الهجمات الجراحية والقنابل الذكية وجهت ضد المدنيين العراقيين خلال حرب الخليج ، 112 ألف طلعة دمرت 90% من محطات كهرباء العراق و80% من آبار نفطه انطلقت عملية (درع الصحراء), أي الهجوم الجوي لقوات التحالف الدولي, ضد العراق. مئات الصواريخ من كل الأنواع والأوزان وعشرات من الألوف من القنابل سقطت فوق الأراضي العراقية. وفي غضون سبعة أسابيع قامت القوات الجوية للتحالف الغربي بـ 112000 طلعة. كل مرافق العراق ومنشآته كانت أهدافا. وهكذا تم تدمير 90% من محطات توليد الكهرباء و80% من آبار النفط, بالاضافة إلى المصافي والمركبات الكيميائية والمصانع والمواقع العسكرية بكل ما فيها من مستودعات للذخيرة والأسلحة, والجسور والطرق وسكك الحديد والمقابر ومحطات تصفية المياه والمدن والمشافي والأسواق. كما قصفت (الهجمات الجراحية) و(الأسلحة الذكية) السكان المدنيين ونجم عن عمليات القصف تلوثا كبيرا للبيئة. وفي الوقت الذي رفعت قوات التحالف صيحات التحذير من استخدام العراق للأسلحة الكيماوية والبيولوجية قامت بعمليات قصف أدت إلى كارثة إنسانية وبيئية على المدى الطويل. وكان (وليم وبستر) مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية قد قدر ما يمتلكه العراق من عناصر كيماوية سامة موجودة في القنابل والقذائف وفي نموذجين من الصواريخ هما (فروج) و(سكود) بمئة ألف طن. وكانت بعض المصادر الغربية قد رأت في هذه العناصر الكيميائية السامة سببا في ظهور بعض أنواع (أعراض حرب الخليج). لكن هذه الفرضية تم رفضها من قبل اللجنة الرئاسية الأمريكية التي تم تكليفها في التحقيقات بهذه المسألة. وكانت وزارة الدفاع الأمريكية قد استخدمت, بمساعدة وكالة الاستخبارات كل السبل من أجل اعاقة سير العمل في اطار اللجان المختلفة التي انبثقت عن الكونجرس الأمريكي. وكان التقرير الذي أعده (جيمس ج. تويث) في مارس 1997 حول آثار قصف المواقع الصناعية أو العسكرية الكيميائية العراقية ذا أهمية خاصة. و(تويث) هو طبيب عسكري سابق في حرب فيتنام حيث كان قد أمضى 21 شهرا. وكان قد خدم بعد ذلك في أجهزة المصالح السرية الأمريكية كأخصائي في الجريمة والاستخبارات وتنسيق البحث العلمي وكمسئول عن الأمن الكيميائي في المختبرات. ترك الجيش بعد ذلك حيث كلفه السناتور (دونالد دبليو ريجل الابن) عام 1993 باعداد تقرير عن آثار الحرب على الصعيد الكيميائي. ولاحظ (تويث) وجود تشابه كبير بين أمراض الجنود وبين الأمراض التي أصيب بها مئات الأشخاص الذين كانوا يعملون لحساب الجيش الأمريكي في مركز (دوجواي) للتجارب بالقرب من مدينة (سالت لاك) حيث كان يقيم الباحث (ثويت). وكان قد قدم تقريرا تحذيريا إلى (الكونجرس) أخطر فيه النواب حول (السمة غير الناجعة لعقيدة الدفاع العسكري الأمريكي الكيميائي والبيولوجي). اختفاء غريب انتقد (جيمس ج. ثويت) في تقريره في 18 مارس 1997 الطريقة التي قامت فيها السلطات الأمريكية العليا بتزييف واخفاء المعلومات أو ما هو أخطر من هذا اخفاء ملفات أساسية من الأراشيف العسكرية ومن وزارة الصحة. ويقول (ثويت) بخصوص تدمير المركب العسكري العراقي في (الخميسية) بتاريخ 21 فبراير 1997 بان وزارة الدفاع الأمريكية كشفت حقيقة ان جهاز الاستخبارات المركزية الأمريكية (السي آي ايه) كانت لديه معلومات تفيد بأن الوحدات الأمريكية قد أخطرت قبل الهجوم البري بامكانية وجود أسلحة كيميائية في المركب. مع ذلك لم يتم نشر هذه المعلومات أو تعميمها على القطاعات التي كانت مكلفة باتمام عملية تدمير المركب بعد وقف اطلاق النار. وفي الوقت الذي أشارت فيه التقارير الرسمية بأن تلك القطاعات لم تجد أسلحة كيميائية أشار فريق المفتشين التابعين للأمم المتحدة الذي زار الموقع اعتبارا من شهر نوفمبر 1991 إلى وجود آثار لتلك الأسلحة. وفي مايو 1994 يشير (جيمس ثويت) إلى ان (أدوين دورن) أحد المسئولين في وزارة الدفاع الأمريكية, قد نفى أمام لجنة مجلس الشيوخ انه تم العثور على أية آثار للأسلحة الكيميائية والبيولوجية على مسرح العمليات الكويتي لكن مسئولا في وزارة الدفاع هو الدكتور (تيودور بروسيف) اعترف في اجابته على أسئلة وجهتها له اللجنة الرئاسية الأمريكية بـ (وجود بعض الذخائر الكيميائية في مناطق قريبة من المعسكرات الأمريكية). وكان لابد من الانتظار حتى شهر يونيو من عام 1996 كي تخبر وزارة الدفاع الأمريكية رسميا العاملين العسكريين والجمهور بوجود مثل تلك الذخائر والأسلحة. وكشف (جيمس ثويت) أيضا النقاب عن ان اللجنة الرئاسية الأمريكية ووزارة الدفاع أشارتا في شهر فبراير عام , 1997 أثناء الاستماع لهما بطلب من مجلس الشيوخ, إلى وجود تحقيق حول اختفاء أراشيف تخص الكشف عن مواد كيماوية واشعاعية وبيولوجية كما تخص التعرض لهذه المواد أثناء الحرب. ومن أجل تبرير اختفاء ما بين 164 صفحة و200 صفحة من الملف تم الزعم آنذاك بأن (فيروسا), قد (التهمها) وبأن المعلومات قد (اختفت وان أنظمة حمايتها وانقاذها لم تعمل في أجهزة الكمبيوتر في فلوريدا وماريلاند). هذا ما يعلق عليه (جيمس ثويت) بالقول: (ان ما لم يقله الرسميون في مساءلة مجلس الشيوخ لهم حول عمليات الاختفاء هو ان التقارير المعنية كانت موجودة في ابريل 1993 ثم اختفت بعد عدة أشهر). وهل كان محض الصدفة ان (لجنة مجلس الشيوخ للشئون العسكرية) قد ذكرت في الفترة نفسها عن امكانية تعرض عسكريين امريكيين لجرعات صغيرة من العناصر الكيميائية السامة أثناء الحرب. أما الصفحات الـ 36 التي لم (يلتهمها) الفيروس وتم العثور عليها من جديد في خريف 1993 فقد تم تصنيفها تحت تعبير (سري - دفاع): مما سمح للسلطات بكسب بعض الوقت. وعلى الرغم من صلاحية اللجان المكلفة بالتحقيق من قبل الكونجرس الاطلاع على الوثائق الأكثر سرية بما في ذلك الخاصة بهذه القضية, فإن الوثائق الخاصة بالصادرات الأمريكية ذات العلاقة بالبرنامج العراقي لانتاج العناصر الكيماوية والاشعاعية والبيولوجية الحربية فإن ملفاتها ظلت بعيدة المنال. يقول (ثويت): (من الواضح ان ما توفر لدينا من معلومات الآن يقدم البراهين على ان وزارة الدفاع الأمريكية قد تآمرت كي تخفي الحقيقة عن الكونجرس. وتشمل هذه المؤامرة اختفاء وثائق وتقديم معلومات مغلوطة, وغير كاملة للكونجرس, بما في ذلك شهادات زائفة تحت القسم). الرقابة على الأرصاد في تقرير يعود إلى 1993 يحمل اسم السناتور (دونالد دبليو ريجل), السناتور الديمقراطي عن ميتشيجان, جاء ان (الحكومة الأمريكية قد قامت بالرقابة على معطيات الأرصاد الجوية الخاصة بفترة الهجوم) مانعة بذلك الوصول إلى معلومة هي في غاية الأهمية, إذ انها ربما كانت تسمح مباشرة بتحديد اتجاه الرياح التي تحمل الجزيئات السامة وتحظر أيضا القوات المتمركزة على الأرض بطريقة فعالة. وقد أشارت مجموعة من الخبراء كانت تسيطر على موقع بترولي بنفس الفترة في الخليج إلى ان الرياح كانت تتجه من شمال ــ غرب نحو جنوب ــ شرق, أي في اتجاه المنطقة التي كانت توجد فيها قوات التحالف في الأراضي العراقية على طول الحدود بين العراق والمملكة العربية السعودية وفي جنوب الكويت. هكذا وفضلا عن تزوير الوثائق واختفائها وعن التصريحات الكاذبة واحتجاز المعلومات, يشجب (جيمس ج. ثويت) في تقريره أيضا, داعما رأيه بعدة شهادات, الضغوط التي تمت ممارستها على بعض الشهود من قبل لجنة التحقيق التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية, كما يشجب محاولات التضييق التي كان هو نفسه ضحية لها. وأبعد من هذا كله يبقى السؤال الأساسي الذي يطرحه (جيمس ج. ثويت) يتعلق بمعرفة عما إذا كان العسكريون والمدنيون في أرض المعركة قد تعرضوا, أو لم يتعرضوا, لعناصر كيميائية سامة وإذا كان مثل هذا التعرض هو السبب في الأمراض التي يتم الحديث عنها كثيرا. وقد أشار إلى ضرورة الوصول إلى نتائج تسمح بصياغة سياسة للوقاية والعلاج. يقول: (انني أقارن غالبا رد فعل الحكومة برد فعل الأفراد الذين يضيعون الوقت بالجدال أثناء وقوع حادث سير بينما هناك ركاب أو مشاة يعانون من نزيف دمهم). وعلى عكس التأكيدات التي ساقتها الحكومة الأمريكية حول تعرض الجنود الذين كانوا بالقرب من موقع (الخميسية) بعد الحرب وحدهم للعناصر السامة التي نجمت عن قصف المواقع العراقية, فإن (ثويت) يؤكد, مع الحجة والبرهان, ان تلك العناصر الكيميائية قد تواجدت في مناطق كان مئات الآلاف من جنود التحالف الدولي يتمركزون فيها خلال الفترة التي سبقت قيام الهجوم البري (عاصفة الصحراء). وقبل البدء بعمليات (درع الصحراء) وخلالها شهدت المنطقة منخفضا جويا مع وجود غيوم على ارتفاع منخفض فوق المناطق التي احتلتها القوات الدولية. وإذا كانت الخارطة الخاصة بالأرصاد الجوية ليوم 17 يناير 1991 ظلت مفقودة لدى المركز القومي الأمريكي للمعلومات المناخية, فإن (جيمس ثويت) درس الخرائط الخاصة بـ (الظروف الجوية أثناء حرب الخليج) والمنشورة من قبل القوات الجوية الأمريكية خلال عام 1992. كما ضمن تقريره الصور الجوية الخاصة بحالة الطقس التي كانت الأقمار الصناعية قد التقطتها. وسمح هذا كله له بالبرهان على ان غيوما من الجزيئات الصغيرة (الميكرو) ذات السمية قد خيمت على المناطق التي كانت قوات التحالف الدولي تحتلها. إن أنظمة الكشف والانذار الكيميائي التي أقامتها الجيوش الأمريكية والبريطانية والفرنسية والمعطيات التي جمعها المخبر التشيكي المتنقل للكشف تؤكد كلها النتائج التي وصل إليها تقرير (ثويت). يقول: (ان القوى الرئيسية الثلاث التي شاركت في حرب الخليج عام ,1991 أي الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا كانت تتوقع كلها استخدام الأسلحة الكيماوية من قبل الجيش العراقي لذلك زودت الحكومات جيوشها بترسانة من اجهزة الكشف والتعرف على هذه المواد واستخدم التشيكيون اعتدة سوفييتية بالاضافة الى مختبر كيميائي متنقل). ويقول تقرير (ثويت) بأنه خلال فترة 24 يناير ــ 28 فبراير (كان الاجراس الآلية لكشف العناصر السامة لم تتوقف عن القرع في القطاعات التي احتلتها القوات الامريكية وبقية قوات التحالف الدولي الاخرى) وقد اشار مسئولون من وزارة الدفاع الامريكية ادلوا بشهاداتهم امام مجلس الشيوخ الامريكي في 24 مايو 1994 بأن 14000 جرس انذار نصبها الجيش الامريكي قرعت بمعدل ثلاث مرات يومياً خلال الهجوم الجوي والبري وكانت تعليمات اصدرتها القيادة المركزية للعمليات في 23 يناير تشير الى عدم اخذ الانذارات التشيكية الخاصة بوجود عناصر كيماوية بالاعتبار. ونفت وزارة الدفاع الامريكية لفترة طويلة معرفتها بالانذارات التشيكية مع ذلك كتب الجنرال (شوارزكوف) قائد قوات التحالف الدولي في مذكراته عن الحرب حول انذار 19 يناير ما يلي: (لقد كشفت الوحدة التشيكية عن وجود 2% من مادة كيميائية سامة في الهواء عند الساعة الحادية عشرة وارتفعت تلك النسبة الى 3% عند الساعة الواحدة بعد الظهر, وفيما بعد اكد وزير الدفاع الامريكي صحة المعلومات التشيكية واعترفت وزارة الدفاع التشيكية من جهتها بأن عشرة افراد على الاقل من بين اعضاء فرقة الكشف الكيميائي الـ 185 يعانون من امراض شبيهة بتلك التي تخص اعراض حرب الخليج لكن اصرار وزارة الدفاع الامريكية على رفضها رفع تعليمات (سري ــ دفاع) عن ارشيف القيادة المركزية لقوات التحالف الخاصة بالجوانب النووية والبيولوجية والكيميائية انما قد حرم المحققين من معلومات ومعطيات ثمينة. الاعتراف بحالة واحدة اذا كانت النتائج التي توصل اليها (جيمس.ج.تويت) بتحقيقاته واضحة ودافعة فما تلك التي توصل اليها تقرير اللجنة الرئاسية الامريكية؟ يقول هذا التقرير: لم تعترف وزارة الدفاع الامريكية سوى بحالة واحدة للتعرض لعناصر كيميائية اثناء الحرب هي حالة العريف (فيشر) الذي تعرض لكمية ضئيلة من غاز الموتارد عندما دخل الى ملجأ عراقي وقد تم هذا التشخيص على اساس حروق طفيفة على ذراعيه بسبب التعرض لذلك الغاز كما اكدت الوزارة ايضاً الكشف عن عناصر سمية عصبية من قبل الوحدات التشيكية لكنها لم تحدد اية حالة معينة تعرض لها لكن وزارة الدفاع اكدت وجود عناصر سمية عصبية في الخميسية خلال مارس 1991 واختتمت اللجنة تقريرها بالقول بامكانية الظن بأن جنوداً شاركوا في عمليات تدمير وتنظيف المواقع العسكرية العراقية قد تعرضوا الى مستوى ما من العناصر السمية العصبية هذا دون الاشارة مع ذلك الى الاثار التي يمكن ان تترتب على ذلك على المدى الطويل وباستثناء حالة (فيشر) لا تشير وزارة الدفاع الى اية حالة تسمم بسبب التعرض لمواد كيميائية سامة في مسرح العمليات الذي كان تحت الرقابة الطبية لكن حسب ممثلي الهيئة الطبية للجيش الامريكي التي كانت مسئولة عن تدريب المعنيين بالحرب فيما يتعلق بعلامات واعراض التعرض للعناصر السامة فإنه لم تجر اية حالة تسمم. وقد وصف التقرير النهائي حول العلامات المباشرة واعراض التعرض لمواد سامة حربية بأنها تتمثل في (التهابات وطفح جلدي وتخرش في العيون ومشكلات تنفسية وهضمية) ويضيف: (تظهر الاعراض عامة بعد ساعات من التعرض) اما فيما يتعلق بالآثار على المدى الطويل فإن التقرير يرجع الى تجربة اجريت خلال الفترة الواقعة بين عام 1955 وعام 1975 على 1400 جندي امريكي تعرضوا عمداً لغازات حربية سامة وقد دلت نتيجة تلك التجربة على ان التعرض لجرعة ضئيلة جداً (لن يكون هناك اي خطر بالنسبة لصحة الانسان على المدى الطويل بشأن القدرات العقلية والاعصاب والكبد والانجاب) وانتهى ذلك التقرير الى القول بأن عمليات البحث لا تزال جارية ومستمرة في مراكز الابحاث حول البيئة في كل من (بوسطن) و(بورتلاند) وذلك لمعرفة اثار الغاز الحربية السامة التي تم البرهان على انه قد جرى استخدامها اثناء حرب الخليج الاخيرة. وفيما يخص تحديداً غاز الخردل فإن التقرير يعترف بآثاره على صحة الاشخاص الذين يتعرضون له حيث قد يصابون بأورام سرطانية في الجهاز التنفسي او على صعيد الجلد الذي قد يصاب ايضاً بتقرحات مزمنة وامراض مزمنة ايضاً في العيون وسرطانات الدم هذا كله بالاضافة الى اضطرابات بسيكولوجية خطيرة لكن مثل هذه الآثار تأتي احتمالاً بعد التعرض لفترات طويلة وليس لمجرد جرعات بسيطة ونقرأ في خاتمة التقرير ما يلي: (انه من غير المحتمل ان تكون الامراض التي وصفها المحاربون القدماء في حرب الخليج هي نتيجة للتعرض لغازات حربية سامة ولغاز الخردل.