الملف السياسي: في الستينيات, العصر الذهبي للسينما, وبين أحضان سيطرة الدولة على الانتاج, ووسط مجموعة كبيرة من المخرجين العمالقة أمثال كمال الشيخ وصلاح أبو سيف ويوسف شاهين وغيرهم, تلمست أولى خطواتي على درب السينما وقدمت فيلما مبتكرا هو (زوجتي والكلب) والذي كان مبتكرا في شكله ومضمونه وتمردت من خلاله على كل تقاليد السينما. وبعده قدمت سلسلة أفلامي التي شكلت علامة في تاريخ السينما المصرية ومنها: (الخوف, والمذنبون, ثرثرة فوق النيل, الكرنك, أريد حلا, المغتصبون, المرأة والساطور) وكلها بلا استثناء أثارت جدلا شديدا حولها لدرجة جعلتني من أكثر المخرجين تعرضا للهجوم, ولعل السبب الوحيد في هذا الهجوم هو الجرأة التي أتناول بها كل أو معظم موضوعاتي, وهذه الجرأة لم تأت من فراغ بل وراءها ميراث طويل من عشقي الكبير لهذا البلد الذي أعيش فيه, وكرهي الشديد أيضا لكل ما يمكن أن يمسها بسوء. وعندما غامرت في فيلمي الأول (زوجتي والكلب) وأنا أسميه مغامرة لأنه كان أول خطوة تجديد في السينما المصرية أثرت جدلا واسعا على المستوى العام لدى الجماهير وأيضا على مستوى النقد الفني, فالفيلم لم يكن تقليديا فهو لا يحمل حدوتة عادية مثل حواديت سينما الأربعينيات والخمسينيات, بل اعتمد على فكرة مثيرة تناقش مشكلة الخيانة الزوجية, وقد لعب الجنس فيه دورا مهما وربما تكون جرأة الفكرة وكذلك جرأة تناولها قد سببتا نوعا من الصدمة للجميع, وبرغم هذا نجح نجاحا كبيرا واحتفى به الجميع, بل اعتبروه وقتها ثورة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان. وباستمرار مسيرتي بعد الفيلم الأول ازدادت جرأتي أكثر وأكثر, وقدمت فيلم (الخوف) وكان يناقش فكرة جادة عن مشكلة المهجرين بعد نكسة 1967 وما عانوه من تمزق وتشتت, وكان كسابقه يحمل كل عناصر الابتكار الى أن وصلت الى فيلم (المذنبون) وهذا الفيلم بالتحديد بلغ الجدال حوله أقصى حد يمكن تصوره فقد كان مأخوذا عن قصة قصيرة للأديب الكبير نجيب محفوظ والذي قدم من خلالها نموذجين فاسدين في المجتمع, ولكنني طورتها وأضفت اليها نماذج أخرى كلها واقعية ومستمدة من المجتمع مثل شخصية الناظر والفنانة ومدير الجمعية التعاونية الذي رأيته مرارا وتكرارا بجوار مكتبي القديم وشاهدت كل ما كان يحدث في موقع عمله, بل كان هناك واقعه حضرتها بنفسي في إحدى السهرات الفنية التي قلما أحضرها, ففي هذه السهرة اصطدمت بوجود مجموعة كبيرة من علية القوم والمثقفين ورجال السياسة والأدب وقد وضعت جزءا منها داخل الفيلم بكل ما حدث فيها من متناقضات وفوجئت بأحد الكتاب المرموقين آنذاك والذي رحل عن عالمنا منذ سنوات يتصل بي ليعاتبني على تلك الصورة التي جسدتها سينمائيا فذكرته بأنه كان حاضرا ويجلس الى جواري فلم يتمكن من الرفض أو التنصل, وبعدها جاءت المفاجأة الثانية عندما تبرأ الكاتب نجيب محفوظ من الفيلم وقال ان قصته الأصلية قدمت نموذجين بعد الثورة وأنني حولتها الى مجموعة من الأشخاص المعاصرين للثورة, ولكن الصحافة ناصرتني ووقفت الى جواري ففي تلك المرحلة كان النقاد على أعلى مستوى ويدافعون عن وجهات النظر الحقيقية التي يؤمنون بها, وحتى الرقابة وافقت على الفيلم وكانت نتيجة هذه الموافقة تحويل 15 شخصا للتحقيق لأنهم أجازوا هذا العمل شديد الجرأة وبعدها زادت الفتن والمؤامرات ضدي , لكنني لم أستسلم فالجرأة تصل بالفنان في النهاية الى احترام الجمهور لما يقدمه, والجمهور ليس غبيا كما يتصور البعض بل هو في قمة الذكاء والوعي وحسن الادراك ويستوعب الفن الجيد طالما أنه يقدم بصدق وواقعية وبأسلوب مبتكر. وقبل فيلم (المذنبون) قدمت فيلما أحبه وأفخر به وهو (أريد حلا) عن قصة للكاتبة الصحفية حسن شاه فهذا الفيلم كان سببا في تغيير قانون الأحوال الشخصية الذي حاربت من أجل تعديله فقد بدأت حياتي دارسا للقانون وكان في كليتي أستاذ لمادة الشريعة الاسلامية , وكنا على خلاف دائم حول نظرة المجتمع للمرأة الى درجة أنه كان يطردني من محاضرته بمجرد دخوله من الباب, وقد تسببت باصراري على رأيي في فصلي من الكلية ثلاث مرات وهذا يعني فصلا نهائيا لا رجعة فيه, وعندما تعرضت لقصة (أريد حلا) قدمتها بتفاصيل (فظيعة) أثارت غضب المجتمع كله ولكنها كانت تفاصيل حقيقية نابعة من قانون قاصر وغير قادر على حماية المرأة ومنحها حقوقها, ونجح الفيلم نجاحا مدويا وحصل على تسع جوائز فقد تضافرت له كل عناصر النجاح من قصة جيدة واداء تمثيلي رائع للنجمة فاتن حمامة والنجم الراحل رشدي أباظة وكل الممثلين الذين شاركوا في العمل. وقد قدمت هذا الفيلم والمرأة تشغل حيزا كبيرا من تفكيري, فأنا أكبر نصير لها ولقضاياها, فهي الزوجة والأم والأخت والابنة, وهي أيضا كيان يجب أن يفرض احترامه على الجميع وكل الشرائع السماوية تحترم المرأة وتعطيها حقوقها في الوقت الذي يسلبها فيه المجتمع هذه الحقوق. وهذه الرؤية تتضح في كثير من أفلامي, ففي (المذنبون) مثلا قدمت المرأة الساقطة وكان هدفي ادانة كل من يحاول تشويه صورة المرأة المصرية التي أحبها واحترمها بقدر حبي لمصر واحترامي لها. ومثال آخر قدمته في (المرأة والساطور) الذي أوضحت من خلاله أن قتل الزوجة لزوجها لا يمكن أن يكون ظاهرة اجتماعية, فالمرأة لا تفعل ذلك ولا تصل الى حد القتل إلا اذا كان لديها سبب مهم وقهري والدليل على كلامي أن معظم المشاهدين تعاطفوا مع الزوجة القاتلة وعاتبوني لأنني في النهاية أصدرت عليها حكما بالسجن لمدة 15 سنة, وهذه معادلة فنية في منتهى الصعوبة, أن يناصر المشاهد بطل الفيلم حتى ولو كان مرتكبا لجريمة من أبشع الجرائم, ثم لماذا يجب أن تكون المرأة مستكينة دائما أو مغلوبة على أمرها, إن هذا ضد العدل وضد معطيات الحياة, فالمرأة عندما تتعرض للقهر يجب أن تدافع عن نفسها وترفع عن كاهلها الظلم فهذا أبسط حق من حقوقها. والحقيقة أن المرأة ليست هي القضية الوحيدة التي أناقشها في أفلامي, ولكن أي فكرة تثير بداخلي التحدي والرغبة في التصدي لها سواء كانت فكرة سياسية أو انسانية أو اجتماعية أقدمها في أفلامي, والاحساس بأي موضوع يدفع الفنان للتفاعل معه وتقديره وتقديمه بشكل صادق, والناس برغم كل الاتهامات التي توجه لهم بأنهم سلبيون يريدون الجرأة من الفنان ويريدون الصدق أيضا, ولا أعلم لماذا ينتابني دائما احساس بأن هذا الشعب مقهور وليس لديه القدرة على أن يتكلم ويعبر عن رأيه, لهذا يبقى الفن هو المتنفس الوحيد أمامه, ومنذ بدأت عملي بالسينما وحتى اليوم أبحث عن المشاكل التي تتعب الناس سواء من الدولة أو أي شخصيات تمارس القهر عليهم فأنا أرفض الفساد ومن واجب كل فنان أن يناقشه ويتحدث عنه, فالسينما أداة لبتر أمراض المجتمع وليست مجرد متعة أو تسلية أو تغييب للعقل, لهذا يبقى لها قوتها وأثرها على تغيير المجتمع وتعديل مسار أفكاره ومعتقداته, وأذكر أن كل الشخصيات التي قدمتها في فيلم (المذنبون) تم القبض عليهم في العام نفسه وهذا أكبر دليل على الأثر الذي يمكن أن تحدثه السينما, صحيح أننا كمبدعين لا نملك حلولا لكل المشاكل بل لا يجب أن نطرح هذه الحلول فنحن ننبه لوجود المشكلة ثم نترك للمجتمع حرية اتخاذ قراراته. بعد فيلم (المذنبون) اختلفت موضوعات أفلامي لأن العصر نفسه اختلف ولم تعد هناك أفكار وقضايا مهمة يمكن اثارتها ومناقشتها بنفس الأسلوب الذي كان متاحا في بدايتي الأولى, لهذا بقيت فترة بدون عمل خاصة بعد حصولي على جائزة النقاد العالميين عن (المذنبون) والتي دفعتني للتفكير في صنع أفلام عالمية وبالفعل كتبت سيناريو فيلم (القربان) عن مذبحة دير ياسين واتفقت مع منتج فلسطيني على تنفيذه واتصلنا بالنجمة العالمية (فانيسيا ريد جريف) والتي وافقت على المشاركة في بطولة الفيلم وسافرت الى بيروت وسط الحرب الأهلية لأبدأ العمل وتم رصد ميزانية ضخمة له بلغت 16 مليون دولار, وتحمس مجموعة كبيرة من النقاد لمناصرة التجربة بل أذكر أن الكاتب الراحل (فوميل لبيب) أعطاني كتابا ألفه طبيب أجنبي حضر المجزرة بنفسه لأستعين به, ثم فجأة وقعت مجزرة صابرا وشاتيلا فغطت على المذبحة السابقة لها, وتوقف المنتج عن استكمال المشروع فتأثرت تأثرا شديدا وأصابني الاحباط لما يقرب من خمس سنوات كاملة الى أن قررت خوض تجربة الاخراج في مجال الفيديو وقدمت مسلسلين هما (ابن سينا) و(صقر قريش) وقد نجح هذان المسلسلان في ازالة الاحباط الذي أصبت به نتيجة توقف مشروعي العالمي. عدت الى السينما بفيلم أعتبره من أهم الأفلام في حياتي وهو (انقاذ ما يمكن انقاذه) الذي ناقشت فيه بذور مشكلة التطرف الديني والتي بدأت بمصرع الشيخ الذهبي وذلك للتنبيه الى ما يمكن أن يحدث, ورغم الهجوم الذي تعرض له الفيلم إلا أنني لم أغير مساري إرضاء لرأي أحد, فقد تعودت دائما أن أدافع عن وجهة نظري باستماتة حتى ولو كانت مخالفة للآخرين.