كشف المحامي جيلعاد شير مدير مكتب ايهود باراك وأحد اللاعبين الأساسيين في مفاوضات طابا ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات كشف خلال مفاوضات (كامب ديفيد 2)، ما تم التوصل اليه سراً في ستوكهولم وأكد ان ما يجري من مفاوضات لن تتعدى نتائجه ما طرح في الكامب حول رفض التخلي عن الحرم القدسي ورفض عودة اللاجئين. وحذر شير في حوار مطول مع صحيفة (يديعوت احرونوت) العبرية نشرته أمس ونعرضه اليوم من انهيار إسرائيل كما البوسنة حال عدم التوصل إلى سلام مع الفلسطينيين. * جولة المباحثات في طابا تبدو سلفا كمحاولة مريضة لنفخ الروح في جثة عملية السلام الباردة فلماذا سافرتم اصلا؟ ــ لاسفي سنضطر لان نحصي الجثث في صفوف الشعبين اذا استسلمنا للانتقادات غير الموضوعية, ونريح انفسنا الان من الجهد ايضا حتى وان كانت جهودا محبطة. لدينا افكار جذرية وثابتة لم يتغير اي شيء عندنا. ولذلك لا توجه مسألة نجاح قمة طابا الينا, انا تعلمت بألا أتأثر بشكل مفرط من المؤشرات التي تلوح لدى الفلسطينيين, في بعض الاحيان يذكرني هذا بعلامات ظهور النفط التي كانوا يعلنون عن اكتشافها في صوت إسرائيل. من كل هذه العلامات كنا قد اوشكنا على التحول إلى دولة عظمى نفطية. وفي هذه المرة ايضا اذا لم نتوصل إلى اتفاق فاننا سنكون قد اوشكنا على الوصول إلى السلام. * ربما كان على باراك ان يقرب بيرني سلفا من عملية السلام؟ ــ انا اعتقد مع كل الاحترام ان قدرات وتجربة وفهم باراك وشلومو بن عامي وانا مجتمعة ــ اذا وضعت في كفة واحدة ووضعت قدرات بيرني في الكفة الثانية ــ فلست على قناعة ان كفة بيرني ستكون هي الراجحة. رئيس الحكومة يحمل المسئولية على كتفيه وانا لا اعتقد ان بيرني قد مال لمساعدته في التقارب النسبي والساعات الطويلة التي قضاها بيرني مع ياسر عرفات. بيرني هو انسان حافل بالحقوق ولكن رئيس الحكومة هو الذي يتوجب ان يتخذ القرار, وكل من يعطي النصيحة والمشورة فهو ينصحه ولا غير. الان تسير الامور بشكل غريب جدا, مثلا في اللقاء الذي جرى في غزة في الاسبوع الماضي جلسنا هناك في غرفة كبيرة في مقر الحكم العسكري سابقا وهو اليوم مقر ضيافة, وتبادلنا اطراف الحديث. كل واحد تحادث مع من جلس بجانبه. وبعد وجبة العشاء انفرد بيرني وعرفات للتحادث ونحن جلسنا حول طاولة وبدأنا في جلسة عمل. المشاركون كانوا ابو العلاء وصائب عريقات ومحمد دحلان وياسر عبدربه وشاحاك وشلومو بن عامي وجيدي جرينشتين وانا. قمنا باستعراض التقدم وتحدثنا عن تهدئة الشارع وكنا في ذروة المداولات في الثلث الأول من الجلسة, وفي هذه الاثناء عاد بيرني من لقائه مع عرفات ووقف على الباب راغبا في المغادرة لانه انهى ما يريده, وهذا الموقف كان محرجا جدا لنا وللطرف الآخر. فنحن لم نكن وفدا مرافقا له, طلبنا منه ان يجلس معنا فجلس عشر دقائق وبدأ مرة اخرى بالتحرك في مكانه من دون ارتياح. لقد كان التنصل والاستهانة بما نفعله هناك فظا وغير مؤدب بالمرة. ولكن لم يكن هناك مفر, وفي طريق العودة سمعنا في الاذاعة عن لقاء بيرني وعرفات. * يدعون ان باراك يركض ركضة يائسة ضد الزمن قضية السلام ومستعد للتخلص خلال ذلك من ثروات استراتيجية؟ ــ هذا تضليل رخيص أو انعدام فهم في مسألة ما هي الثروة الاستراتيجية, سيطرة دولة إسرائيل على شعب اجنبي هي عبء استراتيجي وليست ذخرا استراتيجيا, كلما اسرعنا وبكرنا في التخلص من هذا العبء بالاتفاق مع الحفاظ على مصالحنا الحيوية كلما كان ذلك أفضل لنا, هذه ليست ركضة يائسة. هذا سير ثابت بدأ من اليوم الأول لولاية باراك. * كيف حدث ان مشكلة اللاجئين التي كانت على الدوام خارج اجماع اليسار ظهرت باعتبارها قيمة عليا قوية جدا عند الفلسطينيين؟ ــ في قضية اللاجئين من الواضح ان موقف إسرائيل من اليمين المتطرف وحتى اليسار المتطرف موحد ولا يوجد فيه تفسخ, لن يكون من الناحية الفعلية اي حق عودة حقيقي لدولة إسرائيل, ليس هناك نموذج آخر لدولة تأسست بينما عاد لاجئوها لدولة اخرى. انا اعرف هذه ليست مسألة بسيطة للفلسطينيين لان احدا لن يتنازل عن قيمه العليا, وهذا هو العامل الاساسي الذي يوحد الشعب الفلسطيني, ولكن إسرائيل لا تستطيع ان تدخل اليها عوامل تهدد حقيقة وجودها كدولة يهودية. بالمناسبة كل هذه المسألة لم تهبط فجأة. لقد كان واضحام ان اللاجئين والقدس مسألتان مشحونتان وتحتويان على المثل العليا السامية وعلى المعتقدات. انا اعرف اننا لن نسمع عما قريب فلسطينيا يصرح بأنهم سيتنازلون عن مطلبهم ولكن هذا ليس مسألة عملية. انا افترض انهم سيقبلون في نهاية المطاف في ان يتشكل جهاز وآليات ويحصلون على تعويضات من صندوق مالي دولي ويمنحون خيار الانتقال لدول اخرى كانت قد أعلنت عن استعدادها لاستيعابهم في اراضيها مثل استراليا وكندا والنرويج وطبعا دولة فلسطين عندما تتشكل. * من قبل مشكلة اللاجئين كان طرح مشكلة القدس في كامب ديفيد هو الذي فجر المفاوضات؟ ــ قبل كامب ديفيد قالوا لنا: لماذا لا تضعون القدس على الطاولة, وبعدها قالوا: لماذا وضعتم القدس على الطاولة. على الدوام قلنا اننا سنطرح القدس عندما يحين الوقت, وقد حان في كامب ديفيد. * طرحتم ذلك رغم علمكم بأنه لا يوجد حل يستطيع الفلسطينيون قبوله؟ ــ أنا اسأل دائماً: فما هو الحل إذن؟ عدم التفاوض؟ انا لا اقبل هذا الحل, كامب ديفيد كان المرة الأولى التي قشر فيها وهم شعارات عدم تقسيم القدس, مجرد استعداده لدراسة هذه الافكار كان من وجهة نظرنا ضربة للوعي, حتى عندنا نحن أعضاء الطاقم. وخلال كامب ديفيد فقط بدأنا نفكر بطريقة مغايرة. حتى ذلك الحين سرنا جميعا مع شعار الايام الستة حول عدم تقسيم القدس وفجأة جاء باراك مع فكرة انشاء منطقة تشمل بلديتين ونحن عشنا هذا التغيير معه, وهذه ليست بالمسألة السهلة. * متى اعطى باراك للمرة الأولى حسب تصورك الضوء الاخضر للتفاوض حول امكانية تقسيم القدس؟ ــ في كامب ديفيد جلسنا على الشرفة في جناحه في ساعات الظهيرة, كان كل اعضاء الطاقم هناك, وقام باراك بتفصيل استعداده للتفاوض حول افكار عميقة في هذه المسألة إلى عدة عناصر. هذه اللحظة كانت صعبة جدا على الياكيم روبنشتاين ودان مريدور. ولي ايضا لم تكن بالمسألة الهينة. وانا لست اتعامل من منطلق اي توجه يساري كما يميلون للاعتقاد وانما من خلال منطلق متزن جدا مغروس بجذور عميقة جدا في هذه الارض. من ناحية والدتي المنحدرة من عائلة مزراحي اعتبر انا الجيل السابع عشر في البلاد. حيث قدموا إلى البلدة القديمة في القدس بعد طردهم من اسبانيا في عام 1516, وبيتهم في البلدة القديمة موجود على حدود حارة الارمن والحي اليهودي وانتقل من جيل إلى جيل ومن اب إلى ابنه. الأول الذي اشترى هذا البيت الذي لم يعد ملكا لنا اليوم طبعا قرر انه يحظر بيعه ابدا. هذا مثبت في وصيته لانه اراد ان يعود له عندما يبعث الموتى. من ناحية والدي فقد كان جدي ابراهام شير احد القتلى الاوائل من الهاجاناة في حرب عام 1947 في القسطل. وهكذا ترين ان القدس بالنسبة لي مسألة شخصية جدا ومشحونة جدا. انا آتي للمفاوضات مع هذه الجذور وايضا مع خلفية امنية معينة كقائد لواء في المدرعات, ومن خلال تصور ورؤية تقوم على ذلك وانا مؤمن كبير بالعملية السياسية كخيار وحيد لحل الصراعات القومية بين الشعوب. واعتقد ان من الخطأ ايضا من وجهة نظرنا ومن وجهة نظر الفلسطينيين النظر طوال الوقت إلى ما سنتنازل عنه بدلا من النظر إلى ما سيحدث بعد ان نتجاوز الجدار الذي يفصل بيننا وبين السلام. ولذلك في كامب ديفيد بعد عدة لحظات من الغوص عميقا ادركت مدى شجاعة باراك والحاجة للالتصاق برؤيته, انه قادنا جميعا بالتأكيد إلى الانطلاق الفكري. * انطلاق فكري ولكن ليس حلاً بناء؟ ــ هناك شتى الاقتراحات حول كيفية حل مشكلة القدس. الجزء الاصعب والمشحون هو الحوض المقدس جبل الزيتون وجبل صهيون وحائط المبكى والبلدة القديمة طبعا وجبل الهيكل (اي الحرم). الجزء الاقل صعوبة هو المدينة خارج الاسوار. الحل الذي يبدو منطقيا هو حل المدينتين اللتين تعيشان بجانب بعضهما البعض. كلينتون ايضا قال ان القاعدة يجب ان تكون ان كل ما هو عربي يذهب لفلسطين وكل ما هو يهودي يذهب لإسرائيل. * هناك اماكن متعارضة؟ ــ في هذه الحالة يتم ايجاد حلول هندسية. مثلا ان يكون لاحد الطرفين تواصل اقليمي جغرافي بينما يكون للطرف الآخر تواصل في المواصلات, هناك طرق شتى وهناك توجد طريقة تقول ان تكون المدينة مفتوحة وغير مقسمة يسميها الاسرائيليون اورشليم بينما يسميها العرب القدس, وتتم ادارتها من خلال التقاسم الوظيفي. أنا اعتقد ان المدينة يجب ان تحصل على مكانة خاصة وان تتشكل فيها شتى المقرات الدولية المشتركة لكل العالم ذلك لانه من الواضح اننا لن نتنازل أبدا عن ارتباطنا بجبل الهيكل والفلسطينيون لن يتنازلوا عن اماكن هامة لهم ولا منطق في ان الإنسان الذي يسير في شارع الملك داود او طريق الآلام يجد ان قدمه اليسرى تكون تحت سيادة معينة بينما قدمه اليمنى تحت سيادة اخرى. وعدا عن ذلك ماذا عن الارمن؟ أين يقعون؟ هناك حاجة لنظام خاص مع قوة بوليسية خاصة وانظمة واحدة وخاصة, وقد لا تكون هناك حاجة لادخال السلاح إلى هناك. ولكن اذا عدنا لقضية كامب ديفيد فبالامكان القول ان شخصين ادارا الامور في كامب ديفيد وهما باراك وعرفات, احدهما فعل ما هو في خير شعبه, والثاني ماهو في غير مصلحة شعبه. ورغم كل المؤشرات تبين هناك ان عرفات في الواقع ليس مستعدا لقبول المسئولية التاريخية في الانتقال من حركة وطنية إلى دولة, عرفات كان هناك رفضويا كل الوقت وقد اعجبه فجأة ان يكون محمولا على ظهر النزعة الخلاصية الدينية, وكل التفاهمات التي توصلنا اليها في السويد مع ابو العلاء وحسن عصفور لم يكن لها اي تأثير. عندنا كل تعهد من اي ممثل مهما كانت مرتبته يعتبر مثل موقف لرئيس الحكومة. اما عندهم فبامكان عرفات ان يقول لا حتى اذا وقع على التعهدات كبار المسئولين, في كامب ديفيد كانت الاجواء صعبة جدا وثارت الخواطر جدا. سمعنا هناك ومن الفلسطينيين ان جبل الهيكل ليس مسألة قائمة في اليهودية بالمرة وانه اختراع ابتدعناه من اجل القمة, وعندئذ احضرنا قاموسا من مكتبة الرئيس من اكسفورد حول المواقع الدينية وتحت كلمة جبل الهيكل وجدنا صفحة ونصف عن اليهودية من دون ذكر أي شيء عن الإسلام. * هل تعتقد ان بوش سيبذل نفس الجهود التي بذلها كلينتون؟ ــ بشكل عام اعتقد ان الولايات المتحدة ستكون بنفس الالتزام لدولة إسرائيل ولكن يبدو لي انه سيكون للإدارة الجديدة جدول اعمال آخر. ــ في الاسبوع الاخير قبل طابا عدتم للقاءات المتوترة مع عريقات ودحلان؟ ــ في اللقاء الاخير في تل ابيب كانت هناك نبرة عالية, خلال اللقاء تسرب للغرفة نبأ حول الفتى اوفير راحوم الذي قتل في رام الله وفي الجلسة يصعب جدا التغلب على مثل هذه الامور. وكان هناك مرة اخرى سلوك الطرف الآخر السلبي. قلنا لهم: (لن نعرض الخرائط حتى تظهروا لنا خرائطكم. نحن نريد ان نعرف ما الذي تقولونه مرة واحدة في قضية حق العودة لانكم تعرفون انه لن يكون هناك حق عودة), الفلسطينيون اغتاظوا ونحن كذلك. واضفنا (انتم تقولون لكل العالم ولنا انكم تريدون المفاوضات, ولكن في كل مرة يصل فيها الأمر للتفاصيل تعودون إلى المواقف السابقة). انا لم اتنازل عن الامل واعتقد انه في نهاية المطاف في وقت ما ستكون الرزمة التي بدأت تلوح في كامب ديفيد هي نفس الرزمة التي سنصل اليها في نهاية النزاع لان العناصر لن تتغير. لذلك انا احث نفسي كل الوقت على ان نكون موجهين نحو الحل وليس نحو العدل. وانا اقول اننا اذا لم نستنفد العملية السياسية فاننا سنسير في مسار الانهيار بسبب التناقضات الداخلية والتفسخات الداخلية, علينا ان نجتمع حول مصالحنا وليس حول السيطرة على شعب آخر. شاهدنا في العقد الأخير في البوسنة كيف حولت الديمجرافيا والدين الحياة إلى جحيم والدولة إلى مسألة غير موجودة يجب ان نرنوا للسلام وان نكون على استعداد لدفع ثمن ذلك, ذلك لانه سيعيد نفسه بفوائد عالية وباهظة. صنع السلام مصلحة حيوية, باراك وصف الأمر على هذا النحو ذات مرة: (كل واحد يستطيع ان يعتبر هذه الهضبة مصلحة حيوية قومية وكذلك الحال مع هذه الحرب ولكن المصلحة الحيوية حقا هي الأمر الذي يوجد لدي استعداداً للموت دونه, وانا على استعداد ان يموت اولادي واولادك حتى من اجله). * وانت هل يوجد لديك استعداد للموت من اجل ذلك؟ ــ بالتأكيد نعم.