي في منطقة الخليج بين عناصره الثلاثة: إيران ــ العراق ــ دول مجلس التعاون الخليجي. أ) إيران : تعد الجوانب الأمنية والاقتصادية أهم العوامل التي دفعت الكويت نحو تطوير علاقاتها بإيران هذا العام. حيث استجابت السياسة الخارجية للكويت للتغيرات التي شهدتها الساحة الإيرانية من خلال تكثيف مستوى الزيارات الرسمية للمسئولين الكويتيين واستقبال عدد من القيادات الإيرانية. فقام الشيخ ناصر الصباح المستشار الخاص لولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بزيارة رسمية لطهران في نهاية شهر إبريل التقى خلالها عدداً من الفعاليات السياسية والاقتصادية المهمة في إيران. وقد كان الهدف الأساسي لهذه الزيارة هو تسويق المشروع الكويتي حول ربط منطقة شرق آسيا بغربها لخلق منطقة اقتصادية ضخمة لا تقوم فقط على الصناعة النفطية لدولها وإنما تعتمد أساساً على برنامج إعادة التصنيع وصناعة السياحة الدينية. الأمر الذي يخدم إلى درجة كبيرة ـ في حالة الاتفاق على كافة جوانبه-واقع التنمية في دولة الكويت من حيث البحث عن مصادر بديلة أو مساندة للدخل القومي المتمثل بالنفط وإعادة الدور الكويتي الناجح كوسيط تجاري في المنطقة وهنا تأتي أهمية اختيار صانعي السياسة الخارجية لإيران عند تبنيهم لهذا المشروع الاقتصادي الضخم نظراً للموقع المتميز الذي تحتله إيران في المنطقة مما يجعل منها حلقة وصل فاعلة. وفي يوليو قام وزير النفط الشيخ سعود ناصر الصباح بزيارة إلى إيران التقى خلالها الرئيس الإيراني محمد خاتمي وعدداً من المسئولين بهدف تنسيق المواقف بين الجانبين داخل منظمة البلدان المصدرة لنفط (أوبك). ومن ناحية أخرى استقبلت الكويت في مايو وزير الثقافة الإيراني عطاالله مهاجراني, كما استقبلت وزير الداخلية الإيراني حسين عبدالواحد الموسوي في بداية شهر أكتوبر تلبية لدعوة نظيره الشيخ محمد الخالد الصباح. وقد كان من ثمار السياسة الخارجية الكويتية تجاه إيران اتفاق الدولتين على تشكيل لجنة أمنية إيرانية ــ كويتية هدفها التنسيق والمتابعة في مجال مكافحة الإرهاب وتهريب المخدرات, كما وقعت الدولتان في يناير مذكرة تفاهم بشأن إجراءات تعزيز وتنمية التعاون التجاري الثنائي بينهما. والأهم من ذلك هو ما بدا من تصريحات المسئولين الإيرانيين من وجود درجة كبيرة من التوافق بين الرؤيتين الكويتية والإيرانية تجاه العراق. وهنا تجدر ملاحظة وجود رغبة مشتركة بين الجانبين الكويتي والإيراني في المحافظة على الأمن والاستقرار في المنطقة الأمر الذي أدركته الدبلوماسية الكويتية وسعت لاستغلاله من خلال تطوير العلاقات مع إيران بهدف اختبار مدى إمكانية انضوائها في مفهوم الأمن الخليجي الموحد. ب) العراق: يعد أسلوب التعامل على العراق أهم موضوعات السياسة الخارجية الكويتية. وقد شهد عام 2000 عدداً لا يستهان به من الاستفزازات العراقية من أهمها ما يلي: * الاستمرار في إنكار وجود أسرى كويتيين في الأراضي العراقية. * انتهاك المياه الإقليمية الكويتية في أكثر من مناسبة خاصة أثناء عمليات تهريب النفط والإدعاء أن الكويت هي من تنتهك المياه الإقليمية العراقية مع تقديم شكوى رسمية للأمم المتحدة في هذا الشأن. * الاتهامات الرسمية والإعلامية المتتالية حول مسئولية الكويت عن معاناة الشعب العراقي. * التهديدات العراقية المنطلقة بداية من ذكرى الغزو في الثاني من أغسطس 1990 وحتى الآن حول إمكانية إعادة الكر ة من جديد. * تنظيم مظاهرات لبدون عراقيين على الحدود العراقية ــ الكويتية. * الادعاء حول سرق الكويت للنفط العراقي والتهديد باستخدام القوة لإيقاف عمليات السرقة. وغير ذلك من الاستفزازات العراقية التي استلزمت تحركات من صانعي السياسة الخارجية للكويت وهو ما تم على ثلاثة محاور : الأول دوليا : من خلال تقديم مذكرات احتجاج رسمية للأمم المتحدة تطالبها بالتدخل لوقف التهديدات العراقية وانتهاك الحدود, مع تكثيف الاتصالات مع الدول الكبرى بمجلس الأمن لمناقشة هذا الأمر. والمحور الثاني : كان عربياً من خلال الجامعة العربية ومحاولة تفعيل دورها سواء في التوسط لإطلاق سراح الأسرى أو إجبار العراق على وقف تهديداته وذلك من خلال تقديم طلبات رسمية بهذا الشأن للأمين العام للجامعة العربية د. عصمت عبد المجيد. أما المحور الثالث : فتمثل في اتجاه المسئولين الكويتيين إلى استغلال المنابر الدولية والإقليمية وزياراتهم الرسمية وتصريحاتهم الإعلامية في تفنيد الادعاءات العراقية وحشد الدعم الدولي للحق الكويتي. وبصفة عامة يمكن القول أن الكويت قد نجحت هذا العام في إيضاح الاختلاف الكبير في توجهات وأدوات السياسة الخارجية الكويتية مقارنة بمثيلتها العراقية من حيث الالتزام بالقنوات الشرعية للاحتجاج والبعد عن التصعيد واللجوء إلى عرض الحقائق دون غيرها في الدفاع عن المواقف الوطنية. ثانياً: الدائرة العربية تكتسب الجهود الكويتية الخارجية في هذه الدائرة أهمية خاصة نظراً لوجود عدد من القضايا المحلية التي تستلزم تلك الجهود ومنها شرح موقف الكويت الحقيقي من قضية التضامن العربي ودعمها لعملية السلام إضافة إلى تعزيز العلاقات الثنائية بين الكويت والدول العربية بما يخدم المصالح الوطنية للطرفين. فعلى صعيد قضية التضامن العربي استطاعت الدبلوماسية الكويتية هذا العام إيضاح موقف الكويت تجاه حضور اجتماعات القمة العربية حتى بحضور الجانب العراقي الأمر الذي حاول العراق إثبات عكسه طوال الفترة الماضية. والأهم من ذلك هو اتجاه الكويت نحو تحسين علاقاتها بما كان يسمى بـ(دول الضد) لتدحض بهذا أي إدعاء حول وقوفها كحجر عثرة أمام عودة التضامن العربي. فقد جاءت السياسة الكويتية تجاه الأردن والسودان واليمن لتكون أبلغ دليل على رشادة السياسة الخارجية الكويتية التي تعظم المنافع العامة والمشتركة وتتجاوز أخطاء الماضي بهدف تحقيق مكاسب في الحاضر والمستقبل حيث شهدت العلاقات الكويتية ــ الأردنية تطوراً ملحوظاً نتيجة للمرونة التي أبداها الجانب الكويتي أثناء اجتماعات المؤتمر البرلماني الدولي الـ103 الذي أُقيم بالأردن من خلال الموافقة على تشكيل لجنة الأخوة البرلمانية بين مجلس النواب الأردني ومجلس الأمة الكويتي وتلى هذا توقيع اتفاقية تجنب الازدواج الضريبي بين البلدين بهدف تطوير العلاقات الاقتصادية بينهما, كما استقبلت الكويت في بداية شهر أغسطس الماضي وفد لجنة الأخوة البرلمانية الأردنية. ومن ناحية أخرى استقبلت الكويت رئيس مجلس النواب اليمني الشيخ عبدالله الأحمر في إبريل وكانت قد استقبلت قبلها الرئيس السوداني عمر البشير وذلك في فبراير حيث حصدت الكويت من الدولتين لأول مرة تأييداً واضحاً لمطالبها تجاه العراق فيما يخص الأسرى ووعداً باستغلال علاقتهما القوية بالحكومة العراقية في التوسط لإطلاق سراحهم. أما عن عملية السلام في الشرق الأوسط فقد كان أمير الكويت هو أول من أعلن موافقته على عقد قمة عربية طارئة لبحث الأوضاع المتصاعدة بالقدس وأرسل وزير الخارجية والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد ممثلاً لدولة الكويت لحضور اجتماعات القمة في أكتوبر الماضي, هذا بالإضافة إلى الدعم المادي الكبير الذي قدمه الأمير ومجلس الوزراء الكويتي للانتفاضة الفلسطينية. كما وجدت لبنان مساندة قوية من دولة الكويت أثناء تعرضها للهجمات الإسرائيلية في مارس حين سارع وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد إلى زيارتها مؤكداً دعم حكومته للشعب اللبناني في مواجهة إسرائيل. ولم يقتصر الأمر على الدعم المعنوي فقط إذ حرص أمير الكويت على تقديم الدعم المادي لإعادة إعمار ما دمرته الغارات الإسرائيلية, كما كان الشيخ صباح الأحمد هو صاحب الدعوة لإقامة مؤتمر وزراء الخارجية العرب في لبنان بهدف حشد وإبراز الدعم العربي للقضية. أما على صعيد العلاقات الثنائية بين الكويت والدول العربية فقد لوحظ هذا العام وجود تركيز كبير للدبلوماسية الكويتية على واحدة من أكبر الدول العربية مكانة وحضوراً وهي جمهورية مصر العربية وذلك انطلاقاً من اعتبارات ثلاثة : الأول : محورية الدور المصري في كافة القضايا ذات الاهتمام العربي المشترك وأهمها عملية السلام سواء على الجانب الفلسطيني أو اللبناني أو السوري. الثاني : الدور الأساسي الذي لعبته مصر عام 1991 حين تحركت جيوشها لطرد القوات العراقية من الكويت غير مكتفية بمبادرات التنديد أو المساومات السياسية وكذلك دورها الذي تمارسه الآن في إدارة الملف العراقي على المستوى العربي. أما الاعتبار الثالث فهو التقارب مع جمهورية مصر العربية يعد في أحد جوانبه مطلباً شعبياً نظراً لمتانة العلاقات على كافة المستويات بين الطرفين شعبياً ورسمياً واجتماعياً واقتصادياً وعلمياً. وانطلاقاً من هذا قام وزير الإعلام ــ آنذاك ـ د. سعد بن طفلة بزيارة رسمية إلى القاهرة استغرقت ثلاثة أيام وبعد أقل من شهر واحد قام وزير الخارجية والنائب الأول لرئيس مجلس الوزراء الشيخ صباح الأحمد بزيارة أخرى إلى القاهرة التقى خلالها بالرئيس مبارك بالإضافة إلى رئيس الوزراء ووزير الخارجية المصري, كما استقبلت الكويت وفد مجلس الشعب المصري برئاسة د. فتحي سرور في سبتمبر. وقد عكست تصريحات المسئولين في الجانب المصري خلال هذه الزيارة واللقاءات تفهماً كبيراً لقضايا الكويت وإعلاناً صريحاً عن رغبة مصرية في مزيد من الدعم للعلاقات الكويتية ـ المصرية في كافة المجالات. كما حصدت السياسة الخارجية الكويتية تجاه جمهورية مصر العربية العديد من المواقف المصرية الإيجابية على مدار العام فكانت الحكومة المصرية صاحبة أول رد فعل عربي على التهديدات العراقية في أغسطس حيث طالبت العراق بالتوقف عن إطلاق مثل هذه التهديدات والارتقاء بلغة الخطاب الإعلامي والرسمي, هذا بالإضافة إلى مطالبته الالتزام بالقرارات الدولية ذات الصلة بتحرير الكويت وفي مقدمتها الإفراج عن الأسرى والمرتهنين الكويتيين دون قيد أو شرط. ثالثاً: الدائرة الدولية توزعت جهود السياسة الخارجية لدولة الكويت في هذه الدائرة على مستويين المستوى الأول هو المشاركة في المحافل الدولية من خلال حضور كافة اجتماعات ومؤتمرات المنظمات الدولية التي تنتمي الكويت إليها فشاركت في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة طوال هذا العام وأيضاً في قمة الألفية التي عقدت في نيويورك في سبتمبر الماضي حيث مثل وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد دولته في هذه القمة, وإضافة إلى ذلك وانعكاساً لمبادئ الكويت الراسخة التي تهدف إلى السلام العالمي في ظل الالتزام بالتشريعات والمواثيق الدولية شاركت الدولة في مؤتمر الدول الأطراف في معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية الذي عقد في مايو الماضي, وقد كان المؤتمر فرصة جيدة كي يشرح مندوب الكويت وجهة النظر الكويتية حول أمن منطقة الخليج وما يواجهه من تحديات . أما المستوى الثاني ؛ فتمثل في اتجاه صانعي السياسة الخارجية نحو تعزيز العلاقات القائمة حالياً بين الكويت وعدداً من الدول الكبرى وقد لوحظ وجود تركيز كويتي على الدول الخمس دائمة العضوية بمجلس الأمن, وذلك كما يلي : * الصين .. قام الشيخ ناصر الصباح الأحمد المستشار الخاص لولي العهد ورئيس مجلس الوزراء بزيارة إلى بكين في نهاية شهر يونيو وذلك لتحقيق هدف أساسي وهو تفعيل المصالح الاقتصادية للكويت داخل هذه الدولة المهمة حيث كان مشروع الربط القاري ومسألة انتشار سكك حديد جديدة على رأس المشروعات التي طرحت أثناء الزيارة. * فرنسا .. قام وزير الدولة للشئون الخارجية سليمان ماجد الشاهين بزيارة إلى باريس في يناير الماضي, تلاها بعد عدة أشهر وبالتحديد في 16/9 زيارة أخرى لوزير النفط الشيخ سعود ناصر الصباح استمرت ثلاثة أيام وذلك لمناقشة أزمة النفط مع المسئولين الفرنسيين, كما استقبلت الكويت رئيس أركان القوات الفرنسية في زيارة رسمية له في فبراير الماضي. ويلاحظ أن العلاقات الفرنسية ــ الكويتية مبنية في شق كبير منها على الجانب الأمني حيث شاركت فرنسا في قوات التحالف التي أسهمت في تحرير الكويت في عام 1990 وعقدت بعد ذلك معاهدات أمنية مع الحكومة الكويتية التزمت من خلالها بضمان أمنها والمنطقة جميعاً. * بريطانيا .. تتميز العلاقات الكويتية-البريطانية بدرجة كبيرة من التعاون في مختلف المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية. ومن هنا جاء اهتمام السياسة الخارجية الكويتية بتعزيز هذه العلاقات طوال العام هذا العام حيث قام الشيخ سالم الصباح نائب رئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع بزيارة رسمية إلى لندن في إبريل الماضي على رأس وفد عسكري أجرى خلالها محادثات مع كبار المسئولين البريطانيين بهدف دعم العلاقات الثنائية ولاسيما في المجالات الدفاعية, وفي أكتوبر عقد وزير شئون الديوان الأميري الشيخ ناصر محمد الأحمد الصباح محادثات مهمة في لندن. وكانت الكويت قد استقبلت في فبراير وزير الدفاع البريطاني جيفري هين حيث تمت مناقشة القضايا المتعلقة بأمن الكويت ومنطقة الخليج بصفة عامة. وقد أثمرت جهود الدبلوماسية الكويتية تجاه بريطانيا عدداً من المواقف الداعمة للحق الكويتي في مختلف المواقف إذ أعلنت وزارة الدفاع البريطانية أكثر من مرة على مدار العام استمرار الالتزام البريطاني بأمن الكويت وذلك في مواجهة التهديدات العراقية المستمرة منذ أغسطس الماضي, الأمر الذي تمارسه القوات البريطانية فعلياً من خلال مراقبتها المستمرة حتى الآن على منطقتي الحظر الجوي في شمال وجنوب العراق بما يضمن عدم عودة العراق إلى استخدام القوة . كذلك وقفت لندن بجانب المطالبات الكويتية تجاه العراق داخل مجلس الأمن مؤيدة منح الكويت تعويضات ضخمة لما أصاب قطاعها النفطي من آثار تدمير جراء الغزو العراقي. * الولايات المتحدة الأمريكية .. شهد عام 2000 عددا من مظاهر التوتر في العلاقات الأمريكية-الكويتية وإن كان توتر لم يصل في أقصى حدوده إلى حد الأزمة بين البلدين وذلك أثر الخلاف حول أسعار النفط في مارس وما تلاه من استضافة الكويت المؤتمر الشعبي لمقاومة التطبيع مع إسرائيل وأيضاً عندما شنت الصحف الأمريكية هجوماً حاداً على التجربة الديمقراطية بالكويت في أعقاب رفض مجلس الأمة المرسوم الأميري الخاص بمنح المرأة الكويتية حقوقها السياسية. وعلى الرغم من مظاهر التوتر تلك احتفظت العلاقات الكويتية ــ الأمريكية بكافة آليات التعاون المميزة لها منذ حرب تحرير الكويت عام 1991 وذلك انطلاقاً من المصالح الاستراتيجية المتبادلة بين الطرفين ففي شهر يونيو قام الشيخ ناصر الصباح المستشار الخاص لولي العهد بزيارة إلى واشنطن ونيويورك حيث أجرى مباحثات مهمة مع كبار المسئولين في الإدارة الأمريكية, كما استقبلت الكويت في إبريل وزير الدفاع الأمريكي وليام كوهين وفي يونيو استقبلت هيئة أركان القوات الأمريكية المشتركة, هذا فضلاً عن استقبالها قائد القوات المركزية الأمريكية في نهاية فبراير. * روسيا .. تعد روسيا من الدول الكبرى في المجتمع الدولي نظراً لما تمتلكه من قوى مهمة سواء في المجال العسكري بما تحوزه من ترسانة أسلحة ضخمة ومتطورة أو في المجال السياسي بصفتها إحدى الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن, والأهم من ذلك هو العلاقة الوطيدة التي تربطها والعراق, لهذا كله مثلت موسكو مقصداً مهماً للسياسة الخارجية الكويتية طوال عام 2000 حيث قام وزير الدولة للشئون الخارجية سليمان ماجد الشاهين بعدة زيارات إلى روسيا كان أولها في يناير تلاها زيارة أخرى في شهر أغسطس بعدما أعلنت روسيا عن مبادرتها لرفع العقوبات عن العراق آنذاك ثم قام بزيارة أخرى أخيرة في الثامن من ديسمبر. كما اجتمع وزير الخارجية الشيخ صباح الأحمد ونظيره الروسي على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في منتصف سبتمبر أعلن خلالها عن تشكيل لجنة كويتية-روسية مشتركة تهدف إلى تعزيز التعاون بين البلدين في كافة المجالات. وقد أثمرت السياسة الخارجية الكويتية تجاه روسيا خلال عام 2000 عن عدد من النتائج الإيجابية بشأن قضايا الكويت. ففي قضية التعويضات نجحت الدبلوماسية الكويتية في إحداث تغيير ملموس في الموقف الروسي تجاه المطالبات الكويتية من خلال تقديم الوثائق والبراهين التي تدعم موقفها وذلك أثناء زيارة سليمان ماجد الشاهين لروسيا في الماضي الأمر الذي أدى إلى تمرير قرار الأمم المتحدة الخاص بإلزام العراق دفع تعويضات مما لحق بالقطاع النفطي الكويتي من خسائر دون معارضة من المندوب الروسي. وفي قضية الأسرى أكدت روسيا وقوفها إلى جانب الحق الكويتي ودعمها الكامل لمهمة منسق الأمم المتحدة لتسوية الأسرى يولي فورنتسوف. أما عن موقف روسيا تجاه رفض العراق تطبيق القرار 1284 وما يرتبط به من التزامات تجاه الكويت؛ فعلى الرغم من الملاحظات التي أبدتها روسيا على القرار وعدم تصويتها عليه فقد أصدرت الخارجية الروسية بياناً في ختام زيارة الشاهين أكدت فيه على أهمية تطبيق العراق للقرارات الدولية ذات الصلة بحرب تحرير الكويت وهو موقف تدعم بعد ذلك وظهر واضحاً في الخلاف القائم حالياً بين روسيا والعراق حيث تصر موسكو على ضرورة أن يسبق رفع العقوبات عن العراق تنفيذ الأخير التزاماته الدولية والسماح لفرق التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل بالدخول إلى أراضيه . تفعيل السياسة الخارجية الكويتية على الرغم من النجاحات التي حققتها السياسة الخارجية الكويتية على مدار عام ,2000 إلا أنه تظل هناك بعض الملاحظات التي يتعين على المسئولين دراستها بهدف تفعيل جهود الدولة على المستوى الخارجي سواء في الدائرة الخليجية أو العربية أو الدولية, ومن أهم هذه الملاحظات ما يلي: * في الدائرة الخليجية يلاحظ وجود تركيز كويتي على ممارسة نشاط فاعل داخل مجلس التعاون الخليجي وإن لم يقابله تركيز مماثل على تطوير العلاقات الثنائية مع كل دولة داخل المجلس اللهم سوى السعودية, ورغم أهمية دور الأخيرة في مساندة قضايا الكويت إلا أن الدول الخليجية الأخرى تستحق مزيدا من الاهتمام من قبل القائمين على صياغة السياسة الخارجية إذ لم تحظ سوى بزيارات محدودة للغاية طوال العام 2000 كانت أهمها زيارة وزير الإعلام السابق د.سعد بن طفلة إلى سلطنة عمان والإمارات في يناير. ويلاحظ من ناحية أخرى أن أسلوب تعامل الكويت مع انفتاح بعض الدول الخليجية على العراق هذا العام اقتصر على إعلان متكرر من المسئولين الكويتيين عن عدم معارضة مثل هذا الانفتاح باعتباره حق سيادي لأي دولة, في حين كان الأمر يستلزم الاتجاه نحو تطوير العلاقات مع هذه الدول بهدف إطلاعها على ممارسات العراق أو على الأقل محاولة استغلال واقع التقارب الجديد في خدمة مطالب الكويت إزاء العراق. ومن ناحية ثالثة وفي داخل إطار مجلس التعاون الخليجي نجد أن من مصلحة دولة الكويت إيجاد درجة أكبر من التنسيق بين دول المجلس حول السياسة الخارجية والأمن خاصة وأن معظم إنجازات المجلس تتمحور في المجالات الثقافية والاقتصادية ومجالات الأمن الداخلي الأمر الذي يتطلب من الكويت تفعيل جهودها لتحقيق مزيد من الاندماج والتنسيق بين الدول الخليجية بهدف خلق رؤية موحدة للقضايا الخارجية تصب في مصلحة كافة الدول الأعضاء. * على المستوى العربي نجد أن السياسة الخارجية الكويتية قد أغفلت الاهتمام بدول على قدر كبير من الأهمية بالنسبة للكويت من هذه الدول سوريا, حيث اقتصر الأمر على تقديم واجب العزاء في وفاة الرئيس السوري حافظ الأسد وذلك على الرغم من محورية الدور السوري على المستوى العربي وموقف القيادة السورية المشهود من الغزو العراقي للكويت الذي تعدى الدعم السياسي ليصل إلى مساعدة عسكرية مباشرة من خلال إعلان دمشق. من هنا تأتي أهمية صياغة سياسة جديدة إزاء التعاون مع سوريا يمكن من خلالها تطوير العلاقات الكويتية السورية بما يخدم المصالح الكويتية خاصة مع وجود الاتجاه السوري الجديد نحو التقارب مع العراق الناتج من عوامل اقتصادية بالأساس. ويلاحظ من ناحية أخرى ضعف اهتمام السياسة الخارجية الكويتية بمنطقة المغرب العربي في حين أن كافة دولها منتمية إلى منظمات دولية وإقليمية تستطيع من خلالها إيصال القضايا الكويتية. هذا فضلاً عن وجود مجتمع مدني قوي داخل هذه الدول يمكن استثماره في تفعيل القضايا الكويتية وخاصة قضية الأسرى بما تحمله من بعد إنساني. * أما فيما يخص الدائرة الدولية فتبرز على هذا الصعيد ملاحظة مهمة أوردها المحللون وهي أن معظم الزيارات الكويتية لدول مثل روسيا أو فرنسا كانت في الغالب رد فعل على زيارات أخرى قام بها مسئولون عراقيون لهذه الدول في وقت سابق فجاءت زيارتا ماجد الشاهين إلى روسيا في أغسطس ثم في ديسمبر رداً على زيارة وزير الخارجية العراقي سعيد الصحاف إلى موسكو قبل أيام من زيارة ماجد الشاهين. من هنا تأتي أهمية اتجاه السياسة الخارجية الكويتية للمبادرة بتخطيط الأهداف وتوقع المواقف من الدول الأخرى بما يجعلها قادرة على استباق الأحداث والاستعداد لها ومن ثم توجيه جهودها إلى الدول التي تخدم مصالحها. نفس الأمر بالنسبة لأسلوب التعامل مع العراق إذ نتج في هذا الخصوص ضرورة اتباع سلوك المبادرة وعدم انتظار السياسات العراقية حتى تصاغ سياسة كويتية أخرى تمثل ردود أفعال لما يقوم به العراق, وهنا يتعين صياغة رؤية شاملة لما تريده الكويت من الحكومة العراقية, ومن ثم تحديد الخطوات المناسبة للتحرك على هذه المستويات بما يحقق الأهداف الكويتية. وفي هذا الإطار تثور الحاجة لإيجاد درجة أكبر من التنسيق بين وزارتي الخارجية والإعلام بالكويت, فالإعلام أداة في غاية الأهمية في تحقيق أهداف الدولة على المستوى الخارجي خاصة إذا ما تم الإعداد الجيد له وتزويده بالمواقف والاتجاهات الرسمية للدولة. وفي النهاية يرى المحللون أن دولة الكويت تمتلك الإمكانات المادية والبشرية الكفؤة ما يتيح لها صياغة ومن ثم ممارسة سياسة خارجية أكثر فعالية وقدرة على الدفاع عن قضاياها المهمة في كافة دوائر السياسة الخارجية سواء الخليجية أو العربية أو الدولية.