الملف السياسي: رغم تعالي الأصوات المحتجة على المستوى الكوني, من قبل العديد من المنظمات الحكومية والأهلية بهدف الحد من التسلح النووي واستخداماته, ورغم الاتفاقيات الموقعة بين القوى النووية على المستوى العالمي, خاصة بين الولايات المتحدة وروسيا, والتي ملأت أدراج البنتاجون الأمريكي ووزارة الدفاع الروسية, والتي نالت أدراج وزارات الدفاع الأوروبية, بل ووزارات دول العالم الثالث, قسطاً لا يستهان منها. إلا أن هذه الاتفاقات والعهود والمواثيق الموقعة, لم تمنع من تعوّد التباكي على مستقبل البشرية, ونادى منذ منتصف القرن الفائت بالحد من استخدامات اليورانيوم والمعادن المشعة الأخرى كالبلوتونيوم والراديوم والرادون وترشيد استخدامها بما ينفع البشرية جمعاء حتى في مجالات الطب ومنابع لإمدادات الطاقة, من استخدامها ضد الشعوب على اختلافها بداية بالعراق الذي انجب منذ عشر سنوات جيلاً من المعاقين والمشوهين مروراً بكوسوفو والاتحاد اليوغسلافي وانتهاء بقطاع غزة القابع تحت الحصار ولا يحتاج أصلاً لكل هذه الأسلحة وهذا العناء من الطرف الأخر, بما في ذلك أوروبا الحليف العضوي لها. لكن بعيداً عن استخدام المصطلحات الفضفاضة من خلال المقدمات المنمقة, لا بد من البحث في الخلفيات والدوافع التي أدت إلى استخدام مادة اليورانيوم المستنفد كحشوات دفع وتدمير للقذائف التي ألقيت في البلدان الأنفة الذكر. فقد سعت الولايات المتحدة الأمريكية منذ انتهاء فترة الحرب الباردة إلى إرساء منظومات سياسية -أمنية على مستوى العالم وهذا بالضرورة يتطلب: أولاً: ضرورة الحسم السريع لأية معركة عسكرية قد تخوضها الولايات المتحدة وبأسرع وقت ممكن, وهذا لا يمكن أن يتم, بعد التطور في ا لوسائل التقليدية على المستوى العالمي, إلا باستخدام أسلحة نوعية قادرة على تدمير الطرف الآخر, وحسم المعركة بأقل خسائر ممكنة. ولعل الولايات المتحدة وبريطانيا وجدتا ضالتهما باستخدام اليورانيوم المنخفض الإشعاع يو ,238على اعتبار أن هذا النوع المستخلص بعد عملية إنتاج نظير اليورانيوم الشديد الإشعاع يو-,235 لا يؤذي إلا بالملامسة, وأن الابتعاد عنه عدة بوصات يؤمن السلامة, بالإضافة إلى أنه غير قادر على النفاذ في الأجسام, لكنه من أعلى المواد كثافة ولذا فإنه يستخدم في صنع أغلفة القذائف وبالتالي يجعلها أقدر على اختراق الدروع والمخابئ الحصينة. ولهذا السبب اعتبرت المادة المثالية في الحروب الحديثة . لذلك وجدت بعض الدول وبالتحديد الولايات المتحدة ضرورة استخدام مثل هذه الأنواع من القذائف, وكان نصيب العرب لسوء الطالع, أنهم ساحة الاختبار, حيث استخدمت للمرة الأولى في حرب الخليج عندما أطلقت القوات الأمريكية حوالي مليون قذيفة منها في الكويت والعراق, كما أطلقت بعد ذلك قوات حلف شمال الأطلسي 30000 قذيفة منها في كوسوفو و10000 في البوسنة. وقد تكشف فيما بعد أن هذه القذائف الشديدة التدمير هي التي أدت إلى الانتصارات السريعة للولايات المتحدة على الخصم, لأنها استخدمت أعلى ما بحوزتها من أدوات القوة والتدمير, حتى لا يكون بعد الآن دوراً للشجاعة أو الجبن في مواجهتها. ثانياً: كما انطلقت أمريكا من سياسة محددة, بأنها أصبحت بهذا السلوك قادرة على الإقناع القسري لمناوئيها, الذين يسعون إلى مواجهة مخططاتها على المستوى الكوني, من خلال إظهار قوتها التكنولوجية التي اختزلت السلاح الذري في غرض استخدامه حتى في بضعة أمتار مربعة, أو إذا شئت ضد مدرعة أو مصفحة واحدة بعينها. وبهذا تكون قد أمنت لنفسها ما سعت إليه من نتائج سيكولوجية, ورممت حاجز الخوف الأمريكي, الذي خدش أيام الحرب الباردة والذي تمثل في سباق التسلح المحموم بينها وبين الاتحاد السوفييتي السابق, مرة أخرى على المستوى العالمي. وهذا بالتأكيد سيعطيها دفعاً إضافياً للتحرك بحرية أكثر في تقدير وتقرير سياساتها الخارجية بعيداً عن هواجس ما كان يسمى بالحرب الباردة. وسيقلل من حجم الضغوطات والمواقف المتصلبة التي قد تبرز على المستوى العالمي, حتى لدى بعض أعضاء حلف شمالي الأطلسي في مجال تسوية العديد من الأزمات الدولية الناشئة انطلاقاً من رؤيتها لمصالحها هي وحدها أولاً وأخيراً, وما على الآخر, أياً يكون هذا الآخر ومدى العلاقة التي تربطه بالولايات المتحدة, إلا الإذعان لارادتها ومشيئتها. وبما يؤمن لها ديمومة الدور القيادي العالمي الذي تحظى به دون منافس موازن منذ ما يقارب العشر سنوات, واستكمال نظام العولمة, الذي بات يعتبر مشروعاً أمريكياً بالدرجة الأولى. لكن على ما يبدو أن المواقف قد تباينت إزاء استخدام اليورانيوم, حيث اختلف من منطقة إلى أخرى, فقد بقيت الدول العظمى بما في ذلك بعض الدول الأوروبية متذبذبة في اتخاذ مواقف جادة بالنسبة للعراق وانعكاسات استخدام مثل هذه الأسلحة ضد الشعب العراقي, والذي أثر على جنوده كما أثر على جنود قوات الأطلسي في يوغسلافيا, لكن الموقف الجاد والمتأجج بالنسبة ليوغسلافيا هو موقف المدافع عن النفس لان الشعوب الأوروبية هذه المرة هي التي أصبحت تعاني من انعكاسات هذه الأسلحة, التي تحاول الولايات المتحدة التقليل من آثارها, إلا أنها بكل تأكيد غالباً ما تخلف سحباً من غبار أكسيد اليورانيوم السام وقد يدخل هذا الغبار في الرئتين وبالتالي سيكون له جملة من التأثيرات الخطيرة, وقد حملت أيضاً الكثير من الانعكاسات على الصحة العامة للأفراد. وهذا ما أكده بكل وضوح العقيد الأمريكي السابق أساف دوراكوفيتش, والذي أجرى الكثير من الأبحاث المعمقة حول أعراض داء حرب الخليج, الذي أصاب جنود التحالف بالقول: (أن صحة العديد من الجنود الذين شاركوا في حرب الخليج الثانية قد تكون في خطر نتيجة استنشاقهم لغبار إشعاعي). وأوضح دوراكوفيتش في باريس يوم 14 / 1/2001 أمام مؤتمر الجمعية الأوروبية للطب النووي, أنه عثر على كميات مهمة من اليورانيوم الناضب في نسبة الثلثين من بين 17 محارباً سابقاً أجرى عليهم تحاليل بالقول: (إن بعض الجزئيات دخلت إلى الأجساد عن طريق الاستنشاق, والجزئيات الكبيرة يصعب هضمها, لذلك تبقى عالقة في الرئتين, وبالتالي تشكل خطر الإصابة بالسرطان, ونظراً لثقل وزن هذه القذائف, فإنها استطاعت بسهولة إحداث ثقوب في العربات المدرعة الحاملة والقاذفة لها, وتؤدي عملية الاحتكاك إلى تبخر اليورانيوم, وبالتالي يمكن أن يستنشقه كل شخص موجود في ساحة المعركة. وقد زاد التأكيد زيارة بعض العلماء الأوروبيين لاحد عشر موقعاً من أصل مئة واثني عشر قصفها حلف شمال الأطلسي في كوسوفو أنهم وجدوا إما بقايا يورانيوم مستنفد, أو دلائل واضحة على زيادة النشاط الإشعاعي حول الأماكن التي طالها القصف. رغم المحاولات المشككة خاصة من الشريك التوأم بريطانيا, بأنه ليس هناك دليل على وجود صلة بين الأسلحة المزودة باليورانيوم المستنفد وبين الإصابة بمرض السرطان. ولعل ما حاولت عرضه ليس لتقديم الأدلة على استخدام اليورانيوم المستنفد, بل لأصل إلى جملة من الحقائق التي ستنعكس سلباً على مجمل العلاقات الدولية, وبالتحديد بين أصدقاء الحلف الواحد, أي حلف شمال الأطلسي, وما ستسفر عن هذه الانعكاسات, وقد أوجز ذلك بما يلي: أولاً: لابد من الاعتراف أن الشعوب الأوروبية تختلف كل الاختلاف عن شعوب دول العالم الثالث, فهي ترى الحياة من خلال فرادتها بالمرتبة الأولى, وما يخدم ديمومة هذه الفرادة بالمرتبة الثانية حتى بما يتعلق بالموت والحياة,ومتوسط العمر. لذلك سنرى آجلاً أم عاجلاً بعد الظهور الكبير والخطير لهذه الأمراض المميتة حتماً بين جنودها, فاجعة كبيرة ستقف عائقاً بوجه ديمومة التحالف الأوروبي الأمريكي, في إطار حلف شمال الأطلسي, على أقل تقدير بهذا الشكل الذي يظهر حالة الامتهان بين أطراف هذا التحالف. وسيدفع الرأي العام الأوروبي المؤسسة السياسية الأوروبية بالتفكير جدياً بهذا السلوك المدمر, خاصة وأن هذا السلوك لم يطل الأفراد الذين اشتركوا في العراق ويوغسلافيا, بل أنه طال الجغرافية الأوروبية المتصلة, وسيبدأ الأوروبيون في البحث عن آليات أمنية خاصة بأوروبا كقارة مستقلة. وقد بدأت ملامح هذه السياسة بكل وضوح في الاجتماعات الأوروبية من خلال مؤسساتها الموحدة, حيث بدأت فرنسا تشيع مقولات, أهمها بضرورة بناء أمن أوروبي خاص, تكون روسيا أحد الأطراف الأوروبية الفاعلة فيه. وهذا السلوك سيجلب بكل تأكيد أذى خطيراً على المصلحة الأمنية الأمريكية ذاتها, لانه لن يكون هناك شرعية لإدانة بعض الدول التي دخلت مؤخراً النادي النووي كالهند والباكستان مثلاً. ثانياً: إن استخدام اليورانيوم بالشكل العبثي الذي شهده العالم مؤخراً, سيدفع بالكثير من الدول وبالتحديد الدول الإسلامية, إلى الانسحاب من معاهدة حظر التجارب النووية, وستتبعها بكل تأكيد الدول التي كان لديها برامج نووية أو أسلحة نووية. وسيتوقف النقاش بين روسيا وأمريكا, مما سيفقد أمريكا مزايا هذه المعاهدة, التي اعتبرت بجد أكثر اتفاقية استثنائية في حماية أمريكا منذ أن تنبأ كيندي بأنه (بدون الحد من الأسلحة النووية سيكون هناك من 20 إلى 25 دولة تمتلك هذا السلاح في الفترة الواقعة ما بين عامي 1975 ــ 1980. ويمكن متابعة هذا النجاح إذا فعلنا ما هو لازم لتطبيق روح المعاهدة). ثالثاً: سنشهد انفضاض نظام الحماية التي أقرتها هيئة الطاقة الدولية, والتي كانت قد أقرت البحث عن النشاطات الدولية الغير معلنة وبالأخص بعد أن تبين خروج الولايات المتحدة في العراق وكوسوفو عن بروتوكول عام 1997 بشكل مسبق, الذي نص على فعالية وتطوير نظام الحماية والتفتيش عن النشاطات النووية, الخاصة بالإشراف على إنتاج وملحقاته من التجارب النووية, وسيكون الاتحاد الأوروبي الذي أبدى الكثير من الاهتمام بالبروتوكولات الدولية, أول من يعيد النظر بما كان قد وافق عليه. وأن نظام الحماية والإشراف حتى على النفايات النووية سينتقل على ما يبدو إلى خانة النسيان, ومن ساحة الضوء إلى الزوايا المظلمة. رابعاً: وهو الأهم, أن الدعوات الدائمة لأعضاء الطاقة النووية أصبحت بشكل أو بأخر مشكوكاً بصحتها بعد المخاطر الإشعاعية, وأن الولايات المتحدة انطلاقاً من هذه النتائج, التي كانت تلوذ برأي المجتمع الدولي هي التي اخترقت حتى على ما اتفق عليه في المؤسسات الدولية الخاصة بالشأن, ومن هذا المنطق بالذات خسرت هذا السلاح أو الذريعة إذا صح التعبير, الذي يسمى بالإرادة الدولية. لكن يبقى السؤال هل توصل العرب بعد استخدام اسرائيل اليورانيوم ضد الشعب الفلسطيني المحاصر في غزة, والولايات المتحدة ضد العراق, إلى ضرورة المساهمة في إنتاج مشروع نووي عربي, في إحدى الدول التي تمتلك برامج هذا المشروع ؟ أم أنهم سيبقون أسرى الشروط المجحفة المفروضة عليهم من الخارج رغم امتلاك اسرائيل لهذا الخيار والهند والباكستان, وقد تكون إيران أيضاً ؟الإجابات بالتأكيد برسم الأيام المقبلة التي ستشهد الكثير من العبث النووي على المستوى العالمي.