تستعد سلطات الهجرة الاسترالية لمواجهة (موسم ساخن) آخر من موجات المهاجرين غير الشرعيين الذين يفدون لسواحل البلاد الشمالية. وعلى الرغم من مجموعة الاجراءات التي اتخذتها الحكومة في كانبرا, فإن من غير المحتمل لمشكلة قوارب المهاجرين غير الشرعيين ان تخف حدتها قريبا, بل انها تهدد بتعقيد العلاقات الباردة اصلا مع جارتها الشمالية اندونيسيا, التي تعاني من القلاقل. ومع ان استراليا نجحت, حتى الآن, في استئصال شأفة تدفق المهاجرين غير الشرعيين الذين يصلونها جوا, الا ان تدفق هؤلاء بالقوارب تزيد بشكل كبير, وفي عام 1999 اصبح ما بدا تسربا يسيرا يهدد بالتحول الى فيضان حقيقي. ففي عام 1993 وصل 13 قاربا تحمل 96 مهاجرا للسواحل الاسترالية. وبين يناير وديسمبر من عام 1999 زاد عدد القادمين بحرا عن 3000 شخص على متن 70 قاربا. اما بين يناير واكتوبر 2000 اي قبل بدء (الموسم الساخن) فقد وصل عدد القادمين الى حوالي 2000 مهاجر. وهذا السيل اثار المخاوف في الحكومة الاسترالية وعلى اعلى المستويات. ووصف الحزبان السياسيان الكبيران في البلاد كلاهما هذه الحالة بأنها (حالة طوارىء قومية). وكانت فورة من طالبي اللجوء السياسي القادمين من الشرق الاوسط, حصلت على تغطية اعلامية مكثفة في استراليا, قد اطلقت جدالا سياسيا ساخنا حول قضيتي الهجرة واللجوء المحتدمتين اصلا. وفيما اتت بضعة قوارب من الصين التي تعتبر المصدر التقليدي للمهاجرين غير الشرعيين الى استراليا فإن غالبية القوارب التي تصل حاليا هي من اندونيسيا, وتأتي حاملة اناسا ينوون تقديم طلبات اللجوء السياسي, وهم من جنسيات دول الشرق الاوسط, ومعظمهم عراقيون وافغان. والعديد من العراقيين القادمين هم من اهالي الجنوب العراقي الذين عارضوا النظام العراقي, قبل ان يرحلوا ويستقروا في ايران. اما العراقيون الآخرون فهم من اصحاب المهن جيدي التعليم, ويأتون طلبا لتراخيص الاقامة والعمل خارج العراق, الذي دمرته العقوبات الاقتصادية. وعلى الجانب الآخر, انعكست الخلافات السياسية في افغانستان على تركيبة المهاجرين الافغان الى استراليا ايضا. فالعديد منهم تركوا البلاد بعد تسلم حكومة طالبان لزمام الامور في بلادهم في اواسط عام 1998. والى جانب العراقيين والافغان تتضمن قائمة المهاجرين جنسيات ايرانية وباكستانية وسريلانكية وتركية والجنسيات العربية. ومع تصاعد حركة الهجرة غير الشرعية واكتسابها لزخم كبير, ظهرت عدة منظمات اجرامية في جاكرتا وكوالالمبور تقوم بتدمير شئون المهاجرين غير الشرعيين هؤلاء, وتتكفل بنقلهم بحرا عبر جنوب شرق آسيا وصولا الى استراليا. ويعتبر الباكستانيون والعراقيون وبقية العرب والاكراد الاكثر نشاطا في هذا المجال, كما توجد هناك مجموعة تركية واحدة على الاقل تعمل في تنظيم الهجرة الى استراليا. ويمكن ان تبلغ تكلفة الرحلة الى استراليا حوالي ثمانية آلاف دولار امريكي للشخص, فيما تكلف المرحلة النهائية من الرحلة من اندونيسيا الى الشواطىء الاسترالية ما بين ألفين الى الفين وخمسمئة دولار امريكي. ويقدر الربح الصافي الذي تحصله هذه المنظمات من رحلة كل قارب بما بين 100 الى 500 ألف دولار أمريكي. وعموما ما تعتمد المنظمات الاجنبية التي تعمل في جنوب شرق آسيا على تجنيد افرادها من دول الشرق الاوسط وفي بعض الاحيان تستخدم عملاء موجودين مسبقا في استراليا لانهاء بعض الترتيبات مثل قبض الاجر المتفق عليه عند الوصول الى استراليا. وفي كثير من الاحيان تتعاون هذه المجموعات مع اشخاص اندونيسيين لهم علاقاتهم بعالم الجريمة وغالبا ما يكون لهؤلاء صلات جيدة بالاوساط الرسمية والامنية. وظهرت في العام الماضي مجموعة طهران ــ كوالالمبور لتكون واحدة من اهم منظمي عمليات وصول المهاجرين غير الشرعيين الى استراليا من ايران والعراق وافغانستان الذين يريدون عبور جنوب شرق آسيا نحو استراليا ومن بين نقاط المغادرة الرئيسية من الشرق الاوسط نحو كوالالمبور هناك الى جانب طهران كل من العاصمة الاردنية عمان (ويعود ذلك اساسا لأن العراقيين غير مطالبين بتأشيرة لدخول الاردن) والبحرين. ونتيجة للاجراءات المتساهلة في منح تأشيرات الدخول التي تتبعها الحكومة الماليزية مع مواطني دول الشرق الاوسط, اصبحت كوالالمبور حاليا حسب تقديرات الحكومة الاسترالية طريقا لحوالي 50% من المهاجرين غير الشرعيين القادمين الى جنوب شرق اسيا بقصد التوجه الى استراليا. اما الآخرون فيمرون عادة عبر بانكوك او يطيرون مباشرة الى اندونيسيا اذا ما كانت لديهم تأشيرة سياحية الى اندونيسيا. وعادة حينما يصل القادمون الى كوالالمبور يستقبلهم ممثل عن واحدة من مجموعات عديدة لتهريب المهاجرين, عربية او كردية او ايرانية, ويرافقهم من المطار الى الفندق او الشقة التي تنتظرهم في المدينة قبل ان يتم نقلهم الى اندونيسيا. وبعض القادمين العازمين على طلب اللجوء يحصلون من هذه الجماعات احيانا في كوالالمبور على تأشيرات اندونيسية مزورة واحيانا صحيحة تسمح لهم بدخول اندونيسيا. والسعر الحالي لهذه التأشيرة يتراوح بين 300 و 500 دولار امريكي. بعد ذلك يسافر المهاجر جوا من كوالالمبور الى جاكرتا او لمدن اندونيسية اخرى مثل سواربايا او دنباسار في بالي بعد تشديد اجراءات التحقق من التأشيرات في مطار جاكرتا. ومن النقاط البديلة لدخول اندونيسيا عادة هناك جزيرة السوق الاندونيسية في باتام التي تقع الى الجنوب مباشرة من سنغافورة. وفي هذا الطريق الذي يلتف حول مراكز التدقيق الاكثر يقظة في جاكرتا دينباسار يتم اصطحاب المهاجرين بالباصات من كوالالمبور الى ميناء جوهر بارو في الجنوب قبالة سنغافورة. وهناك يتم تسليمهم عادة الى عملاء يصطحبونهم فوق زوارق تبحر عدة مرات يوميا بين جوهر وباتام. وتوجد عدة رحلات جوية داخلية يومية تصل باتام لجاكرتا. غير ان اعدادا كبيرة من المهاجرين غير الشرعيين يسلكون طرقا سرية الى اندونيسيا. وهذا يتضمن عادة رحلة ليلية عبر مضيق ملقا من غرب ماليزيا الى جزيرة سومطرة, حيث يستخدم المهربون احيانا قواربهم في طريق العودة لحمل العمال الاندونيسيين الذين يعملون في ماليزيا بشكل غير قانوني. ومن اكثر نقاط العبور التي يفضلها المهربون هي بين ملقا وميناء دوماي في سومطرة. وما ان يصل المهاجرون الى سومطرة, يصبح بمقدورهم التنقل بيسر اكبر بالباصات او بالطائرات الى جاوا وجاكرتا. وعلى مدى العام الماضي تحركت كانبرا على عدة جبهات لمواجهة ما اصبحت توصف بأنها مشكلة اقتصادية وأمنية ان لم يتم التصدي لها فورا ستزداد خطورة. وفي محاولة للتعامل مع مشكلة تهريب المهاجرين ذات البعد الدولي هذه قام وزير الهجرة وشئون التعدد الثقافي الاسترالي فيليب رودوك بعدة مبادرات دبلوماسية. ففي يناير 2000 زار رودوك دولا تشكل نقاط انطلاق رئيسية للمهاجرين هي الاردن وسوريا وتركيا وايران وباكستان ليحث حكومات هذه الدول على زيادة التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية حول عصابات تهريب المهاجرين. ونهاية الشهر ذاته زار رودوك جاكرتا لاجراء محادثات مع المسئولين الاندونيسيين كما توجه اخيرا الى المملكة المتحدة وألمانيا وسويسرا وبلجيكا وهولندا وايطاليا. اما في اغسطس الماضي فكان رودوك في تايلاند ليدفع بحملة بلاده ضد شبكات تهريب المهاجرين قدما. وجاءت هذه المبادرة الدبلوماسية بالتوازي مع تشديد استراليا لقوانين الهجرة. ويمكن تغريم المتهمين بتهريب المهاجرين الآن بغرامة تصل الى 150 ألف دولار امريكي او السجن لمدة تصل حتى 20 عاما. وفي غضون ذلك تنفذ وزارة رودوك على نحو حثيث حملة دعائية في بلدان المصدر والعبور تؤكد على المخاطر البدنية والقضائية للهجرة غير الشرعية والطبيعة الاجرامية لشبكات تهريب المهاجرين. ومن بين اهم البلدان التي استهدفت بهذه الحملة اندونيسيا وصيادي الاسماك فيها الذين يستأجرهم المهربون للتسلل الى المياه الاسترالية. وفي السابق كانت شبكات المهربين تؤكد لهؤلاء بأنهم ربما اعتقلوا لفترة وجيزة قبل ان يطلق سراحهم. غير انه من غير الواضح مدى العمق الذي بلغته الرسالة الاسترالية هذه بين اوساط هؤلاء. اما ما هو واضح الآن فهو ان الجهود الاسترالية للضرب على ايدي مهربي المهاجرين تواجه عقبتين اثنتين كلاهما مركزهم اندونيسيا وكلاهما من غير المحتمل قريبا التغلب عليهما. العقبة الاولى هو مستوى الفساد والمستشري بين المسئولين الاندونيسيين الذين يسمحون لشبكات تهريب المهاجرين بالعمل تحت حصانة عملية. وطالما كان الفساد وباء في اندونيسيا الا انه ازداد سوءا بعد الازمة الاقتصادية التي ضربت جنوب شرق اسيا عام 1997. وفيما تتوفر بعض الادلة على ان التمثيل الدبلوماسي الاسترالي في اندونيسيا قد حقق بعض النتائج بين بعض المؤسسات الاندونيسية في اجزاء من البلاد الا ان الواقع المستمر بطبيعة الحال هو ان عصبات تهريب المهاجرين لا تزال قادرة على شراء الحماية لها, بل وشراء الذمم للخروج من المشاكل حين الوقوع. اما العقبة الثانية فهي التدهور الحاد في العلاقات السياسية بين استراليا واندونيسيا منذ التدخل العسكري الدولي بقيادة استرالية في تيمور الشرقية عام 1999. وأي اندونيسي سواء كان من العامة او من الاوساط الحكومية او الامنية يشعر بالمذلة من فقدان الاقليم الاندونيسي السابق ينظر الى استراليا بغضب بل وبعداء ايضا. وهذه الحالة الشعورية قد وجدت ترجمتها في استعداد مسبق داخل اوساط الشرطة والقوات المسلحة لغض الطرف عن انشطة المهربين باعتبارها (رد الصاع) للاستراليين عن تعدياتهم ضد اندونيسيا. وهذان العاملان لابد وأنهما سيضمنان في المستقبل المنظور استمرار عمل شبكات تهريب المهاجرين التي ظهرت في ماليزيا واندونيسيا على مدى العامين الماضيين ما دام تدفق من يريدون الهجرة غير الشرعية الى استراليا مستمرا. عن (جينز دفنس ويكلي)