الملف السياسي: في الاسابيع الاخيرة بين المحاور اللافتة للرأي العام العالمي مثل انتخابات الرئاسة الامريكية وآفاق حل القضية الفلسطينية على ضوء الانتفاضة المستمرة ونهج الاوبك في مجال اسعار النفط ، جاء بين هذه المحاور بصورة مفاجئة موضوع جديد وهو استعمال اليورانيوم المنضب في الاسلحة التقليدية وآثار هذا الاستعمال ومما أحدث هذه الضجة ازدياد عدد الامراض الخطرة بما فيها سرطان الدم التي اصيب بها جنود القوات المشتركة المساهمة في عملية الناتو في يوغسلافيا في عام 1999م كما اتضح ان مثل هذه الحقائق ثبتت بعد حرب الخليج عام 1991م . ففي البداية من بين الابعاد العديدة لهذه القضية شغل مكان الصدارة كمحور رئيسي للنقاش البعد التقني العسكري البحت الذي اكتسب تحليله شكل الجدال حول الخلفيات المباشرة التي سببت مثل هذه الامراض المشار اليها اعلاه وعلى وجه التحديد ــ هل يعود سببها الى استعمال اليورانيوم المستنفد ام تلوث البيئة في كل من البوسنة وكوسوفو الى جانب الكويت التي شاهدت حريق الحقول النفطية بعد العدوان العراقي كما يبين الخبراء؟ لا شك في ان هذه الاسئلة لها اهمية بالغة وعلى خبراء التسلح مناقشتها ومعالجتها ولكن الى جانب هذه الاستفسارات هناك ابعاد اخرى بضجة اليورانيوم المنضب وهي الابعاد السياسية والقانونية والاخلاقية التي لا يقل اهميتها عن اهمية المسائل الفنية ومن المهم ان هذه القضايا السياسية والاخلاقية لا يجوز ترك حلها في ايدي القادة العسكريين وذلك لان في هذه الحالة يعامل الانسان بل البشرية كلها ليس كمخلوق الله الذي كرمه بل كمشارك العمليات العسكرية الذي ينظر اليه من خلال منظار المدفع او ينظر هو نفسه من خلال المنظار الى انسان آخر من اجل اصابته بالقذيفة. غير ان الابعاد السياسية والاخلاقية والقانونية اهم ابعاد هذه القضية بالفعل فعلى وجه الخصوص من اهم الآثار السياسية لاستعمال اليورانيوم المستنفد وقوع المشاكل والصعوبات وعدم الثقة بين اعضاء الناتو وقبل كل شيء بين الولايات المتحدة وبين حلفائها الاوروبيين اذ اتضح ان العلاقات بين القوات المشاركة في العمليات العسكرية في البلقان كانت تنقصها الشفافية الكاملة وذلك لأن الولايات المتحدة كانت تخفي عن حلفائها احتواء اسلحتها لليورانيوم وليس بواضح حتى الآن هل يدل ذلك على عدم الثقة او على التعمد او الاحتيال واللامبالاة ولكن النتيجة واضحة وهي اصابة الجنود في امريكا نفسها وايطاليا وبلجيكا والبرتغال وألمانيا وفرنسا بالأمراض الخطرة. وبطبيعة الحال لا يستطيع كل ما تقدم الا ان يولد التعاطف مع المصابين ولكن ليس مع الاطلسي فبالعكس قد ادت هذه الضجة الى اساءة سمعة هذا الحلف العسكري في نظر الرأي العام العالمي عامة وفي اوروبا خاصة وتصور كل المترتبات على هذه الضجة صعب بل مستحيل ولكن بكل ثقة يمكن توقع تقليص الدول المشاركة في قوات حفظ السلام التابعة لحلف الاطلسي من وجودها في مناطق البوسنة وكوسوفو وهذا كله توقعات قريبة اما الآفاق المستقبلية البعيدة الامد فقد تشهد تعزيز التوجه الاوروبي نحو تشكيل قوة مستقلة عن الاطلسي يعني عن الولايات المتحدة ولكن في هذه الحالة هل هناك ثقة وضمانات كافية لاستبعاد وقوع الضجة المماثلة لفضيحة استعمال اليورانيوم المستنفد؟ على ما يبدو ليست هناك مثل هذه الثقة. طبعا في هذه الظروف يمكن محاولة وضع الحدود القانونية الاكثر قساوة لاستعمال المواد المشعة في الاسلحة التقليدية لكن تكون اكثر (صفاء) ولكن يجب الا نضلل انفسنا اذ يستحيل انتاج الاسلحة غير المضرة اطلاقا وذلك لان اي سلاح يهدف الى الابادة سواء اكانت هذه الابادة قتل الانسان ام ابادة ما صنعه او ابادة ظروف حياته او بيئته الطبيعية اي بكلمة اخرى الاسلحة غير المضرة ليست بأسلحة اما الاسلحة العصرية فيدل نموذج اليورانيوم المنضب على كونها خطرة لانها تهدد الذي يستعملها كما تهدد الجنس البشري بالهلاك وعلى هذا الاساس على من يحمل السلاح ان يفكر في الاثار المدمرة لهذا السلاح لنفسه فقد حدثني صديقي المشارك في الحرب العالمية الثانية ان استعمال السلاح ولو للاغراض النبيلة لا يتم ابدا بدون اثار عميقة سلبية تؤثر على من يحمله ويستعمله لاطلاق الرصاص في عدوه ولكن اذا تمثلت هذه الاثار السلبية والمضرة لاستعمال الاسلحة في الحروب الماضية في الجروح النفسية العميقة فالآن قد يصيب استعمال الاسلحة التقليدية صحة من يحملها وقد يهدد حياته فمثال اليورانيوم المستنفد دليل قاطع على صحة هذه الحقيقة فيقول المثل الروسي: اذا علقت البندقية على الحائط في الفصل الاول للمسرحية ففي الفصل الاخير يطلق الرصاص بهذه البندقية حتما! فاليورانيوم المنضب هو هذه البندقية التي اطلقت الرصاص بعد انتهاء المسرحية! بيد ان كل ما تقدم لا يعني اطلاقا ان استعمال الاسلحة مردود في كل الظروف وذلك لأن حكم هذا الاستعمال واثاره يتوقف على الاهداف التي تجعل الانسان ان يأخذ السلاح في يده فمن الناحية القانونية الدفاع عن الوطن وصد العدوان أو مقاتلة المحتلين لا يساوي اعمال المعتدي ولابد من التضحية في سبيل الوطن ومن اجل تحريره وتحقيقا لهذا الهدف يمكن ــ على ما يبدو ــ استعمال اية اسلحة بما فيها الاسلحة المضرة بحياة المدافع عن وطنه بل قد يذهب ضحية جهوده الرامية نحو انقاذ حياة الغير او تحرير ارضه ولكن الحكم يختلف اذا استهدفت العملية العكسرية تحقيق الاغراض الاخرى او تنفيذ خطط رجال السياسة ففي هذه الحالة يعتمد الحكم على التوازن بين احتمال حصول المنافع او المفاسد وبهذا الصدد تحدد الشريعة الاسلامية المعايير المستقيمة انطلاقا من اولوية درء المفسدة امام جلب المصلحة كما تبين الشريعة اولوية القيم والمقاصد التي يجب اخذها بعين الاعتبار عند استعمال اية اسلحة بما فيها الاسلحة المضرة بحياة الذين يحملونها وبين هذه المقاصد النفس اي الحياة والعقل والنسل والمال التي قد تتضرر نتيجة استعمال الاسلحة وكحد ادنى قد الحق استعمال اليورانيوم المنضب الضرر ببعض هذه القيم مثل الحياة والنسل بالنسبة للمصابين بالامراض وفي أخر المطاف تتضرر القيمة الرئيسية وهي الدين الذي يكرم الانسان باعتباره اعلى مخلوقات الله تعالى. وقد يساعد الرجوع الى الشريعة الاسلامية الغراء على الحكم الاكثر صحة لاستعمال اليورانيوم المستنفد من حيث التطابق بين هذا الاستعمال وبين اهدافه وبين سبل تحقيق هذه الاهداف فمن المعروف ان بعض المذاهب الفقهية تعترف بسد الذرائع فتذهب الى ان الاعمال المباحة شرعيا بصورة شكلية قد تكون محرمة اذا ادت الى النتائج المحرمة وبالتالي يكون استعمال اليورانيوم المنضب في الاسلحة التقليدية مباحا اباحة شكلية ولكنه يفضي الى الاثار المضرة بالانسان وقبل كل شيء بالمدنيين والبيئة الطبيعية وليس بالصدفة يستفسر الكثير الآن: هل تفضي الضجة التي اثارتها (عوارض البلقان) على الصعيد العالمي الى اعادة النظر في ضبط التسلح التقليدي حماية للجنس البشري والبيئة بل تتعالى الاصوات لحظر استخدام اليورانيوم في الاسلحة باعتبار هذه المادة نفسها سلاحا ضد الانسان وبذلك تتحول القضية من المسألة الفنية العسكرية الى القضية القانونية فالسياسية والاخلاقية ويكمن البعد القانوني لها في انه بدون الضبط الصارم قد يعرض ــ على ما يبدو ــ استخدام الاسلحة التقليدية الجنس البشري كله للخطر ويهدده بالهلاك الامر الذي لم يكن موجودا في الحروب السابقة ــ وينطبق هذا الاستنتاج قبل غيرها على المناطق المحدودة من حيث مساحتها والمكثفة من حيث عدد سكانها مثل البلقان او الشرق الاوسط خاصة (اذا اخذنا في الاعتبار ان اسرائيل قد استخدمت صواريخ وقذائف من صنع امريكي تحتوي رؤوسها على اليورانيوم المنضب. اما البعد الاخلاقي لضجة اليورانيوم المستنفد فيتجلى في مرافقة استخدام هذه المادة باللجوء الى الكذب الامر الذي يؤكد ان الحرب خطرة لانها تولد الكذب وتجعل المشاركين يكذب بعضهم بعضا وهذا ما قامت به الولايات المتحدة بالنسبة لحلفائها في الاطلسي وطبعا مما لا يدع مجالا للشك ان الخسائر المترتبة على خرق السنن والقوانين الاخلاقية ليست بملموسة بالدرجة نفسها التي تتمثل في عدم مراعاة القوانين الطبيعية او الفيزياوية واهمالها ولكن الاثار الناتجة عن مخالفة القوانين الاخلاقية وتجاهلها قد تكون اعمق وتتجسد في رد رجال السياسة المسئولين عن استخدام اليورانيوم المستنفد وتضليل الرأي العام العالمي حول ضجة هذا الاستخدام. وفي النهاية يجب الاستفسار من الذي يتحمل المسئولية عن اصابة الجنود بالامراض الخطرة التي تهدد صحتهم وحياتهماليورانيوم ام السياسة غير المعقولة والعامية؟ من البديهي ان السياسة هي مسئولة ولذلك يمكن الاطلاق عليها ــ كعلى اليورانيوم ــ صفة الاستنفاد وتسميتها بالسياسة المستنفدة ولكن اذا كان مصطلح اليورانيوم المنضب مصطلحا فنيا تقنيا فمصطلح السياسة المستنفدة له المعنى المعنوي والقانوني وهذا هو الفرق بين المصطلحين وهذا الفرق مبدئي ويتمثل في ان مكافحة السياسة المستنفدة في مجال التسلح التقليدي اصعب بكثير من ازالة الاثار المترتبة على استخدام اليورانيوم المستنفد في الاسلحة التقليدية وذلك لان تلويث البيئة الروحية والاخلاقية اخطر من تلويث البيئة الطبيعية.