يولد عشرات الالاف من الاجانب على أرض ألمانيا على مر السنين, وكان قانون الجنسية الجديد الذي بدأ سريانه في الاول من يناير عام 2000 نقطة تحول حيث أصبح بموجبه حوالي 50 ألف أجنبي ولدوا في ألمانيا مواطنين ألماناً تلقائيا, ورغم ذلك تحذر الأمم المتحدة من أن الألمان مهددون بالانقراض ما لم يزداد عدد القادمين من الأجانب! ورغم تطبيق قانون الحصول على الجنسية بالميلاد, إلا أن مسألة الاجانب في ألمانيا والتي تنطوي على الكثير من المشاعر هي مشكلة لم تحل بعد. وفي الوقت نفسه يندرج موضوعان معقدان هما الهجرة واللجوء في جدول أعمال كافة الدول الاعضاء في الاتحاد الاوربي. ويبقى دائما السؤال: هل ألمانيا بلد هجرة أم لا؟. ولمدة طويلة رأت معظم الاحزاب الالمانية أنه لا توجد ضرورة لاتخاذ أي خطوات. إلا أن حزب الخضر دعا إلى حل المشكلة, كما أن حزب الديمقراطيين الليبرالي يعتقد أن المشرّعين يجب أن يفعلوا شيئا. وبعد أن أثار المستشار الالماني جيرهارد شرويدر العام الماضي جدلا حول اقتراحه منح (البطاقة الخضراء) الخاصة بالاقامة وتصاريح عمل للمتخصصين في الكمبيوتر من الاجانب, تنازل الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي ينتمي إليه المستشار عن تحفظه. ثم تحول الحزب المسيحي الديمقراطي المعارض عن مواقفه القديمة, وبعد ذلك قام وزير الداخلية أوتو شيلي بتشكيل لجنة للهجرة برئاسة الرئيسة السابقة للبرلمان ريتا سوسموث من الحزب المسيحي الديمقراطي. وحددت للجنة مهلة حتى الصيف المقبل لتقديم مقترحات تتعلق بالاجراءات التي يتعين أن تتخذها ألمانيا بالنسبة للهجرة. ويعيش حوالي 3.7 ملايين أجنبي حاليا في ألمانيا مما يمثل تسعة في المائة تقريبا من عدد السكان. وكان يعيش ثلث هذا العدد تقريبا في البلاد منذ أكثر من عشرين سنة. وكثير منهم اندمج فعليا في المجتمع ويشارك بقدر لا يستهان به في الازدهار الاقتصادي في ألمانيا. إلا أن أية دعوات لمزيد من الهجرة تثير الخوف وتقابل بموقف رافض من جانب الكثيرين الذين تتدخل مشاعرهم الشخصية في النظرة إلى تدفق الاجانب على البلاد. والمهاجرون أنواع: فهناك طالبو اللجوء, والعمال الاجانب الذين يستقدمون أقرباءهم, والالمان الشرقيون الذين وصلوا بعد توحيد ألمانيا والهاربون من الحروب الاهلية في بلادهم. كما أن هناك جريمة منظمة تتمثل في إدخال أجانب سرا من أجل المال. والى جانب ذلك فان مواطني الاتحاد الاوروبي يتمتعون بميزة حرية التنقل داخل دول الاتحاد. وهناك جانب اقتصادي لقضية الاجانب لان فروعا كثيرة من الصناعة الالمانية تفتقر إلى اليد العاملة, ومسألة (البطاقة الخضراء) التي أثارها شرويدر تعكس هذه الحقيقة. والاحصاءات لا تؤيد مخاوف الالمان من دخول عدد كبير من الاجانب مجتمعهم. فقد بلغ عدد طالبي اللجوء ذروته سنة 1992 إذ بلغ عدد الطلبات 438 ألفا ثم هبط العدد كثيرا إلى أقل من 100 ألف في العام بعد تسوية سياسية بشأن الهجرة عام 1993. ولم تقبل ألمانيا النظر سوى في نسبة ضئيلة من هذه الطلبات. وتعد ألمانيا الدولة التاسعة في قائمة دول الاتحاد الاوروبي في عدد اللاجئين السياسيين. وبالاضافة إلى ذلك فان هناك عددا مماثلا من الاجانب ما بين أقرباء للاجانب ومواطنين وصلوا مؤخرا من أوروبا الشرقية. ويمكث لاجئو الحروب الاهلية مدة محدودة في البلاد. فعلى سبيل المثال وصل 345 ألف شخص من البوسنة والهرسك إلى ألمانيا عاد معظمهم إلى بلاده أو ذهب إلى بلاد أخرى. وتقول وزارة الداخلية أن بين سنتي 1985 و 1999 قدم 10.5 ملايين لاجئ إلى ألمانيا غادر منهم سبعة ملايين. ويرى علماء السكان أن هذه الارقام لا تكفي لاحداث توازن مع متوسط الاعمار المتزايد للسكان الالمان مما يؤدي إلى أخطار تهدد نظام التأمين الاجتماعي. وتفيد دراسة للامم المتحدة أن الالمان يواجهون خطر الانقراض ما لم يزداد عدد القادمين الاجانب, وينبغي أن يهاجر 324 ألف شخص إلى ألمانيا سنويا للحفاظ على ثبات الوضع السكاني في ألمانيا حتى عام 2050. وإذا تعين الحفاظ على التوازن بين القوة العاملة والمتقاعدين يجب أن يصل صافي عدد المهاجرين إلى 3.4 ملايين سنويا, وهو رقم يراه حتى المتفائلين غير واقعي لانه يجاوز قدرة البلاد على استيعاب المهاجرين. وتخلص الحسابات النموذجية إلى أن هذه الهجرة المرغوبة لاسباب اقتصادية يمكن أن تجاوز الحدود وان كانت ألمانيا قد اكتسبت خبرة كبيرة في التعامل مع القادمين الاجانب. فأولا كانت هناك مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية سنة 1945 وحتى سنة 1950 عندما تدفق ملايين من اللاجئين والمطرودين من أوروبا الشرقية إلى ألمانيا الغربية. ثم شهدت سنة 1960 قدوم ملايين من (العمال الضيوف) لتزويد ألمانيا بالقوة العاملة التي كانت في أمس الحاجة إليها من أجل استمرار دوران عجلة الاقتصاد في ألمانيا الغربية. وحتى إذا توصلت لجنة الهجرة في برلين الصيف المقبل إلى تسوية متزنة بشأن قدوم الاجانب إلى ألمانيا, فربما يتجاهل الاتحاد الاوروبي هذه الحسابات. وتقول مفوضية الاتحاد الاوربي في بروكسل أن الوقت مناسب ليصوغ الاتحاد قوانين موحدة للجوء والهجرة. د.ب.ا