شيء واحد يبدو مؤكدا بخصوص الرجل الذي سينتخبه الاسرائيليون رئيسا للوزراء الشهر المقبل هو ان هذا الرجل سيكون جنرالا سابقا بالجيش. فلأول مرة في 52 عاما هي تاريخ اسرائيل يكون كل من المرشحين الرئيسيين للمنصب وهما رئيس الوزراء ايهود باراك والزعيم اليميني ارييل شارون محاربين تحولاً الى سياسيين. وقد ينجح الجنرالات في اروقة السلطة في اماكن اخرى فكولن باول وزير الخارجية الامريكي الجديد كان من قبل رئيسا لهيئة الاركان المشتركة. لكن نادرا ما يكون حضور العسكريين كبيرا في الحياة العامة في اي من الدول الديمقراطية الغربية ان كان لهم حضور اصلا. اما في اسرائيل فالجنود القدامى لا يموتون ابدا بل يدخلون عالم السياسة. ويشق الجنرالات بعد ان يخلعوا بزاتهم العسكرية طريقهم في الحياة السياسية بشكل طبيعي في دولة يمثل الامن شغلها الشاغل. وكان عشرة من 15 قائدا للجيش على مدى هذا التاريخ نشطين سياسيا. وضمت الحكومات الاسرائيلية الكثير من الضباط من رتبة البريجادير جنرال والرتب الاعلى. واصبح اثنان من قادة الجيش السابقين هما الراحل اسحق رابين وايهود باراك (58 عاما) رئيسين للحكومة واصر كل منهما على تولي وزارة الدفاع الى جانب منصبه. ويصنف الجيش في استطلاعات الرأي على انه اكثر المؤسسات جدارة بالثقة في اسرائيل لاسيما خلال الانتفاضة الفلسطينية التي مضى عليها اربعة اشهر. ونظرا لان معظم الاسرائيليين يؤدون خدمة عسكرية الزامية ولان الجيش موجود في الاخبار بشكل دائم فان الجنرالات اسماء مشهورة وينجذبون الى العمل السياسي يسارا ويمينا. وينظر الى رجال الجيش الكبار على انهم بعيدون عن الفساد في دولة تمثل فيها السياسة لعبة قذرة. وهناك ثلاثة جنرالات سابقون في حكومة ايهود باراك هم امنون ليبكين شاحاك وبنيامين بن اليعازر وماتان فيلناي. واحدهم ينتمي الى حزب الوسط والاخران الى حزب العمل الذي يتزعمه باراك في يسار الوسط. ويرأس شارون (72 عاما) مهندس غزو لبنان عام 1982 والمتفوق على باراك في استطلاعات الرأي حزب ليكود اليميني. ويقول الجنرالات ان الجيش يعدهم لادارة الدولة. ويقضي كبار ضباط الجيش سنوات يطلعون خلالها وزراء الحكومة على اوضاع الامن ويجرون محادثات سلام مع العرب ويجرون مقابلات مع وسائل الاعلام. وهم يتصدون لقضايا ذات اهمية حاسمة ويرأسون ويديرون أكبر نظم للميزانية وأكثرها تعقيدا. ويكون كثيرون منهم ما زالوا شبانا عندما يتقاعدون ويدخلون ساحة العمل السياسي. ويستطيع قادة الجيش السابقون ان يقامروا على مستقبل سياسي اذ ما زال امامهم سنوات ولديهم خلفية اكاديمية قوية ورواتب تقاعد من الجيش كبيرة. ويشعرون من خلال احتكاكهم بالسياسيين لسنوات طويلة انهم قادرون على عمل ما يفعله السياسيون. وقال باراك في مقابلة مع رويترز عام 1998 بعد اشهر قليلة من توليه رئاسة حزب العمل (كنت اتحدث اثناء اجتماعات مجلس الوزراء وهكذا كان لديهم السياسيين احساس بأني استطيع السباحة دون خلل كبير بين هؤلاء القروش دون ان افقد احساسي بالاتجاه والثقة). وليس كل الاسرائيليين سعداء باستمرار الناخبين في انتخاب قادة جيش سابقين. وشكا زئيف تشافتس الكاتب في مجلة (جيروزالم ريبورت) من انهم احيانا ما يفتقرون الى المؤهلات اللازمة للعمل السياسي. وكتب تشافتس انه من بين 12 جنرالا سياسيا ذكرهم كان رابين وحده من اعد نفسه واصبح رئيس وزراء عظيما ولكن فقط بعد ولاية اولى فاشلة قبل 15 عاما وبعد جيل من الخبرة في الحياة المدنية. ويشكك شلومو افينيري استاذ العلوم السياسة اليساري صراحة في اخلاقية سعي باراك للتوصل لاتفاق للسلام خلال ما يقرب من ثمانية اسابيع منذ استقالته من رئاسة الحكومة التي فرضت الانتخابات. وقال افنيري لراديو اسرائيل شاكيا من ان هناك مخضرمين كثيرين في الشئون الامنية في حكومة باراك (ربما انه باراك شب في اطار لم تكن فيه الشرعية الديمقراطية ذات اهمية حيوية في اطار المراتب العسكرية). ولم يكن الانتقال سهلا بالنسبة لجميع الجنرالات الذين انتقلوا الى السياسة. فالعسكريون يحتاجون الى دعم قائد واحد للقيام بمهمة معينة لكن السياسيين يحتاجون ناخبين. ويتعين على الجنرالات السابقين ان يتكيفوا مع فكرة انهم قد لا ينجحون دائما في فرض ارائهم, ويعترف باراك نفسه بانه كان عليه ان يتعلم الكثير. وهو يصر على انه ليس سياسيا ويشير اداؤه السيء في استطلاعات الرأي على مدى اسابيع الى ان معظم الاسرائيليين يتفقون مع ذلك بل ودفع ذلك بعضهم الى محاولة اقناعه بالتخلي عن السباق وافساح السبيل لشمعون بيريز رئيس حزب العمل السابق ليحل محله في الانتخابات. وفي الجيش تعود باراك على اعطاء اوامر لتنفذ. ويقول انه وجد الحياة العسكرية (اكثر شفافية ووضوحا واقل خداعا) من السياسة. وجعلت قامته وابتسامته المميزة وشهرته بالانفراد بالقرار البعض يطلق عليه اسم نابليون. وكذلك يطلق المنتقدون على شارون ببنيته الضخمة ودوره في غزو لبنان عام 2891 (الجرافة) و(داعية الحرب). رويترز