اصبح جورج ووكر بوش, او جورج دبليو ــ كما يسمونه ــ رئيسا للولايات المتحدة, اقوى دولة في العالم, وعادة ما يقال في مثل هذه المناسبات ان فلانا صعد الى القمة, ولكن جورج بوش ـ طبقا لقول الزعيم الديمقراطي العجوز جيم هايتاور ــ ولد فيها ولكنه يظن فحسب انه صعد اليها. ومن الطبيعي ان يقال ان جورج دبليو ولد في القمة, فليس ثمة عائلة سياسية اقوى حاليا ــ في اي من الولايات ــ من عائلة بوش, وهو الامر الذي دفع بجريدة واشنطن بوست الى ان تقول باختصار (بدون صلات الاسرة ونفوذها لم يكن احد لينظر اليه (اي إلى جورج دبليو) من الاصل, لا لموقع سياسي, ولا لأي شيء آخر). والعائلات السياسية في الولايات المتحدة تختلف عنها في اي بلد آخر. فقد غرست ظروف نشأة هذا البلد في نفوس ابنائه عداء لكل النظم والتقاليد البريطانية ذلك ان المهاجرين الامريكيين الاوائل انما ذهبوا الى العالم الجديد فرارا من ثقل يد التاج, وحين لاحقهم هذا الاخير, وجعل من امريكا الشمالية مستعمرة من مستعمراته, نشبت حرب الاستقلال, ثم الثورة الامريكية, واحراق البيت الابيض, الا ان الولايات المتحدة ظفرت في نهاية المطاف بعد ان راكمت كراهية اعمق لكل ما هو متبع في لندن رغم آلاف الفراسخ التي تفصلها عن العالم الجديد. قلائل هم من قرأوا تاريخ هذه الفترة ووثائقها, الا ان الرحلة تستحق العناء, فقد كانت فترة لا تصدق اذ وضع مجموعة من الحالمين والمثاليين والمثقفين اسس بلد جديد لن يلبث ان يتحول الى اقوى بلاد العالم, وسوف يذهب الدستور الامريكي في التاريخ المعاصر كاحدى اهم الوثائق التي وضعها الناس, واحدى اكثرها تقدما, بل انه يعد سابقا حتى لما يحدث الآن, واكثر طليعية من الكثير من وقائع هذا الحاضر الذين نتابعه. الرئيس الامريكي الاول ــ جورج واشنطن ــ اختير لاسباب متعددة منها مثلا انه بلا ولد, اذ لم ينجب ابنا, وحتى يتأكد مؤسسو هذا البلد الجديد من وجود طلاق كامل مع الملكية البريطانية, اختاروا واشنطن بالذات, في اشارة لها مغزاها .. كيف اذن يتحدث الامريكيون اليوم عن (العائلات السياسية)؟ والرئيس الامريكي الثاني جون آدامز واجه مقاومة كاسحة حين حاول اعداد ابنه ليصبح رئيسا, ورغم نجاح جون آدامز في دعم ترشيح ابنه جون كوينيس آدامز للرئاسة, فان هذا الاخير حصل عليها بسبب قراراته التي اقر بها الجميع آنذاك فقد كان كوينيس دبلوماسيا من طراز رفيع خدم بلاده في اوروبا قبل ان يصبح الاب رئيسا, ثم اصبح وزيرا للخارجية بعد مغادرة الاب للبيت الابيض, الى ان انتخب ــ بعد عشرين عاما من ترك الاب منصب الرئاسة ــ ليشغل البيت الابيض. والطريف ان كونيس آدامز بدا وكأنه السابقة المبكرة لجورج دبليو في امر يختلف عن انهما معا ينحدران من رؤساء سابقين, ذلك ان كوينيس حصل على عدد اقل من الاصوات العامة مما حصل عليه منافسه آندرو جاكسون في انتخابات 1824, اي ان جاكسون فاز بأغلبية الاصوات في الانتخابات العامة, ولكنه خسر في المجمع الانتخابي .. تماما كما حدث قبل اسابيع قلائل. وفي الانتخابات الرئاسية في العام 1828 عاد كوينيس وجاكسون الى الحلبة, ولكن جاكسون فاز هذه المرة في المضمارين معا, التصويت العام والمجمع الانتخابي, رغم ذلك فقد تصور كوينس ان بوسعه ان يكرر ما فعله اباه, اي ان يعد ابنه جورج واشنطن آدامز لكي يصبح ثالث (آدامز) يدخل البيت الابيض .. كان الجد ـ آنذاك ــ لا يزال حيا, فيما كان الحفيد في الثامنة والعشرين من عمره, وتحالف الرئيسان السابقان, الاب جون والابن كوينس لاعداد الحفيد للرئاسة, واعلنا اعتزامهما ذلك .. فقامت قيامة واشنطن بأكملها, تزايد الضغط على العائلة الى مد لا يحتمل, وقرر الحفيد ان يحسم الامر بـ بطريقته ــ فالقى بنفسه من سفينة كانت تبحر به في مياه المسيسبي العنيفة, ليلقى حتفه بهدوء, وكتبت امه لويزا كاترين آدامز (لقد ذهب ابني ضحية لطموحات اسرة زوجي), واغلق التاريخ في صفحات فصل مؤلم مما يبدو نزوعا لا يقاوم غرس على نحو ما في نفوس البشر. عائلة كنيدي ومرت الاعوام في الولايات المتحدة دون عائلات سياسية تذكر, حتى ظهرت عائلة كنيدي في الثلث الثاني من القرن العشرين .. كان الاب, جون كنيدي, مهاجرا ايرلنديا كاثوليكيا عنيدا, وانتهازيا ايضا. ولانه كان ايرلنديا وكاثوليكيا فان المؤشرات جميعا كانت تفيد انه لن يصل الى الموقع الاول في بلد ذي اغلبية بروتستانتية. ولكن جون كنيدي كان مولعا بثلاثة امور, ان يبحث عن المستحيل ليفعله, وان يجمع اكبر قدر ممكن من المال, وان يعد ابناءه للحكم ان لم يتمكن هو من ان يحكم, وحقق جون الهدف المستحيل الاول, فقد عينته الحكومة سفيرا للولايات المتحدة في بلاط سان جيمس, ويكاد المرء يتخيل مدى الهلع الذي اصاب البريطانيين حين عاد اليهم ذلك المهاجر الايرلندي الساخر, الذي لا يكف عن الحديث عن كاثوليكيته, سفيرا لبلد آخر في بلاطهم. الا ان جون كنيدي بدأ ــ فور تعيينه سفيرا في لندن ــ بحثه عن مستحيل اكبر لتحقيقه وتطلع الايرلندي المحنك الى البيت الابيض. وهكذا بدأ الرجل في اعداد شبكة من المؤيدين لخوض انتخابات 1940, ولكن فرانكلين روزفلت قرر بصورة لم يتوقعها احد ان يسعى نحو فترة رئاسة ثالثة, وكان ذلك مشروعا بعد في تلك الآونة. وادرك جون ان عليه ان يتنحى امام شخصية تاريخية بحجم فرانكلين روزفلت, ولكنه لم يفعل ذلك مجانا, فقد ذهب الى الرئيس, وطلب منه ان يدعم اختيار الابن الاكبر لعائلة كنيدي ــ جون الابن ــ حاكما لولاية ماساتشوستس مقابل دعم العائلة وانسحاب عميدها, ولم يكن روزفلت يحتاج لصفقة من هذا النوع, ولكنه وافق بعد ان ادرك ان الاب يسيطر على الولاية على اي حال. وقبيل انتخابات حاكم الولاية قرر جون الابن ان يذهب الى اوروبا مع القوات الامريكية التي انخرطت في غمار الحرب العالمية الثانية, ولا يعرف احد ما اذا كان القرار قد اتخذ لاسباب انتخابية ام ان جون الابن كان مقتنعا بضرورة ان يخوض الحرب ضمن قوات بلاده كما يخوضها مئات الالاف من الامريكيين, الا ان جون الابن قتل على اي حال في احدى معارك الحرب العالمية الثانية, ليحسم بذلك التساؤل عن سبب ذهابه الى اوروبا. ولكن مقتل جون كنيدي الابن لم يوقف تنفيذ خطة الاب باعداد ابنائه للحكم فطرح ابنه الثاني جون فيتزجيرالد لخوض معركة انتخاب حاكم ماساتشوستس وتم انتخاب الابن الثاني بالفعل الذي اصبح بعد ذلك بسنوات اول رئيس كاثوليكي يحكم الولايات المتحدة منذ انشائها, وليجذب بدوره شقيقه بوبي كنيدي الى دائرة السلطة, بتعيينه نائبا عاما, وكان ما كان من مقتل جون فيتزجيرالد, ثم من مقتل بوبي كيندي, وهو يسعى نحو البيت الابيض بدوره. بدا دائما وكأن التاريخ يعد مأساة من نوع ما للآباء الذين يخططون على امد بعيد, وكأنه يسخر من محاولاتهم لي عنق الواقع, وصبه صبا في قوالب طموحاتهم, فبريطانيا ــ التي حاول الامريكيون مخالفتها ــ لم تمر بما مرت به الولايات المتحدة من مآس سياسية بهذا الحجم, هناك ــ على الاقل ــ كانت الامور تمضي في مسارها الطبيعي, فهكذا وضع النظام, وهكذا يمضي. اما في الولايات المتحدة فقد وضع النظام على نحو مختلف, وانتهت محاولات الالتفاف حوله بمآس من نوع انتحار آدامز الحفيد, او مقتل جون كنيدي ثم بوبي كنيدي وفيما تفصل 135 عاما بين ذروة تألق ابرز عائلتين سياسيتين في الولايات المتحدة فان 40 عاما فقط تفصل بين آخرها والعائلة الثالثة التي تجذب الآن انظار العالم .. عائلة بوش. بوش والجمجمة والعظمتان بدأت القصة في مطلع هذا القرن حين تمكن صمويل بوش من تحقيق بعض النجاح في عالم الاعمال, لم يكن صمويل ذكيا بصفة خاصة, ولكنه كان جلدا, يحب العمل, عنيدا, قادرا على تركيز طاقته في هدف واحد محدد حتى يحققه, او يقرر تغييره بهدف آخر, وخلال صراع صمويل بوش في عالم الاعمال اكتشف ان المال والعمل الدؤوب لا يضمنان لصاحبهما النجاح .. هناك عنصر ثالث هام هو الصلات .. النفوذ, شبكة المعارف والاصدقاء والمخلصين والراغبين في تبادل الخدمات. ورغم انه وصف بأنه كان رجل اعمال نصف ناجح, الا ان خبرته هذه لم تكن تقدر بثمن, خاصة وانه اصر على نقلها الى ابنه بريسكوت شيلدون بوش. ويقول من أرخوا لسيرة بريسكوت انه كان ينصت لما يقوله اباه على مائدة العشاء في صمت مطبق, كان يستوعب كل كلمة, بل وكل حرف, ويهضمه على مهل بعد ذلك, ويلاحظ هؤلاء المؤرخين ان مائدة العشاء لعبت دائما دورا محوريا في تاريخ العائلات السياسية في الولايات المتحدة, وربما في غيرها من بلدان العالم, فقد اشتركت هذه العائلات في الحفاظ على عادة الاجتماع اليومي حول مائدة العشاء حيث ينقل الكبار خبراتهم للصغار على نحو يضمن نقل الخبرة وتوحيد الهدف ونظم الافكار لدى الجيل الجديد في خط يعد امتدادا لرؤية الجيل الذي سبقه. وكبر بريسكوت, وكان قد استوعب تماما الدروس التي تلقاها من ابيه صمويل والمتعلقة بكون النفوذ هو الركن الاهم في مثلث النجاح, فيما الركنان الآخران هما المال والقدرات الذاتية, اي الحكمة والعمل الدؤوب, وكان صمويل قد ترك قدرا من المال لابنائه اما القدرات الذاتية فقد حاول الاب بناءها في ابنه حين ارسله الى احد اعرق الجامعات الامريكية, اي جامعة بيل المعروفة. وبعد ان تخرج بريسكوت من بيل ذهب الى وول ستريت, حيث عمل لبضع سنوات في مجال الاستثمارات المالية, ثم بدأ ــ بحثا عن النفوذ ــ ينخرط في لعبة السياسة, فأصبح عنصرا مؤثرا في منظمة الحزب الجمهوري بولاية كينتيكيت, ثم ما لبث ان قرر خوض انتخابات الكونجرس في العام 1952, وفاز بها ليصبح احد ممثلي الولاية في مجلس الشيوخ, وكان هذا هو بداية (التماس) بين اسرة بوش وعالم السياسة. وكما فعل صمويل مع بريسكوت, فعل بريسكوت مع ابنائه, وكان ثانيهم جورج هربرت ووكر بوش هو اذكاهم, اذ سرعان ما استوعب بدوره دروس الاب, وسار على دربه في الالتحاق بجامعة بيل, ويقول من تناولوا تلك الفترة من تاريخ اسرة بوش ان بريسكوت كان يعد على ان يناديه ابناؤه واحفاده باسم (السيناتور) ليس لأي رغبة في اشباع الذات, ولكن لانه كان يريد ان يكسر اي حواجز نفسية بينهم وبين مجتمع السياسة, فالسناتور هو الجد, او الاب, او الاحرى هو فرد من الاسرة, لا حواجز اذن, بوسع اي منهم ان يصبح ــ على الاقل ـ سناتورا هو ايضا. وشق جورج هربرت طريقه بخطى ثابتة مع بعض الفوارق الاساسية التي ميزته عن ابيه, ففيما اختار الاب وول ستريت كي يبدأ حياته العملية, اختار جورج صناعة النفط التي كانت مزدهرة آنذاك في بعض الولايات الامريكية, وقبل ان يحدد جورج الى اي الولايات سيذهب, درس خريطة كل المواقع المقترحة من الزاوية السياسية, ايها تتيح له فرصة للصعود, وايها يتسم بقابلية استيعاب لاعبين جدد .. واختار الابن ولاية تكساس, وحزم حقائبه ثم رحل الى هناك ليستقر وليتزوج من بربارا, وليبدأ مشوارا ناجحا من المشروعات النفطية, وان كان نجاحه ليس مذهلا او باهرا على اي حال. وانخرط جورج في صفوف القوات المسلحة حيث سجل بطولات منح بسببها اوسمة, ثم خاض انتخابات الكونجرس عن تكساس وفاز فيها ثم عين سفيرا لبلاده في الصين, ورئيسا للمخابرات المركزية, ثم نائبا للرئيس في ولايتين متعاقبتين للرئيس الاسبق رونالد ريجان. وخلال هذا المشوار لم يغفل جورج هربرت ووكد بوش عن تطبيق احد اهم الدروس التي تعلماها من ابيهما بريسكوت على مائدة العشاء كالعادة .. ذلك هو ان بناء شبكة من الثقافة امر ضروري للنجاح, ففي الجامعة انضم جورج الى جمعية اخويه سرية بين الطلاب تسمى (الجمجمة والعظمتان). قد يكون الاسم طفوليا, ولكنهم كانوا طلابا على اي حال, رغم هذا فان هذه الجمعية كانت تشترط بين اعضائها التآخي والتعاضد على نحو اعمى ربما انها كانت تعلمهم قواعد السرية المطلقة والثقة في بعضهم البعض فقط. ويقال ان هذا النوع من الجمعيات الذي يتواجد في الجامعات الراقية فحسب انما هو تطبيق حي لاتفاق غير مكتوب بين بعض عائلات الصفوة في المجتمع الامريكي, وان الغرض منه هو ضم اعضاء جدد ممن يتوقع لهم مستقبل بارز خصوصا في عالم السياسة, وذلك للابقاء على تواجد ثابت تقريبا لهذه العائلات داخل ذلك العالم. وتمضي آلية عمل هذه الجمعيات وهي آلية لابد ان ايدي خارج الجامعة هي التي تركها ـ عبر اسلوب مبسط, اذ يبدأ الاول بتشكيل نوية من ابناء العائلات المعروفة, ثم يدرب اعضاء هذه النوية على اختيار اعضاء جدد, الا ان الجمعية لا تقبل اي عضو جديد الا بعد موافقة كل اعضائها وبشرط ان ىكفله اثنان من هؤلاء الاعضاء خلال فترة اختبار مدتها عام واحد على الاقل, فاذا اجتاز العضو المرشح تلك الفترة, واذا لم يعترض على عضويته احد, فانه يضم الى المنظمة في طقوس ثابتة, يقسم فيها على التعاضد مع بقية (الاخوة) مهما كانت الظروف, وعلى الحفاظ على سرية عمل المجموعة في كل الاحوال. ويمكن للمرشح الجديد الا يكون ابناً لاسرة معروفة, ولكن من الضروري ان يكون لامعا, ذا مواهب تؤهله في المستقبل للعب دور بارز في الحياة العامة. وخلال فترة تدريب, ثم عضوية, هذا القادم الجديد يكتسب بصفة تدريجية نمط التفكير الذي يريدونه له, ولا بأس بعد ذلك من ان تدفعه العائلات المعروفة بدعم من خلف الستار لاحتلال مواقع بارزه, اذ انه يحمل من الآراء ما ارادوا له ان يحمل, ثم انه محاط بشبكة من العلاقات (الاخوية) التي تضمن انه سيرفع معه الكثيرين من ابناء العائلات الى مواقع مؤثرة تحيط به. كثيرون من المعروفين على الساحة السياسية الامريكية (تخرجوا) من هذه الجمعيات الغامضة, افريل هاريمان, وابناء ركفللر, وابناء بوش, وابناء كنيدي وريتشارد نيكسون, وآخرين وفي كل الاحوال فان جورج هربرت الذي كان اول (بوش) يختار لعضوية احدى هذه الجمعيات سيثبت في وقت لاحق انه كان رهانا رابحا, فقد اصبح في العام 1980 نائبا لرئيس الجمهورية, ثم اصبح في العام 1988 رئيسا للبلاد. وخلال مشوار جورج حافظ بصرامة على قسم الولاء (لاخوته) منذ كان طالبا, فمن يتأمل من احاطوا بالرئيس, منذ كان مديرا لوكالة المخهابرات المركزية, سيجدهم اغلب الظن من رفاقه ايام الدراسة, أو ممن رشحهم له ـ بضمان شخصي ــ هؤلاء الرفاق, ويقال ان التزام جورج الصارم بالسرية المطلقة ايام كان طالبا ضمن له دعم العيون الساهرة على تكوين وتطوير هذه الجمعيات الخاصة كي يصبح بعد ذلك مديرا لوكالة المخابرات المركزية. فضلا عن هذا فان هذه النشأة الخاصة اثرت إلى حد كبير في اسلوب الحكم الذي اتبعه جورج, اذ انه كان يميل بصفة دائمة إلى انجاز المهام في سرية, وبالاعتماد على (مبعوثين شخصيينش وليس على القنوات الدبلوماسية المعتادة, فقد واب الرجل, حين كان رئيسا, على الاحتفاظ بورقة ثابتة في يده, هي ورقة هذه الدبلوماسية الشخصية, اذ كان يترك القنوات الرسمية المعتادة تعمل كما تعودت ان تعمل دائما, فاذا اختفقت, او اذا كان الامر يتطلب من البداية الابتعاد عن هذه القنوات, كان الرئيس يطرح آنذاك ورقته الخاصة. ثم ان قناعات جورج بوش ـ الاب كما يسمى ـ اتسمت دائما بالثبات المبدئي, فيما اتسم اسلوبه في تحقيق هذه القناعات بالمرونة البراجماتية, ذلك ان جورج بوش سيذهب في التاريخ باعتباره احد اكثر الرؤساء الامريكيين عنادا, ورغم ان الكثير سيكتب بعد عن الملابسات التي ادت بشخص لا ينتمي إلى الصفوة مثل بيل كلينتون إلى الحاق الهزيمة بجورج بوش في انتخابات العام 1992 الا ان ما هو مؤكد الان ان (الاب) غادر البيت الابيض وهو ينوي ان يعود اليه عن طريق احد ابنائه, لا لمجرد تصفية الحساب مع كلينتون فحسب, ولكن لمد خط الاسرة ـ مرة أخرى ـ إلى البيت الابيض. وواقع الحال ان ابناء جورج بوش باستثناء واحد فقط هو جب حاكم ولاية فلوريدا الحالي, لم يظهروا اية مهارات خاصة تكمل مثلث الثروة والنفوذ, اي تقدم عنصر القدرات الذاتية, فالثروة كانت موجودة, ليس بصورة مبالغ فيها, ولكن بقدر كاف على اي حال, والنفوذ كان في ذروته, فليس هناك على الساحة السياسية الامريكية الان من هو اكثر نفوذا من جورج بوش الاب, ولكن من من الابناء لديه الحكمة والجلد والمواهب القيادية؟ لدى جورج وبربارا بوش اربعة ابناء هم: جورج دبليو (الرئيس الحالي), وجب (حاكم ولاية فلوريدا), ومارفين ونيل, والاخيران مارفين ونيل, بقيا في مجال البزنس الذي كان الفرسان الاربعة قد بدأوا حياتهم في شعابه, وذلك قبل ان يغادرها جورج دبليو وجب إلى دنيا النفوذ.. السياسية. ابن ابيه ورجال الرئيس ويقول من يعرفون اسرة بوش جيدا ان جورج هربرت (الاب) حافظ على عادة مائدة العشاء بصورة ثابتة فقد دأب على جمع ابنائه كل مساء, والحديث بصورة عادية, اي دون محاضرات أو مداخلات, كان الابناء يعرفون من هذه الثرثرات الاسرية العادية (طريقة تفكير) الاب, وكان يدركون الاوزان النسبية للامور, خاصة وان الجد, حتى موته, كان يشارك الاسرة, مطالبا الجميع بأن ينادونه (السناتور) كما اسلفنا. ويضيف هؤلاء المقربين من اسرة بوش ان جورج دبليو, الابن الاكبر, كان اكثر الجميع ميلا للمزاح, فقد كان (ابن نكتة) كما يقولون, ورغم انه كان اقل الجميع ميلا إلى المواضيع النظرية (وقضايا المثقفين) اياها, الا انه اتسم مع ذلك بحس عملي مرهف, فضلا عن انه كان اكثر الجميع التصاقا بوالده, اذ يقول اصدقاء العائلة ان جورج دبليو يحفظ عن ظهر قلب مقولات والده, وهو (مرجع) في تاريخ الاب السياسي, حتى ان الاب عادة ما يسأل ابنه الاكبر اسئلة من نوع (من هو عضو الكونجرس هذا الذي دعمنا في ولاية لويزيانا؟) وبسرعة يعطي الابن لابيه اسم عضو الكونجرس وملخصا بمواقفه من الاب وتاريخ كل منها. ترعرع جورج دبليو على قناعة ان والده مصيب دائما, وتقول جريدة (واشنطن بوست) في سياق تحليلها للعلاقة بين الرئيس الجديد وابيه ان جورج دبليو (كان توأما دائما لارضاء ابيه, وفعل ذلك عبر طريق مختصر: ان يقلد الاب حسب قوله الجريدة. ويضيف بيل ميننيتاجلو المحرر السياسي بصحيفة (دالاس مورننج نيوز) ان جورج دبليو امتص كل حرف علمه له اباه, وكان اهم ما علمه الاب لابنائه ان يفكروا في خطوط مستقيمة, انها اسرة عملية, فهم ينظرون إلى الاشياء والاشخاص من زاوية نفعها أو ضررها, ليس على المدى القصير, ولكن على المدى الابعد, انهم يفكرون بعقلية استثمارية ولكن في مفردات سياسية, ذلك انهم رجال اعمال في نهاية المطاف. رغم ذلك فان ايا من ابناء جورج هربرت بوش لم ينجح بصفة بارزة في مجال الاعمال, فقد بدأ الابن الاكبر ـ جورج دبليو ـ مسيرته في دنيا الاعال وهو في السابعة والعشرين من عمره حين ذهب ليعمل في شركة (آلاسكا انترناشيونال اندستريز) في ولاية آلاسكا, وكانت هذه الشركة متخصصة في مجال تأجير الطائرات الخاصة الصغيرة. وكانت وكالة المخابرات المركزية التي قادها جورج بوش الأب ــ أحد أبرز زبائن تلك الشركة, وبعض أبرز شركات النفط العاملة في آلاسكا. وبعد تدريب أولي في شركة (آلاسكا انترناشيونال اندستريز) عاد جورج دبليو إلى تكساس وأسس في العام 1977 شركته الأولى (آربستو اينرجي) كان الخط العام الذي علمه الأب للأبناء هو ألا يخاطر أي منهم بماله إلا في أضيق الحدود, فإن استدعى مشروع معين قدراً أكبر من المال, فإن صلات الأسرة كفيلة بتدبير الممولين, ولم يكن هؤلاء الممولون يترددون في المشاركة على أي حال, فالأسرة معروفة بنفوذها. وهكذا استثمر جورج دبليو 50 ألف دولار فقط لاغير في تأسيس آربستو اينرجي, وحين قررت الشركة الحصول على امتياز للتنقيب في تكساس وبدء عمليات الحفر بحثاً عن البترول, دعي جورج دبليو في تكساس وبدأ عمليات الحفر بحثاً عن البترول, دعا جورج دبليو مستثمرين آخرين للمساهمة في تغطية نفقات الامتياز والحفر, إلا ان المشروع لم يسفر عن العثور على أي بترول. وفي العام 1984 وصلت الشركة إلى حافة الانهيار, ولكن الاتصالات العاجلة التي قامت بها الأسرة اسفرت عن عرض مفاجئ لشراء (آربستو اينرجي) بواسطة شركة تدعى (سبكترم 7), وهي شركة متخصصة في الحفر أيضاً, ولم يكن لدى (أربستو اينرجي) آنذاك إلا معدات للحفر ولا شيء آخر, وتم حساب قيمة (أربستو إينرجي) بصورة مبالغ فيها مقابل ألا تدفع (سبكترم 7) إلا قدرا محدود جداً من المال, فيما تعطي اصحاب (آربستو) بقيمة الثمن على هيئة أسهم في (سبكترم) وبعد عامين تم (تدبير) مشتر لسبكترم حيث استحوذت عليها شركة (هاركن اينرجي) ولأن جورج دبليو كان أحد ملاك سبكترم عبر الملابسات التي أوضحناها, فقد عين في مجلس الادارة التابع لشركة هاركن مقابل راتب 120 ألف دولار, وحصة من أسهم هاركن تبلغ قيمتها 530 ألف دولار. وهكذا تمكن جورج دبليو من تأسيس مشروع فاشل, ومن تحقيق ربح ــ رغم ذلك ــ بلغ 10 أضعاف استثماره الأصلي (50 ألف دولار) خلال 8 سنوات, ومن الحصول على وظيفة استشارية تدر عليه 120 ألف دولار سنوياً. ولان جورج دبليو تلقى نصحاً من أبيه بعدم بيع أسهمه في هاركن التي بلغت قيمتها 530 ألف دولار ــ كما أسلفنا ــ عام ,1987 فانه لم يبع الأسهم, وبقي في موقعه الاستشاري في مجلس الادارة, وفي العام ,1990 بل وفي يونيو من ذلك العام على وجه التحديد ــ باع جورج دبليو هذه الأسهم مقابل 848 ألف دولار, بعد ذلك بشهرين قامت القوات العراقية بغزو الكويت, وانهارت أسهم شركات النفط, بما في ذلك أسهم هاركن التي سجلت 20 مليون دولار خسائر بنهاية العام ,1990 ولكن جورج دبليو كان قد (نفد بجلده) كما يقولون. ولابد ان الأمر بدا مريباً فقد بدأت هيئة الرقابة في سوق الأوراق المالية الأمريكية تحقيقاً في الواقعة, اذ كيف (تصادف) ان باع جورج دبليو اسهمه في شركة نفطية قبل شهرين فقط من الغزو العراقي للكويت ومن ثم انهيار أسعار أسهم تلك الشركة, بل وكل شركات هذا القطاع. إلا ان رئيس هيئة الرقابة هذه كان يدعى ريتشارد بريدن, وعند فحص قائمة مساعدي الرئيس جورج بوش في نهاية السبعينيات سنجد نفس الاسم مدرجاً على تلك القائمة, كان ريتشارد بريدن احد رجال الرئيس .. وتم حفظ التحقيق في قضية بيع أسهم هاركن بسبب عدم وجود أدلة على ان تصرفات غير قانونية. القصة (تقبل قولان) كما يردد البعض, فمن كان يعرف من الأصل (فيها) ان العراق سيغزو الكويت؟ قد يكون الأمر محض مصادفة, وهو أغلب الظن كذلك, ولكن هناك احتمال ــ ولو صغير ــ آخر يدعو الى التأمل, ذلك هو احتمال أن يكون جورج دبليو قد تلقى (نصيحة) ما بالخروج الآن من قطاع النفط لأنه مقبل على (تقلبات ما). المهم ان جورج دبليو حفظ أرباح أسهم هاركن في حساب مصرفي خاص, ثم اقترض 600 ألف دولار من المصارف بسعر فائدة منخفضة نسبياً (بسبب مصداقية العميل) ليشتري بها 1.8% من ملكية فريق البيسبول المعروف (تكساس رابز) كانت هذه الحصة تساوي أكثر بكثير من 600 ألف دولار خصوصاً وان الفريق كان على وشك التعاقد مع عدد من أبرز اللاعبين, فضلاً عن مسلسل من العقود الاعلانية الضخمة كان في سياق التفاوض آنذاك, وبعد خمسة أعوام باع جورج دبليو حصته في الفريق التي اشتراها بـ 600 ألف دولار بمبلغ 15 مليون دولار! وفي العام ,1998 وطبقاً لأرقام مصلحة الضرائب الأمريكية, بلغ دخل جورج دبليو 18.5 مليون دولار سنوياً, دفع عنها ضرائب تبلغ 3.77 ملايين دولار, وقد جاء أغلب هذا الدخل من حسابات استثمارية طويلة الأمد, وظف أغلبها في سوق الأوراق المالية .. كانت السفينة قد انطلقت ــ ببعض العناء وبكثير من (النصائح) والمساعدات ــ ليصبح جورج دبليو ثرياً, من استثمار أصلي لم يزد عن 50 ألف دولار. أما جب, الابن الثاني, فقد نصحه أبوه بالتوجه الى فلوريدا وذلك فور انهائه دراسته الجامعية, كانت فلوريدا تتميز بوجود شبكة قوية من مؤيدي جورج بوش, خاصة في صفوف الجالية الكوبية المعارضة لكاسترو ذات العدد الكبير. وفور وصول جب الى ميامي وجد في انتظاره آرماندو كودينا, أحد أبرز أفراد هذه الجالية, وأحد أبرز رجال الأعمال في فلوريدا, كان كودينا متخصصاً في مجال العقارات, وقد أسس شركة إضافية منح نصفها لجب بوش فيما احتفظ هو بنصفها, وذلك دون ان يستثمر جب سنتاً واحداً من جيبه. ولم يضع جب وقتاً, فبعد فترة وجيزة قرر أن يخوض انتخابات حاكم الولاية بدعم مفتوح من آرماندو كودينا وذلك في العام ,1994 إلا انه خسر بفارق ضئيل أمام منافسه الديمقراطي لاوتن تشيلز, وعاد جب الى (شركته العقارية, ليحقق 2.4 مليون دولار, ربما بين انتخابات 1994 التي أخفق فيها, وانتخابات 1998 التي ربحها, ليصبح حاكماً لولاية فلوريدا. وسوف نلاحظ مثلاً ان جب بوش جعل من شركة آي.بي.إم لصناعة الكمبيوتر على حق بيع بناية كبيرة تملكها الشركة في منطقة بوكاراتون وذلك قبل انتخابه حاكماً بعام واحد, وقد باع بوش البناية لمارك جوزيتا, مهاجر أمريكي جنوبي آخر, بـ 46 مليون دولار, وكان جوزيتا أحد أكثر المتبرعين سخاءً في حملة جب بوش للفوز بمقعد حاكم الولاية, ثم اتضح السبب بعد ذلك بعام واحد, حين باع جوزيتا نفس البناية بمبلغ 140 مليون دولار, أي بنحو 3 أضعاف السعر الذي اشتراها به! وفي فلوريدا تزوج جب من مهاجرة كوبية تنتمي الى أسرة ثرية, وأنجب منها ابناً يبلغ الآن الرابعة والعشرين من عمره ويدعى ــ ايضاً ــ جورج بوش, وجورج بوش ــ الحفيد ــ يتحدث الاسبانية بطلاقة, فقد ورثها عن أمه, وهو ذو ملامح لاتينية واضحة, ويقال الآن انه سيصبح ذات يوم الحدث الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة وذلك حين يرشح نفسه للرئاسة, ليصبح ثالث (بوش) يدخل البيت الأبيض, وأول رئيس أمريكي يحمل في عروقه دماء (لاتينية). وواقع الحال ان جب بوش هو أذكى أبناء جورج بوش الاب وأكثرهم جدية وثقافة وقدرة على الاقناع وكان الجميع في الولايات المتحدة يتوقعون أن يكون جب بوش هو مرشح العائلة الثاني للبيت الأبيض بعد جورج بوش الأب, الا ان اخفاق جب في انتخابات فلوريدا عام 1994 دفع بالأب الى تعديل خططه, ففي ذلك العام ذاته كان جورج دبليو يفوز بمنصب حاكم ولاية تكساس. ويقول أصدقاء أسرة بوش ان الرئيس السابق بكى حين فاز جورج دبليو بمقعد حاكم تلك الولاية, وانه اعطى ابنه مفتاحاً ذهبياً كان بريسكوت بوش قد اعطاه لجورج, وقد فهم الجميع من هذه الإشارة ان جورج بوش قرر أن يضع مستقبل الأسرة السياسي في يد ابنه الأكبر وليس ابنه الأذكى. أما الابن الثالث, مارفن, فهو يعمل عضوا في مجلس ادارة (فريش ديل مونت بروديوس) وهي شركة لانتاج الخضروات في جنوب فلوريدا, وقد احتل مارفن ــ الذي لايحب الاضواء ــ موقعه هذا باعتبارها مديراً في شركة (ويسنتون بارتنرز جروب) الاستثمارية, ومقرها في فيرجينيا, الا ان اللافت للنظر ان شركة (فريش ديل مونت بروديوس) تخضع لادارة أسرة عربية هي أسرة (أبو غزالة). أما الابن الرابع نيل فقد عمل في الثمانينيات مديراً لمصرف سلفيرادو للمدخرات والقروض, فيما أسس في الوقت نفسه شركة للتنقيب عن النفط تدعى (جيه ان بي اكسبلوريشن) ومن موقعه كمدير لبنك سلفيرادو, صرف نيل 100 مليون دولار كقرض لشريكيه في تلك الشركة, بعد ذلك بقليل أعلن الشريكان افلاسهما فيما (الشريكان) كانت ديونها للبنك تقدر بنحو 132 مليون دولار (القرض الأصلي بالاضافة الى قرضين اضافيين صغيرين والفوائد المترتبة على القروض الثلاثة). ونظراً لغرابة الموضوع تم تحويل نيل للتحقيق, فحكمت اللجنة بأنه لم يطبق القواعد بالحزم المطلوب, وفرضت عليه غرامة قيمتها 50 ألف دولار, ولم يستأنف مارفن الحكم بطبيعة الحال, وخرج نيل من المصرف ليؤسس شركة سماها (آبكس اينرجي) وذلك برأسمال مقداره مليونان وثلاثمئة وثلاثة آلاف دولار, اما ما دفعه نيل من هذا المبلغ فقد كان ثلاثة آلاف دولار, واما المليونان والثلاثمئة الف الاخرى فقد اقترضها من برنامج حكومي خاص يسمى (ادارة المشروعات الصغيرة), وبعد ذلك افلست آبكس, ولم تجد ادارة المشروعات الصغيرة الا معدات لا تتجاوز قيمتها بضعة آلاف من الدولارات لتحجز عليها مقابل قرضها. وبعد افلاس آبكس قدم الممول الامريكي المعروف ـ وصديق الاب القديم ـ بيل دانييلز وظيفة جاهزة لنيل في شركة انترلنك مانجمنت كوبريشن التي تقع في هيوستن, في نفس البناية التي اشترى فيها الاب مكتبا مريحا. هل يعد كل ذلك ـ في لغة السياسة ـ امورا استثنائية؟ انها الولايات المتحدة, وفي الولايات المتحدة كل الامور هي امور استثنائية بما في ذلك البيت الابيض.