الملف السياسي: في رسالته التي وجهها الى الرئيس الامريكي الجديد (بوش) الابن والتي نشرتها الـ (واشنطن بوست) بقول آخر رؤساء انعاش الاتحاد السوفييتي ميخائيل جورباتشوف: (أليس مدهشا ان نزع الاسلحة قطع اشواطا خلال المرحلة الاخيرة من الحرب الباردة اكبر من الاشواط التي قطعها بعد نهايتها؟ أو ليس ذلك بسبب عجز قيادة الولايات المتحدة الامريكية عن التكيف مع الحقيقة الاوروبية الجديدة, اذ ان اوروبا الآن لاعب جديد ومستقل وقوي في المشهد العالمي, وسيكون من الخطأ الاستمرار في اعتبارها شريكا صغيرا. ولعل هذه التبلورات الجديدة للدور الاوروبي على الساحة العالمية هي التي جعلت مجلس المخابرات الوطني يقوم تحت رعاية وكالة المخابرات المركزية الامريكية بنشر تقرير في شهر ديسمبر الماضي تحت عنوان: (توجهات عالمية 2015: حوار عن المستقبل مع خبراء غير حكوميين) وهو تقدير يتناول القضايا التي ستحدد مسارات العالم خلال الـ 15 سنة المقبلة, وهو ما يذكرنا بتحولات السلطة (لالفين توفلر). غير ان اللافت للانتباه ان الولايات المتحدة الامريكية بأخطائها الفادحة عملت على تسريع وتيرة الدواليب المضادة لها عالميا تماما كما عملت اخطاء السياسة الاسرائيلية الاستعمارية بفضائحها الامنية (فضائح الموساد) وسوء تقديراتها للصراع على تفجير الاوضاع ضدها بما ادانها باجماع عالمي. ولعل آخر فضائح السياسة الامريكية كانت حول اكتشاف الاوروبيين ان العسكرية الامريكية قد استعملت قذائف تحتوي في تركيبة تصنيعها على مادة اليورانيوم المخفف الكثافة او المستنفذ كما يقول البعض وهو الامر الذي ادى الى اصابة جنود اوروبيين من قوات الناتور مشاركين في حرب البلقان وقبلها في حرب الخليج بسرطان الدم. وفي محاولة لوضع اليد على ما يمكن ان تفرزه هذه الازمة من النتائج يمكن ان نقول: ان تفاقم هذه الازمة بين الاوروبيين والامريكان سيعزر الموقف الاوروبي في الانسلاخ من عباءة الناتو التي تهيمن عليها امريكا وبالتالي احداث هيئة دفاعية اوروبية في حدود الاتحاد الذي استطاع توحيد العملة (اليورو) وتكشف وثيقة سرية نشرتها الـ (صنداي تايمز) عن ان القوات الامريكية اطلقت خلال حرب الخليج (5) آلاف قذيفة مدفعية, وهو الامر الذي يعني ان (50) ألف رطل من اليورانيوم المشع قد تخلفت اما في الهواء او في اتربة ميادين المعارك. ولئن كانت المحاولات الاوروبية السابقة للخروج من الناتو لا تعدو ان تكون محاولات سياسية فإن الذي يحدث اليوم هو امر آخر غير ذلك البتة, فقد اهتزت بنية (الناتو) من الداخل ففي اثينا اعلن الناطق باسم وزارة الدفاع اليونانية اندرياس سوربيس ان (140) جنديا يونانيا من الوحدة اليونانية العاملة في اورسيفاتش (كوسوفو) والبالغ عدد عناصرها (1500) طلبوا اعادتهم الى اليونان بعد سماعهم خبر اخطار اليورانيوم المستنفد المستعمل في حرب البلقان. كما تحدثت الانباء عن هلع كبير اصاب مئات الجنود الآخرين بين مختلف الجنسيات في الناتو الامر الذي سيلعب دورا كبيرا في حالات احباط وكراهية للعبة الامريكية سيتعرض لها الجنود الاوروبيون بل والامريكيون ايضا. كما ان الشارع الاوروبي يكون الآن قد دخل المضمار ففي البرتغال مثلا تظاهر مئات المواطنين مطالبين الحكومة بسحب القوات البرتغالية من البوسنة وكوسوفو بسبب الاصابات التي ظهرت بين الجنود, وقد ذكرت شبكة (سي إن إن) (C.N.N) ان هذه الاحتجاجات المتذمرة قد انتشرت في جميع انحاء اوروبا. وهذا كله سيعطي دعما للسياسي الاوروبي في قضية الخروج من الناتو لتكوين هيئة دفاعية اوروبية مشتركة. ونحن نقول هذا لأن السياسة الاوروبية تجد نفسها امام غياب مبررات الانسحاب من حلف الاطلسي محرجة امام امريكا وهذا لا ينفي طبعا ان المشروع يطبخ منذ سنوات, بل عقود في المطبخ الاوروبي على نار هادئة. ففي محادثات (هلسنكي) في النصف الاول من شهر ديسمبر 1999 طغت مسألة القوة الدفاعية الاوروبية, على جدول الاعمال, كما ان الموضوع ذاته كان محورا بارزا في لقاءات القادة الاوروبيين ومن ذلك لقاء (جاك شيراك) (بما سيمو داليما) وبتاريخ الخميس 11/3/1999م نشرت بعض الصحف خبرا تحت عنوان: (واشنطن تحذر الاتحاد الاوروبي من تأسيس قوة دفاعية بعيدا عن الاطلسي) وجاء في تفصيل الخبر ان مساعد وزيرة الخارجية الامريكية (ستروب تالبوت) كان قد حذر من تأسيس قوة دفاعية اوروبية مشتركة بعيدا عن حلف الاطلسي لأن ذلك قد يؤدي الى انقطاع العلاقات الدفاعية بين امريكا وأوروبا. وقال تالبوت في ندوة نظمها معهد دراسات الشئون الدفاعية في لندن: (ان هذه البدعة تحمل في طياتها مخاطر والتزامات) وحذر تالبوت قائلا: ان ذلك سيؤدي الى قطع العلاقات بين (امننا وامنكم) هذا رغم ان (توني بلير) ووزيره للدفاع (جورج روبرتسون) كانا اكدا ان المبادرة لا تعني ازدواجية في مهام الناتو وقد كان اجتماع جاك شيراك ورئيس وزرائه ليونيل جوسبان برئيس الوزراء البريطاني توني بلير في بداية شهر ديسمبر 999_م في (10 داوننج ستريت) بحضور وزراء دفاع وخارجية البلدين وكبار المسئولين الدفاعيين دعما للتوجه الامني الموحد الذي تسير نحوه المجموعة الاوروبية, والذي كان من مظاهره الاولية التوقيع الثنائي بين بريطانيا وفرنسا على اتفاق يعزز تعاون البلدين في مجال الدعم (اللوجستي) والنقل وهما المجالان اللذان تعتمد فيهما اوروبا على الولايات المتحدة الامريكية. ومحاولات اوروبا الانسلاخ من الناتو ليست وليدة اليوم وقد بدأت منذ 1961م اي منذ التغير الحادث في المفاهيم الاستراتيجية لأمريكا, ومحاولاتها اقناع حليفاتها بأن تقوي من قواتها التقليدية, واعتمادها استراتيجية (مرونة الرد) وكانت تلك بداية التململ الاوروبي من امريكا في اطار الناتو. وفي نهاية 1978م كان الاستقصاء الذي اجراه معهد (لويس هاريس) الفرنسي حول موقف الرأي العام من مسألة (الدفاع المشترك الاوروبي) يفضح ويبرز هذا التململ وكان السؤال المعتمد في الاستقصاء كالاتي: هل انت موافق ام معارض لان يتوج بناء اوروبا بدفاع موحد؟ وكانت النتائج كالآتي: 57% موافق و11% معارض و26% امتناع عن ابداء الرأي ورغم ان صحيفة (الاكسبريس) قد حاولت في ذلك الوقت ان تميع النتائج باعتبارها النسبة, الكبرى من الموافقين هي من الشيوعيين إلا ان القضية لم تكن كذلك ابدا. ويمكن لمطالع كتاب (الأمنية الاوروبية او الدفاع المشترك المفقود) لـ (اندريه بريجو) و(دومينيك دافيد) ان يضع يده على حقيقة قدم الفكرة الاوروبية للاستقلال باطار دفاعي مشترك. ولكن امريكا بقيت تثير المشاكل امام كل مبادرة اذ ليس من مصلحتها ان ينسحب الاوروبيون من الحلف الاطلسي اذ ان وجودهم معها يعطيها شرعية في عمليات التطويع العسكرية التي تقوم بها في العالم بين الحين والآخر, كما ان اوروبا تقدم اكثر من نصف الانفاق الدفاعي للحلف وفي خطاب قديم القاه ادموند موسكي وزير الخارجية الامريكي امام نادي (الكومنولث) في كاليفورنيا ومجلس الشئون العالمية في سان فرانسيسكو في 8/8/1980 جاء ما يلي: شركاؤنا يقدمون تقريبا نصف الانفاق الدفاعي للحلف الاطلسي ونحو 60% من قواته المسلحة ونحو 75 % من دباباته واكثر من 90% من فرقه المدرعة. لذلك فقد جاءت فضيحة اليورانيوم المستنفد لتدفع بالحلم الاوروبي الى الامام وان تخرج الشارع للضغط على السياسيين لسحب ابنائه (الجنود) من حلف الناتو وهو امر سيعطي الساسة الاوروبيين مبررا قويا في مواجهة امريكا, تماما كذلك المبرر الذي وضعته انتفاضة الاقصى في يد المفاوض الفلسطيني في مواجهة التعنت الاسرائيلي فهل يعمل اليورانيوم المستنفد على تفجير الناتو واصابته بسرطان التفكك, وهل تكون هذه الفضيحة القطرة التي تفيض الكأس وترسم نهاية حلف ما عاد له من مبرر بعد سقوط حلف وارسو؟ وقبل ذلك هل ستعزز معنويات جنود الناتو تلك المقولة الاخيرة (الناتو يقتل ابناءه ايضا كما يقتل اعداءه)؟