رئيس الوزراء الإسرائيلي المستقيل ايهود باراك ينفذ الأهداف التي وضعها مؤسسو دولة الاحتلال العبرية بحذافيرها ويتبع اولوياتهم التي سادت في الخمسينيات: وهي تثبيت وجود إسرائيل في الشرق الأوسط وتوثيق التحالف مع الولايات المتحدة ومن ثم السلام مع العرب من دون الاندماج في المنطقة. ذلك ما يكشفه تقرير إسرائيلي نشرته أمس (هآرتس) تحدث عن نهج بن جوريون الذي يتبعه باراك على أساس انتزاع التنازلات عبر القوة والانتصارات العسكرية أو تخويف العرب من غطرسة هذه القوة ورموزها من السياسيين. قال التقرير: القيود الثلاثة التي طرحها ايهود باراك في جلسة الحكومة في يوم الاحد تواصل الخط الذي وضعه مؤسسو إسرائيل في بلورة السياسة الخارجية والامن. لو كان باراك قد عرض كيف يفسر اهدافه وسياسته على هذا النحو لكان من المحتمل ان يكون وضعه السياسي الحالي اقل ترديا. بن عامي وبيلين وشاحك جاءوا إلى طابا للتوصل للأهداف الثلاثة وفقا لقيود باراك: تحديد حدود إسرائيل الشرقية شرقي الخط الاخضر, التمسك بالاماكن المقدسة في القدس, وابقاء اللاجئين الفلسطينيين في الخارج, باراك نجح في الحصول على دعم رئيس الولايات المتحدة السابق بيل كلينتون في الأهداف الثلاثة, اما ياسر عرفات فيرفض قبولها. في اساس المحادثات الحالية توجد محاولة إسرائيلية لاخافة الفلسطينيين مما ينتظرهم تحت حكم ارييل شارون المتطرف وجورج بوش اللامبالي, خطة الفصل احادى الجانب التي اعدها باراك ترمي إلى تحقيق الأهداف اذا واصل عرفات رفضه. جولان يقرر بأن هدف السياسة الخارجية والامنية الإسرائيلية المركزي كما تبلور بعد حرب 48 كان تثبيت النتائج الاقليمية والديمقراطية للحرب ولاتفاقيات الهدنة. نفس المشاكل مازالت ماثلة اليوم ايضا كعقبات اساسية امام المفاوضات مع الفلسطينيين ومع السوريين. الفوز في المعارك ترك تحت سيطرة إسرائيل مناطق ملموسة تتجاوز حدود التقسيم المخصصة لها من الأمم المتحدة في نوفمبر 1947, وترك اغلبية العرب الذين سكنوا سابقا في حدود الدولة اليهودية خارجها, مؤسسو إسرائيل لم يرغبوا في اضاعة الانجازات واتبعوا سياسة السعي نحو السلام ولكن المواقف الإسرائيلية ليست جديدة وقد كانت قد ولدت في ايام الدولة الأولى, قبل عدة اشهر صدر كتاب شمعون جولان (حدود ساخنة, حرب باردة) حول بلورة سياسة إسرائيل الأمنية في السنوات 1949 ــ 1953, منذ توقيع اتفاقية الهدنة وحتى العملية الانتقامية الكبيرة في قبية التي كرست العداء النشط بين إسرائيل وجيرانها ورفعت من قدر شارون العسكري الذي يتقدم الصفوف الان في استطلاعات عام 2001. ليس بسرعة اكبر من اللازم, وقد صمدوا بنجاح امام ضغوط الولايات المتحدة الهائلة وضغط بريطانيا من اجل تقديم تنازلات اقليمية واعادة اللاجئين. وقد ساعدهم الرفض العربي بذلك, اذ ان العرب طالبوا بتقديم تنازلات إسرائيلية كشرط مسبق للمفاوضات. في مؤتمر لوزان 1949 وافقت إسرائيل على استيعاب مئة الف لاجىء تحت ضغط امريكي شديد, ونجت من تنفيذ هذه الخطة بفضل العناد العربي الذي قال ان العدد ليس كافيا. إسرائيل اعتبرت اتفاقية الهدنة في البداية خطوة اولى نحو السلام وحاولت التوصل لاتفاقية دائمة مع مصر والاردن وسوريا. وكل الجهود باءت بالفشل وتركت من ورائها عبرا مثيرة للاهتمام, في ذلك الحين مثلما هو اليوم ايضا (لم تكن قريبة في أي وقت مثلما هي اليوم). بن جوريون قال بأن (المصلحة الرئيسية ليست السلام مع العرب, رؤية السلام كمصلحة اساسية هي نظرة خاسرة ومثلها مثل اعتبار الجيش انه مركز الامور ولذلك يتوجب ان يتم اخضاع شئون السلاح والقوى البشرية والعلاقات الخارجية جميعها حتى تتكيف مع احتياجاته). بن جوريون وضع سلم الاولويات: مصلحة إسرائيل الاساسية هي وجودها والثاني هو العلاقات مع الولايات المتحدة. السلام مع العرب يأتي في المرتبة الثالثة فقط, رئيس الحكومة الاول لم يؤمن بالشرق الاوسط الجديد الذي تندمج فيه إسرائيل مع الدول العربية. رؤيته للامور سبقت رؤية باراك وبن عامي اللذين يؤمنان بسلام الاسوار العالية والانفصال. (نحن شعب اوروبي وهذه المنطقة موجودة بالصدفة بجانبنا ولكننا لسنا في جزء منها) قال بن غوريون. السعي لــ (تحسين) الحدود ميز عملية التخطيط الميداني في جيش الدفاع في تلك السنوات. إسرائيل استعدت لجولة ثانية مع العرب وفي قسم التخطيط في هيئة الاركان اعدوا خطة اسموها (في حالة الجميع) من اجل الاستعداد لهجوم عربي شامل محتمل على كل الجبهات. المخططون حددوا حدود (المساحة السياسية التي تطمح الدولة لاحتلالها في المستقبل) ــ من بيروت عبر شارع بيروت ــ دمشق وحتى دمشق شمالا, الخط من دمشق حتى العقبة شرقا والذي يشمل المفرق وعمان ايضا المدينتين الرئيسيتين في الاردن, وادي العريش والبحر الابيض المتوسط في الغرب. كهدف ثانوي تحدد نهر الليطاني ومرج عيون في لبنان والقنيطرة في الجولان وخط نهر الاردن في الشرق ووادي العريش في سيناء. حرب يونيو حققت الاهداف الثانوية في خطة (في حالة الجميع) بل وتجاوزتها في سيناء. حرب لبنان نفذت الجزء الشمالي من الخطة, موشيه ديان وارييل شارون هما اللذان بادرا إلى شن هاتين الحربين باعتبار انهما وزيرا دفاع برزا في الجيش في الخمسينيات واستوعبا بشكل جيد طرق تفكير تلك الفترة. حسب جولان كان لخطة (في حالة الجميع) تطور على صورة اخرى هامة, في شهر اكتوبر 1952 انهى اللواء احتياط شالوم عيشت مهام منصبه على رأس قسم التخطيط وكتب مذكرة لبن جوريون اشار فيها إلى ضعف جيش الدفاع أمام الجيوش العربية وعدم قدرته على الدفاع عن الدولة في ميزان القوى القائم اذ بادر العرب إلى الهجوم. خوفه كان انه اذا بدأت جولة ثانية فان العرب سينتصرون فيها. استنتاجه كان ان على إسرائيل ان تبادر هي للحرب وهذه كانت بداية تغيير النظرة للحرب الوقائية بمبادرة إسرائيل حسب رأي جولان, المرحلة التالية كانت كتابة الخطة الميدانية (لافي) والدة حرب الايام الستة التي وضعها خليفة عيشت في قسم التخطيط اللواء احتياط يوفال نئمان.