رغم مرور اكثر من ثلاثة وثلاثين عاما على احتلال القدس الشرقية لا يزال اليهود مختلفون حول قدسية حائط البراق أو (المبكى) كما يطلقون عليه ومكانته الروحية بالنسبة لهم, بعض الحاخامات قالوا في اجتماعات سرية ، عقدت لمناقشة القضية ان حائط المبكى اصبح يمثل حائلا بين اليهود و(جبل الهيكل ),بينما اكد اخرون ان الاشتياق لجبل الهيكل افضل من زيارته, في حين اشار البعض الى ان استمرار سيطرة العرب على الاقصى تعنى ان تلك ارادة رب اليهود ولا جدوى من مقاومتها . الخلاف بين اليهود حول اهمية جبل الهيكل الدينية تاريخي ويرجع لفترة ما قبل عام 1948 فعندما وقعت انتفاضة فلسطينية في الثلاثينيات ضد محاولات التوغل اليهودي الاستيطاني في فلسطين ونجم عن ثورة الفلسطينيين خسائر فادحة لدى الجانبين شكلت سلطات الانتداب البريطاني انذاك لجنة تحقيق مثل امامها -وفقا لتقرير لصحيفة (هآرتس) ــ عدد من الحاخامات الذين تحدثوا عن مكانة الحرم بالنسبة لليهود فقال الحاخام (افيجدور نفنسال) حاخام الحي اليهودي بالقدس : العلاقة بين حائط المبكى وجبل الهيكل مثل ملابس شخص توفى, فقبل ان يتوفى لم تكن ملابسه تعنى الكثير بالنسبة لابنائه, لكن بعد وفاته اصبحت للملابس قيمة لانها تمثل ذكرى ..حائط المبكى هو ملابس ابينا المتوفى, وان كان الكثيرون يرون ان حائط المبكى لن يكون بديلا عن جبل الهيكل بالنسبة لليهود. الخطير في الاجتماعات السرية التي يعقدها حاليا كبار الحاخامات بناء على تكليف من وزارة الاديان في اسرائيل ان هدفها المستتر وفقا للتقارير الصحفية الاسرائيلية هو: الاتفاق على الاهداف التي تسعى لها الحفريات الجارية حاليا ومنذ عشرين عاما تحت الاقصى. وفقا (لهآرتس) ايضا فقد قام عمال التنقيب الاسرائيليون مؤخرا بحفر نفق داخل وتحت امتداد الحائط الغربي للمسجد الاقصى شمالي ساحة الصلاة المكشوفة بطول 485 مترا .. حسب مشاركين في الحفريات, فقد قام الاسرائيليون باخراج ما وصفوه بقمامة من داخل تجاويف كانت داخل النفق, كما لاحظوا وجود ابار مياه على امتداد مسار النفق ووجود كتلة حجرية عملاقة في مدخل النفق بطول 12 متر وارتفاع 3 أمتار وعمق 4 أمتار قدر الخبراء وزنها بـ 400 طن. على امتداد النفق يتغير اسلوب بناء صفوف حجارة الجدران (المداميك) حسب العصور التاريخية المختلفة التي بنيت او رممت فيها,وحسب اعتراف وزارة الاديان فقد تم اكتشاف عقود واقبية صغيرة تحت مبنى المحكمة داخل الحرم القدسي ايضا.وتزعم اسرائيل انها كانت تستخدم كقاعات صلاة لليهود في اوقات هطول المطر او الحر الشديد. اجتماعات حاخامات اسرائيل في وزارة الاديان هدفها ايضا تحديد خط ديني مناسب للتعامل مع احتمالات اعادة السيادة على الحرم القدسي للفلسطينين, حيث ستنتقل منطقة الحفريات بالكامل للفلسطينيين, ولن يبقى للاسرائيليين سوى الساحة الخارجية للصلاة امام حائط المبكى . في الاجتماعات السرية قال حاخام مدينة حيفا (شئر يشوف هكو): لم يعد حائط المبكى حائطا للهيكل, بل اصبح حائلا بين شعب اسرائيل والهيكل ..إذا استمر الوضع كما هو عليه الان سننسى الهيكل تماما او على الاقل سنعبد احجار حائط المبكى. يذكر ان الحاخام (هكوهين) تم تعيينه مؤخرا من قبل الحاخام الاكبر في اسرائيل رئيسا للجنة التخطيط لامكانية اعادة بناء معبد يهودي داخل الاقصى وانه اقترح استغلال الانفاق الجديدة تحت الاقصى في عقد محاضرات ودورات دراسية لليهود تتركز حول اهمية الهيكل ومواصفاته بالنسبة لليهود . شارك في الاجتماعات السرية ايضا عدد من الاثريين منهم البروفيسور (ديفيد كوسو تو) الذي طالب بأن يقر الجميع بحقيقة عدم وجود هيكل سليمان, فالذين يزورون المسجد الاقصى ثم يزورون حائط المبكى يقولون لنا :هل هذا كل ما لديكم ؟وانا اقول لهم :هذا ما ليس لنا .وهي عبارة تثير المشاعر وتدعو لمزيد من الصلوات . الحاخام (شلومو افنير) طالب بمزيد من الاعلام والترويج لمقدسات اليهود لان اغلب اليهود العلمانيين لا يعرفون عنها شيئا ويعتبرون الحديث عنها امرا مثيرا للسخرية والضحك .وفي نفس الاتجاه قال الحاخام (شلومو من ههار) :إذا كانت خططنا واهدافنا الرئيسية ستكون هيكل سليمان فقد خسرنا كل شيء,فلن يفهمنا احد, بل لن نفهم انفسنا فقد حاولت ان اشرح لبعض اليهود ما هو الهيكل فوجدت انهم لا يفهمون وانني لا اجد كلمات اشرح بها ..واسترسل الحاخام يروى :ذات مرة حاولت ان اشرح ليهودي متشدد دينيا ودارس للتوراة كيفية بناء الهيكل والمصاعب التي تعرض لها اليهود انذاك, وبعد ان استمع لي قال اذا كان الامر بهذه الصعوبة فانا سعيد لغياب الهيكل . من ناحية اخرى قال الحاخام (يسرائيل اريئيل) :كلفت بالاعداد لاعادة بناء الهيكل للمرة الثالثة (بعد تخريبه على يد الرومان والفرس ) وانا في هذا الاطار اترأس معهد ابحاث الهيكل, وانا ارى انه يتوجب علينا ان نعتبر النفق الحالي تحت الاقصى جسرا نحو الهيكل الذي اطالب ببنائه فورا, لو حضرتم لمعهدي ستجدون اليهود يذرفون الدموع عند سماع مواصفات الهيكل ..يجب ان ندعم ونزيد من دعايتنا للهيكل بين اليهود . عدد ممن حضروا الاجتماعات حاولوا التوفيق بين وجهتي النظر المتناقضتين حول اهمية الهيكل بالنسبة لليهود في الوقت الحالي.فاليهود (الحراديم) (الاتقياء) يرون انه يكفى اليهود الصلاة والاتجاه بالنظر نحو الحرم القدسي وهو الرأي الذي عبر عنه مرارا المقال الافتتاحي لصحيفة (هموديع) الدينية, كما عبر عنه الحاخام (افراهام شابيرا) الذي عرف في الماضي بتوجهاته المتشدده بالنسبة للاقصى بقوله: كان رجال الدين اليهود في الماضي يصعدون لجبل بالقدس الغربية لكي يجلسوا لساعات ينظرون للحرم القدسي بدون ان يحاولوا القيام بأي خطوات تهدف لدخوله او زيارته..وهذا لانه إذا كنا لا نستطيع ان ندخل للحرم فتفسير ذلك هو عدم مشيئة رب اليهود في ذلك وهي المشيئة التي يجب ان نلتزم بها, ولا توجد في ذلك ايه اهانة للشعب اليهودي, يستطيع الرب ان يرسل لنا المسيح المخلص لكي يدخلنا الحرم القدسي..انه لا يحتاج لمساعدتنا ولن يغير في الامر شيئا وجود المساجد داخل الحرم القدسي من عدمه. على الجانب الاخر يصر المتطرفون الذين حضر منهم الحاخام (يسرائيل الدر) والحاخام (شلومو جوران) على ان الصلوات عند حائط المبكى انما تعبر عن تشتت الشعب اليهودي وطرده من الهيكل,بينما ترمز الصلاة داخل الاقصى لعودة الشعب اليهودي لارضه وهيكله .واشاروا الى ان حائط المبكى لا يمكن ان يكون بديلا عن الهيكل . الطريف ان المتطرف (جوران) قال ان (الحائط الغربي) المرتبط بالبركات التي تحدث عنها التلمود (شروح التوراة ) ليس هو حائط المبكى بل جدار قدس الاقداس داخل هيكل سليمان .وهاجم الحكومة الاسرائيلية والحاخام الاكبر على تخاذلهما من وجهة نظره في الدفاع عن الحرم القدسي. يذكر انه في اعقاب احتلال اسرائيل للقدس ثار جدال عنيف حول مصير حائط المبكى بين الحاخامات وعلماء الآثار فقد كان الحاخامات يفضلون ان يخصص المكان لصلوات اليهود فقط, بينما اصر علماء الآثار على التعامل مع المكان بوصفه رمزا قوميا ومزارا سياحيا علميا واثريا, آنذاك قامت وزارة الاديان باتباع سياسة الامر الواقع ووضع مقاعد خشبية وصناديق للتوراة في المكان بالاضافة لفصل مكان صلوات الرجال عن صلوات النساء. الحاخامات كثفوا حفرياتهم في اتجاه الحائط الغربي للأقصى بينما اسرع الاثريون بالتنقيب تحت الحائط الجنوبي للحرم الذي كان الحاخامات يزعمون ان له قدسية ايضا ويتوجب الصلاة عنده ..الحفريات كانت تتجه من السور الجنوبي نحو الشرق متوسط اعمال الحفر كان 30 سم يوميا. مسار حفريات وزارة الاديان الاسرائيلية بدأت بتحطيم عقود منزل اثري يقع على مقربة من السور ثم الحفر تحت شارع السلسلة و سوق القطن في اتجاه الشمال واسفل منازل الفلسطينيين في الحي الاسلامي بالقدس .وفقا للتقارير الاسرائيلية كلما ابتعد سور الحرم كلما قل سمكه فوق رؤوس المنقبين, في وقت لاحق تم اخلاء المنازل العربية من سكانها, الصلوات في الانفاق الجديدة لم تكن تخالف الشريعة اليهودية, خاصة وان الحاخام الاكبر افتى اكثر من مرة بعدم شرعية وضع مستلزمات صلاة اليهود داخل الاقصى . اسرائيل اعترفت بأن اعمال التنقيب عرضت منازل فلسطينية كثيرة للخطر, بعض المنازل دخلها الاسرائيليون بحجة ترميمها وسرعان ما ادعوا بأنه تم اكتشاف آثار يهودية داخلها وحضر اليهود بانتظام للصلاة بها .وقد حذر مهندسو مجلس بلدية القدس اليهودي من مخاطر اعمال الحفر على المباني داخل الحرم القدسي نفسه. في وقت لاحق بدأت حفريات وزارة الاديان في الانهيار تدريجيا وكان من مظاهر هذا حدوث انهيارات ارضية داخل انفاق عمليات التنقيب, بل وانهار سلم مبنى المجلس الاسلامي الكائن داخل الحرم القدسي داخل النفق .معدل تزايد الشقوق والتصدعات وصل الى 9 اضعاف يوميا, مما استدعى اجراء عمليات ترميم وتدعيم عاجلة للنفق..الشقوق توقفت عن التزايد, لكن غضبة رجال الوقف الاسلامي لم تقل تجاه المؤامرة الاسرائيلية ضد المسجد الاقصى. من جانبه قال عدنان الحسيني مدير قطاع الهندسة والآثار في الوقف الاسلامي :لقد ارسلنا مذكرات للامم المتحدة والدول الغربية وتساءل ما هو الاهم: التنقيب عن الماضي ام الحاضر واقرار السلام حاليا وفي المستقبل.