الملف السياسي: خام اليورانيوم الطبيعي هو خليط من نظير اليورانيوم 238 بنسبة 28 .99%, ونظير اليورانيوم 235 بنسبة 714 .0%, ثم نظير اليورانيوم 235 فيه إلى 3-4% إذا أريد استخدامه كوقود نووي للمفاعلات، ومحطات القوى النووى, أو إلى 80-90%. إذا كان المطلوب استخدامه في تصنيع قنبلة أو رأس نووية انشطارية, ويتم ذلك باستخدام طرق الانتشار الغازي أو الطرد المركزي, أو الطريقة الديناميكية, أو بواسطة أشعة الليزر. وعندما يتم فصل نظير اليورانيوم 235 بعد إثراء الخام به, يتبقي ما يسمي علميا باليورانيوم المستنفد, والذي يتميز بطاقته الإشعاعية المنخفضة. أما بعد استخدام اليورانيوم المثري كوقود نووي في المفاعلات, تعالج مخلفاته لفصل ما بها من بقايا نظير اليورانيوم ,235 أو البلوتونيوم 239 الذي تكون في المفاعل, ومن نواتج انشطار بعض النوى المشعة الأخرى, وتتمم هذه العملية بمعالجة الوقود المستنفد. وتهيء النفايات المشعة للتخزين أو للدفن, بينما يستفاد باليورانيوم المستنفد DU بعد معالجة في تصنيع أنواع مختلفة من الذخائر الحربية بسبب ثقله نتيجة أن كثافته تبلغ 2.5 ضعف كثافة الصلب, ومن ثم تزداد قدرة هذه الذخائر على اختراق الدروع والمنشآت الدفاعية والأهداف الحيوية المدنية كمحطات الطاقة والمصانع الحربية والكيميائية. وباختصار فقد ابتكرت قذائف اليورانيوم المستنفد للتخلص من جزء كبير من نفايات المفاعلات النووية, واستغلاله في إنتاج ذخائر عالية التدمير ضد مدرعات العدو ومنشآته الدفاعية بغض النظر عن المخاطر الاشعاعية والسمية لهذه الذخائر التي تجعلها ضمن الأسلحة اللانسانية وبالغة الضرر بالعسكريين والمدنيين على حد سواء في مناطق العمليات. وقد كان السبق للأمريكيين في استخدام اليورانيوم المستنفد في تصنيع الذخائر, فكانوا أول من يعلم مخاطر استخدامها. الآثار الاشعاعية والسمية لليورانيوم المستنفد عندما تطلق قذائف اليورانيوم على أهدافها, فإن الانفجار وحرارة الاصطدام يؤديان إلى انصهار جزء من اليورانيوم المستنفد, وتوليد غبار أبيض اللون له تأثيرات إشعاعية, وسمية بالغة الخطورة إذا لوث الجروح أو دخل إلى الجهاز التنفسي أو الهضمي للإنسان. ويؤدي استشناق رماد أوغبار اليورانيوم المستنفد إلى تأثيرات فسيولوجية خطيرة منها ترجيح الإصابة بسرطان الرئة أو سرطان الغدد الليمفاوية, وأحيانا سرطان الدم (اللوكيميا ), أو سرطان العظام ثم سرطان المخ. وبسبب وصوله إلى الجهاز الهضمي يتلف الكبد تدريجيا, إلى جانب بعض الأعراض الشهيرة لمرض الخليج, أو عوارض البلقان من تكرار حالات الغثيان والقيء أو الطفح الجلدي أو الاضطرابات العصبية. ويؤدي غاز أكسيد اليورانيوم إلى تلويث الأرض والمحاصيل الزراعية مما دعا المعمل القومي في لوي ألاموس في ولاية نيومكسيكو الأمريكية إلى التحذير في تقريره عام 1991 من مخاطر استخدام قذائف اليورانيوم على البيئة. كذلك تضمنت تعليمات قيادة حلف شمال الاطلسي لقواتها في البلقان ضرورة تجنب استنشاق غبار القذائف أو ابتلاعه عند انفجارها أو بعده, إلى جانب الحذر من لمس بقاياها أو الأهداف التي ضربت بها بالأيدي العارية. وأصدر كبير أطباء الجيش الأمريكي عام 1993 تعليمات طبية للقوات حذر فيها من استنشاق الجنود لأتربة ذخائر اليورانيوم المستنفد بسبب مخاطر الاشعاع والسمية الكيماوية واحتمالات اضرارها بالكبد والكليتين. وكان رئيس أركان القوات الايطالية صريحا في تأكيده لخطورة استنشاق الغبار الناتج عن انفجار قذائف وقنابل اليورانيوم المستنفد, وما يؤدي إليه من إصابات شبه مؤكدة بأمراض العظام والدم والرئة. اليورانيوم المستنفد في حرب الخليج الثانية استخدام الأمريكيون والبريطانيون ذخائر اليورانيوم المستنفد بكثافة غير مسبوقة وبصورة لم تتكرر مرة أخرى عالميا, خلال عاصفة الصحراء ضد العراق عام 1991 وبخاصة في الحملة الجوية التي استمرت 38 يوما بين 17 يناير, 23 فبراير من ذلك العام. وتجاوزت أرقام الذخائر المستخدمة أكثر من مئة ألف من مقذوفات طائرات الهجوم الأرضي 10-A عيار 30 ملليمترا, وستة آلاف دبابة من عيار 105 ملليمترات, 120 ملليمترا, وبضعة آلاف من قنابل الطائرات ومقذوفات المدفعية الصاروخية بإجمالي (900) تسعمائة طن من ذخائر اليورانيوم المستنفد!!! ويشير تقرير معهد السياسات البيئية التابع لوزارة الدفاع الأمريكية, والصادر في أبريل 1995 إلى أن هذه الذخائر قد أدت إلى تكوين نحو ثلاثمئة طن من العيار المختلط بدقائق مشعة أو محددة السمية, وقد انتشر هذا الغبار في جنوب العراق واحتمالا في مناطق كويتية وسعودية مجاورة للحدود المشتركة مع الجمهورية العراقية. وواقع الأمر أن هذا الغبار قد انتشر بالفعل في أجزاء عديدة في جنوب العراق الشقيق, وبخاصة في الأراضي الزراعية قي قطاع البصرة, ومن المرجح أنه قد انتشر في أجزاء من شبه الجزيرة العربية وبوجه خاص في الكويت وحفر الباطن. ومن المعلوم أن نسبة الاصابة بسرطان الدم في أوروبا لا تتجاوز (50) في المليون, بينما ارتفعت نسبة الاصابة بالسرطان في جنوب العراق إلى 4 في الأف منذ عاصفة الصحراء عام ,1991 وهي زيادة مذهلة في معدل الاصابة بهذا المرض اللعين, وهو الأمر الذي دعا كلاوس توفر المدير التنفيذي لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة في جنيف للمطالبة بتحقيق دولي تباشره الأمم المتحدة ذاتها عن استخدام قذائف اليورانيوم المستنفد في حرب الخليج الثانية عام 1991 . إن العراق لا يتجرع مرارة الحصار الخانق وحدها, بل هناك حاليا 130 ألف إصابة بالسرطان في جنوب العراق وحده, ولا نعرف على وجه التحديد حجم الاصابات بهذا المرض في شمال العراق الذي تعرض في عملية ثعلب الصحراء في ديسمبر 1998 للقصف بذخائر اليورانيوم المستنفد. وشملت قائمة ضحايا هذه الذخائر في حرب الخليج الثانية عددا كبيرا من جنود التحالف متعدد الجنسيات. وأنا أصدق ما أعلنه شون رولنجز رئيس جمعية المحاربين القدماء البريطانية من أن أعراض مرض الخليج قد ظهرت واضحة على أربعمائة جندي بريطاني وزهاء عشرة آلاف جندي أمريكي منذ عام 1992 وحتى الآن, وتشمل الطفح الجلدي, وضيق التنفس, والاضطرابات الهضمية والعصبية. وقدر شون رولنجز أن 521 جنديا من قدامى محاربي الخليج عام 1991 قد توفوا منذ انتهاء تلك الحرب, وأن أكثر من خمسة آلاف منهم يعانون من أمراض خطيرة في مقدمتها سرطان الدم. اليورانيوم المستنفد في حروب البلقان اختصت الولايات المتحدة وبريطانيا شعب العراق وجيشه بتسعمائة طن من ذخائر اليورانيوم المستنفد, ولكن رأفتهما بدويلات يوغوسلافيا القديمة أدت إلى الاكتفاء بقصف كوسوفو والبوسنة ببضع عشرات من أطنان اليورانيوم مراعات لصلات القربى بأوروبا بعد انتهاء الحرب الباردة الثانية. وشهدت البوسنة والهرسك عامي ,94 1995إطلاق عشرة آلاف دانة ومقذوف على ثلاثمائة جرام من اليورانيوم المستنفد, واستخدمت بضعة آلاف من دانات الدبابات إرامز الأمريكية, وتشالينجر البريطانية وشمل القصف نحو (112) موقعا في جنوب وغرب إقليم كوسوفو وقرب الحدود مع ألمانيا, وقد بدأ الأمريكان بالفعل تعليم هذه المواقع. لكن حروب البلقان أشعلت الضجة حول اليورانيوم المستنفد بعد أن سقط عشرون من جنود خمس دول صرعى سرطان الدم من إيطاليا وبلجيكا واسبانيا والبرتغال وجمهورية التشيك. وكان الاحتجاج الإيطالي عالي النبرة بعد أن اكتشف الإيطاليون أن أغلب الطلعات الجوية التي ضربت البوسنة والهرسك في المدة من أغسطس 1994 إلى سبتمبر 1995 بواسطة سرب 10 -A (مكون من 12 طائرة) قد خرجت من قاعدة ( أفيانو) العسكرية في شمال إيطاليا, ولم تعلم الحكومة الإيطالية شيئا عن حمولاتها من مقذوفات وقنابل اليورانيوم المستنفد, والتي شملت (10086) طلقة للدافع 30 ملليمترا, وعشرات من قنابل الطائرات. ولم تبلغ وزارة الدفاع الإيطالية رسميا من قيادة حلف شمال الأطلسي باستخدام هذه المقذوفات والقنابل إلا في 21 ديسمبر الماضي, أي منذ شهر واحد بسرطان الدم من بين جنود القوة الإيطالية التي شاركت في معارك البوسنة عام 94/1995 وبدا هذا التصرف لا أخلاقيا بعد أن كان المتحدث الرسمي باسم قوات حلف الناتو في البوسنة قد نفى استخدام هذه الذخائر في الغارات الجوية ضد البوسنة في تصريح رسمي له عام 1997!!! وقد بلغت حدة رد الفعل الأمريكي على الاحتجاجات الإيطالية أن واشنطن قد أغلقت سفارتها في روما بصفة مؤقته وهو اجراء مسبوق في علاقات الأمريكان بدول أوروبا الغربية. إسرائيل واليورانيوم المستنفد نشطت الولايات المتحدة منذ أواخر السبعينيات في تسويق ذخائر اليورانيوم المستنفد التي تنتجها في مصانع أووكريدج, وبورتسموت, وباعتها إلى عشر دول حليفة لواشنطن ومنها إسرائيل وتركيا واليونان. ويلفت النظر أن اليونان قد استخدمت هذه القذائف في مناوراتها في بحر إيجه عدة مرات خلال عقد التسعينيات. أما إسرائيل فقد فضلت أن تستخدم هذه القذائف ضد أهداف حية في جنوب لبنان, وقد ظهرت بالفعل حالات متعددة للإصابة بسرطان الدم وسرطان الثدي في الجنوب. ومع أن قيادة قوة الطوارئ الدولية العاملة في المنطقة قد تسرعت بنفي علمها باستخدام قذائف اليورانيوم المستنفد ضد المقاومة الوطنية في جنوب لبنان ومدن الساحل بوجه خاص, إلا أن ستيفان مستورا الممثل الشخصي للسكرتير العام للأمم المتحدة في الجنوب اللبناني قد أبدى تأييده لفتح تحقيق دولي حول استخدام هذه القذائف ضد الشعب اللبناني, وبخاصة بعد ارتفاع نسبة الاصابة بسرطان الدم إلى ثلاثة أضعاف معدلها المألوف في السنوات الأربع الماضية. ومع أن ايهود باراك يدعي أن قذائف اليورانيوم المستنفد قد سحبت من الجيش الإسرائيلي عام ,2000 فإن بعض المسئولين العسكريين الإسرائيليين قد اعترفوا صراحة باستخدام الجوية الإسرائيلية لقذائف اليورانيوم المستنفد في قصف أهداف ساحلية فلسطينية في قطاع غزة, إلى جانب بعض مقذوفات اليورانيوم ضد بعض قواعد المقاومة الفلسطينية بواسطة الطائرات العمودية المسلحة. ومن المعلوم أن نسبة الاصابة بسرطان الدم في فلسطين قد أصبحت عام 2000 من بين أعلى النسب عالميا, وهي تلي العراق مباشرة في هذه النكبة. الحركة العربية المنشودة إن إيجابية الحركة العربية مطلوبة في مواجهة الاستخدام اللانساني لليورانيوم المستنفد في العراق ولبنان وفلسطين, ولا أظن أن الخلافات الحالية مع حكومة بغداد,وفقدان هذه الحكومة للمرونة المطلوبة للتقدم نحو مصالحة عربية, يمكن أن تعيق الدفاع عن حق الإنسان العربي. وأظن أن على جامعة الدول العربية في قمتها القادمة في عمان في مارس المقبل أن تبدأ عملا عربيا منسقا للمسح الاشعاعي لبعض مواقع العمليات في عاصفة الصحراء التي تعرضت لقذائف اليورانيوم عام 1991 وتحديد المستويات الاشعاعية في المياه والتربة والنباتات, وفحص حالات الاصابة بسرطان الدم والعظام والرئة والثدي والمخ, وإجراء تحليلات الدم والبول على نطاق واسع في إقليم البصرة. وبغير جدال ستكون نتائج هذا التحقيق العربي العلمي تحت إشراف الجامعة العربية عاملا مساعدا في تلبية مطلب عربي عادل بالتحقيق الدولي في الموضوع. ونحن نعلم أن دولا مثل روسيا والصين تطالب بلجنة دولية ترعاها منظمة الأمن والتعاون الأوروبي للتحقيق في استخدام اليورانيوم المستنفد في كوسوفو, ونريد لجنة مماثلة تحت إشراف جامعة الدول العربية تبدأ عملها في العراق الذي تجاوزت القياسات الاشعاعية في جنوبه المعدلات المقبولة بنحو ثلاثين ضعفا !! وقد عثر في قطاع البصرة على بقايا لنظير اليورانيوم 236 وهو نظير مشع صناعي ليس موجودا في الطبيعة مما يثير احتمال أن الأمريكيين قد جربوا في العراق أيضا بعض ذخائر البلوتونيوم المستنفد !! ولا يجب أن تحذرنا مزاعم توقف انتاج هذه الذخائر في الولايات المتحدة أو القرار البريطاني بخروجها من خدمة قواتها البحرية عام 2003 أو تحول البحرية الأمريكية إلى استخدام ذخائر التنجستين الأقل كثافة, والأغلى ثمنا لاعتبارات فنية كما يزعمون !! إن الامريكيين لا يعترفون حتى الآن بسمية غبار قذائف اليورانيوم المستنفد, ومخاطرها الاشعاعية لأنهم يهربون من احتمالات مطالبتهم بالتعويضات عن هذه الحالات الصارخة لانتهاك اتفاقيات تحريم الأسلحة والذخائر اللانسانية في العراق والبلقان. إن الأمل كبير أن نتحرك بصورة جادة هذه المرة, وأن نقتدي بإيطاليا والبرتغال, فعلاقات التحالف أو التعاون الاستراتيجي لايمكن أن تشكل قيدا على دفاع الدولة عن بقاء وأمن مواطنيها وأبناء أمتها ضد أخطار الاشعاع والسموم.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.