يعلق الثلج بألواح السقف الخشبية المحترقة للمصنع العسكري القديم في هاديتشي, وينزلق عن أشجار التنوب, التي نجت من قصف طائرات حلف الناتو في 1995. وعليك أن تشق طريقك عبر الشارع مرورا بهذه الخرائب المشئومة لاكتشاف السر الرهيب لبلدة هاديتشي. وإلى جانب طريق مكسو بالأعشاب لسكة الحديد وعربة شحن مهجورة, يجثم منحدر عشبي مغطى بالثلج الرمادي المسرطن تبرز من ثناياه قطع مستديرة من المعدة. وطوال خمسة أعوام ونصف العام ــ كانت فيها متجاهلة وغير محددة بعلامات معينة ولم يتم فحصها أبدا من قبل الآلاف من قوات الناتو المرابطة في البوسنة ــ فإن هذه الأكوم من ذخائر اليورانيوم المنضب الفارغة ظلت مطروحة في هذه المنطقة يمر بها عمال مصنع قريب بلا وقاية كل يوم. وعلى الرغم من جميع التحذيرات من كل الأدلة المتوفرة من العراق عن مصرع الألوف من جراء اللوكيميا والأمراض السرطانية الأخرى في المناطق التي شهدت القصف بذخائر اليورانيوم المنضب, وعلى الرغم من انفجار الأمراض السرطانية التي تنتشر الآن في أوساط العرب الذين عاشوا في هاديتشي أثناء الغارات التي شنها الناتو في عام 1995, الا ان هذه القذائف من اليورانيوم المنضب من عيار 30 ميلليمترا تركت بجوار الشارع في الوضعية التي كانت عليها تماما عندما قام أحد عمال المصنع بازالتها من المباني المدمرة قبل أكثر من خمسة أعوام. وتتكوم هذه القذائف بالقرب من بناية غير مدمرة تستخدمها الآن شركة (موميكس), لصناعة الآثاث المنزلي. وفي احدى بنايات المصنع والتي باتت الآن هيكلا مهمشا, كان ديوكو زالينوفتش يعمل مع عشرة زملاء آخرين من الصرب عندما أصابت قذيفة يورانيوم منضب جانبا من الحائط في عام 1995, حيث حطمته على رؤوسهم جميعهم نجوا من القصف, ولكنهم ماتوا عن آخرهم في أوقات لاحقة بمرض السرطان. انه مكان آمن على نحو خادع. فحتى الأنابيب المعدنية تبدو بريئة بما فيه الكفاية في الثلج. آرديل تشومير, كان أحد العاملين المسلمين الأوائل الذين دخلوا إلى كراج تصليح السيارات العسكرية القديم بعد مغادرة الصرب, ولم يتم ابلاغه أبدا بالحقيقة عن الشظايا الرمادية من الذخائر الانبوبية الملقاة على الأرضيات الاسمنتية للمصنع. ويقول تشومير: (اعتدنا أن نركلها ونلعب كرة القدم بها. وأخذ أحدنا بعض القذائف إلى البيت, وقام بطلائها. ثم قام بكنس الباقي إلى خارج خرائب المصنع, ومنها إلى المنحدر العشبي). انه المكان الذي كانت القذائف فيه, مؤخرا, عندما ظهرت وحدة من قوات الناتو ــ كانوا ألمان من وحدة اس - فور ــ في مصنع موميكس تحمل معدات للكشف عن الاشعاع وأعلامها بيضاء صغيرة. وهذا ما يفسر وجود شريط أبيض الآن على طول الحافة الثلجية ملصق به أربعة أعلام. وعلى كل علم مكتوب كلمة (ذرة). ويقول تشومير: (لم يخبرنا أحد عن مخاطر هذه الذخيرة. ولم نفكر أبدا بأي شيء عنها. ولم نعرف بأن أعدادا كبيرة من الصرب الذين كانوا يعيشون هنا في فترة القصف قد ماتوا بمرض السرطان, لقد سمعنا في الأخبار عن أمراض السرطان في العراق, لكننا لم نسمع سوى في الأيام الأخيرة بأن هذه القنابل استخدمت هنا أيضا. قضى الجنود الألمان بعض الوقت, مؤخرا في فحص الطرق المحيطة بمجمع المصنع العسكري القديم المحيط ببيوت مدنية. كانت هذه بيوت الصرب الـ 5.000 من سكان هاديتشي الذين رحلوا إلى براتوناتش بعد القصف الذي نفذه الناتو, وهؤلاء مات منهم 300 شخص على الأقل من أمراض سرطانية غامضة. بل ان عددا من الناجين حملوا معهم أجزاء من ذخائر اليورانيوم المنضب إلى منازلهم الجديدة. داركو راديتش, على سبيل المثال, لديه رأس حربي طلقة ذخيرة أنبوبية مشابهة للذخائر الفارغة التي رأيتها في موقع المصنع. ولقد قضت والدته نحبها بورم دماغي, بينما مات والده بالسرطان. وبالطبع, تظل الأسئلة المعتادة بلا جواب. لماذا انتظر الناتو خمسة أعوام ونصف لكي يضع علامة على هذه الرقعة الصغيرة الكئيبة من الأرض في مصنع بلدة هاديتشي؟ لماذا لم يزعج نفسه بالبحث عن العائلات القروية التي مزقتها الأمراض السرطانية التي لحقتها إلى المنفى على ضفاف نهر درينا؟ لماذا لم يخبر أحد العمال المسلمين بمنطقة الخطر هذه إلا قبل أيام فقط؟ إذا كان اليورانيوم المنضب بهذه الخطورة فلماذا لم ينصب الناتو تلك الأعلام البيضاء التي تحمل كلمة (ذرة) في عام 1996؟ وإذا كان اليوانيوم المنضب غير مؤذ, كما لا يزال الناتو يزعم على نحو مثير للاشمئزاز, فلماذا إذن أقدم, مؤخرا, وعلى نحو مفاجئ على وضع تلك الأعلام التحذيرية؟ يقول أولئك الذين كانوا قريبين من مواقع القصف ان رائحة كريهة انبعثت من شظايا الذخيرة في أعقاب الانفجارات. أما في هاديتشي, فهناك اليوم نوع آخر من الرائحة منتشر حول كومة الشظايا المعدنية الرمادية اللون. بقلم: روبرت فيسك ، ترجمة: ضرار عمير ، عن (اندبندنت)