الملف السياسي: ظلت الولايات المتحدة وبعض الدول الكبرى الى وقت قريب تتحدث عن مخاطر انتشار التسلح النووي في العالم لاسيما في بعض دول العالم الثالث, وتطلق مناشداتها الداعية لحفظ السلام العالمي، وحماية البشرية من اسلحة الدمار الشامل حتى جاءت فضيحة استخدام اليورانيوم المنضب ضمن ذخائر الاسلحة المستخدمة في حرب كوسوفو والبوسنة وحرب الخليج الثانية, وظهرت آثار أمراض مزمنة وقاتلة على جنود بعض الدول الاوروبية لتنزع القناع الزائف عن الدول الكبرى التي تتباكى ليل نهار على الانسانية وحمايتها, مدعية انها الاحرص على تجنيب البشرية اهوال الحروب النووية واستخدام اسلحة الدمار الشامل. واذا كانت الدول الاوروبية قد استاءت من تكتم واشنطن بوجود اليورانيوم المنضب في السلاح الذي استخدم في حرب البلقان فان ذلك قد يكون مدعاة لتسريع خطوات تكوين قوة اوروبية للتدخل السريع بعيدا عن هيمنة امريكا التي تمارسها في اطار حلف الناتو, وهو ذات الامر الذي يثير معه تساؤلات حول جدوى معاهدة حظر التجارب النووية التي تدعى كل دول العالم للتوقيع عليها برعاية الدول الكبرى. ان القضية تدخل في اطار معادلات صعبة ومتداخلة, فالجندي الامريكي أو الغربي الذي يصوب سلاحه باتجاه عدوه لا يعلم أنه عندما يطلق القذيقة لقتل العدو سيقتل نفسه باشعاعات غير مرئية ترتد اليه من رائحة البارود واجواء المعارك الحديثة التي لا ترحم الانسان والبيئة بما في ذلك المدنيين القابعين في منازلهم وليس لهم بالحروب لا ناقة ولا بعير, والشيء المرعب في القضية برمتها أن آثار هذه الاسلحة المحرمة لا تنتهي بانتهاء المعارك بل تمتد اثارها لسنوات طويلة مستقبلاً تطال فيه ليس جيل الحاضر فحسب بل والمستقبل. إزاء ذلك فان تحريم استخدام الاسلحة النووية لا ينبغي ان يكون محصورا في اطار القوانين والتشريعات الدولية ولابد من تحرك دولي شامل على كافة الاصعدة لالزام الدول الكبرى بوضع حد لاستخدام الاسلحة المحرمة في الحروب حرصا على المدنيين, وحفاظا على البيئة وصيانة لأجيال المستقبل. إن العالم وهو يلج قرناً جديداً يتطلع الى أن تكون استراتيجيات المستقبل تحمل في ثناياها رؤى بعيدة المدى تراعي الهم الانساني الكلي وتفاصيله الكونية التي تهم بني البشر ولا تقف عند عداوات ايديولوجية ضيقة ومصالح آنية لاسيما في ظل الحديث عن العولمة واندماج اقتصاديات دول العالم والسعي لترابط المصالح وتبادل المنافع وليصبح السلام والتعايش هما لغة القرن المقبل.