بيان الاربعاء : عادة ما ينظر إلى الإنترنت باعتبارها لعبة الأثريا والمتعلمين التي تكتمل بها الصورة النمطية للغربيين وهم ويبحرون في غياهب الشبكة بحثا عن أحدث موضات الأحذية أو الملابس, وأحيانا بحثا عن أحدث الأخبار. لكن الأيام أثبتت أن الشبكة الدولية قد تلعب دورا حيويا في حياة بعض الفقراء الذين يفتقرون إلى أبسط أساسيات العصر الحديث, مثل الكهرباء ومياه الشرب النقية .. ناهيك عن أجهزة الكمبيوتر الشخصية . اليوم, يتولى مسئولو الإغاثة ربط المجتمعات الفقيرة في بعض المناطق النائية من العالم النامي بشبكة الإنترنت, بهدف مكافحة الفقر ومساعدة الناس على مساعدة أنفسهم. إذ أنشأ صندوق الزراعة والتنمية التابع للأمم المتحدة (إيفاد ) شبكات اتصال إقليمية مرتبطة بالإنترنت, من المقرر أن تصل قريبا إلى 2.1 مليون منزل في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية والكاريبي .فالامية لا يمكن مثلا ان تقف عائقا امام من يريد استخدام الانترنت, ولا الفقر, الامر الذي قد يبدو غريبا, ولكن (سريستي) وهي منظمة غير حكومية هندية تبدد هذا الاستغراب,فقد طورت نظاما خلاقا يستند كله على الصور والاصوات ويستطيع اي شخص لا يكتب او يقرأ ان يستخدم شبكة الانترنت من دون اي عائق. وقد صمم هذا النظام للفلاحين بشكل خاص وهو يوفر لهم المعلومات حول القضايا الزراعية ويمكن استخدامه في اي جهاز كمبيوتر, واذا واجه الفلاح مشكلة تتعلق بحشرات خاصة فتظهر له على الشاشة صور لنحو 20 محصولا يستطيع من خلالها اختيار النوع الذي تضرر من هذ الحشرة ويقوم ببعض الاختيارات عن طريق لمس الشاشة لتحديد صورة المحصول الذي يعنيه. وبعد ذلك يطلب منه عبر الشاشة انتقاء حشرة من مجموعة من الصور, ويقول اشواني كاول موتو من منظمة ايفاد التابعة للامم المتحدة التي ساعدت في تمويل هذا النظام يعلم ان الطماطم (البندورة) مثلا عادة ما تهاجمها 15 حشرة ولذلك تعرض على المزارع صور لهذه الحشرات. وعندما يحدد الفلاح الحشرة التي تلحق اضرارا بمحصوله يستمع الى تسجيل صوتي يخبره كيف يتخلص من الحشرات ويمكن تسجيل هذا التسجيل الصوتي والاستماع اليه من جديد في وقت آخر في البيت ويمكن الاستماع اليه باحدى اللغات المتسخدمة في الهند وعددها 36 لغة. اما الفقراء: فيقول اشواني كاول موثو مسئول التقييم بمقر إيفاد في روما (حيث بدأت فكرة المشروع التكنولوجي الطموح وتم إنجازه) ''لقد أدر كنا استحالة تجاهل عصر الإنترنت. واليوم, نرى بأعيننا الأثر البالغ للأدوات ذات الصلة بهذه التكنولوجيا الاتصالية الحديثة. مليار بدولار تقول الإحصائيات إن نحو مليار شخص تقريبا في المناطق الريفية في أنحاء العالم النامي لا يزيد دخل الواحد منهم على ما يعادل دولارا واحدا يوميا. وفي مسعى من إيفاد لتنمية هذه المناطق الفقيرة, يعمل مسئولو المنظمة الدولية على المضي في خطة ربط سكانها بطريق المعلومات السريع . وبفضل الشبكات الإلكترونية التي صممها متخصصون من المنظمة الدولية, سيتمكن الفقراء من تبادل تجاربهم وخبراتهم عبر خطوط التخاطب Chat Lines , علاوة على (تسويق) منتجاتهم الزراعية وتحديد أسعار بيعها عبر أسواق (إلكترونية). وفي قرية بوكاني الصغيرة النائية بأحدى غابات الأمازون المطيرة, يبدو عمدتها بيكاتي ري مقتنعا تماما بفوائد الإنترنت, فيقول ''أصبح بإمكاننا أن نعرف الكثير عن مجتمعات بشرية أخرى تناضل من أجل تحسين ظروفها''. والأهم من ذلك أن بإمكان القرية الأمازونية الفقيرة البرهنة على قيمة الارتباط بشبكة الإنترنت, بعدما فازت بصفقة رابحة لتوريد الزيوت الطبيعية إلى سلسلة متاجر (ودي شوب) المتخصصة في بيع منتجات التجميل الطبيعية. والمثير أن إبرام الصفقة وإجراء الاتصالات والمفاوضات .. كل ذلك تم عبر الإنترنت . ويؤكد خبراء التنمية أن تكنولوجيا الاتصال الحديثة توفر فرصة عظيمة للقفز من مرحلة الاقتصاديات المعتمدة على الزراعة إلى عصر المعلومات والتقدم التكنولوجي, دون الحاجة إلى المرور بمرحلة التصنيع فيقول موثو ''ماليزيا وبعض الدول الأخرى في جنوب شرق آسيا هي أمثلة حية على نجاح الدول ذات الاقتصاديات المعتمدة على الزراعة في الاستفادة من ثمار تكنولوجيا الاتصالات (الإنترنت). تبادل الخبرات وحين بدأ التخطيط لمشروع تطوير المناطق الفقيرة من العالم تكنولوجيا, قرر فنيو إيفاد البدء على مستوى محدود. فكانت خطوتهم الأولى في منتصف التسعينيات, تستهدف الربط بين جميع مشروعات التنمية التي تمولها منظمات الأمم المتحدة في أمريكا اللاتينية والكاريبي, بحيث يستطيع المشاركون في هذه المشروعات تبادل الرسائل فيما بينهم عن طريق البريد الإلكتروني. وجاءت النتائج مذهلة, إذ تمكن قادة المشروع من تبادل الخبرات والنصائح . وفي خطوة تالية, بدأ التحدي الحقيقي بتوفير خطوط الإنترنت لأناس لم يروا الكمبيوتر من قبل, ناهيك عن استخدامه. فيوضح موثو ''أردنا التقدم في مشروعنا الحضاري و أمام أعيننا هدف تطوير المجتمعات الريفية''. وتُرجمت نتيجة هذه الخطوة الجريئة في شكل شبكة اتصالات إنترنت تربط نحو 550 ألف منزل ريفي فقير في 16 دولة من دول أمريكا اللاتينية والكاريبي, وأطلق على هذه الشبكة اسم (فيداميريكا) يضيف موثو ''لم يكن لدى هؤلاء الناس أجهزة كمبيوتر منزلية أو غير منزلية فتقدمنا نحن, ووفرنا لهم هذه الأجهزة, ووفرنا لهم الكهرباء وخطوط الاتصال في القرى والكنائس والمدارس والمكاتب الإدارية, وفي بعض الأحيان في مكاتب البريد . كان هدفنا توفير الإنترنت مجانا للجميع بدء ا من مستوى القاع ". لكن وكما الحال في أي تجربة حضارية- لم يمر المشروع دون عقبات, فيقول موثو العديد من الأهالي لم يستطع تشغيل الأجهزة نتيجة الأمية. لكن هناك دائما شخص ما في القرية يعرف القراءة والكتابة, حتى أطفال الفلاحين كانوا يساعدون آباءهم وأمهاتهم. النسخة الآسيوية وجاءت النسخة الآسيوية من هذه الشبكة لتربط 250 ألف منزل فقير, تحت اسم " انراب .ENRAP " مما أتاح لعشرات المجتمعات الريفية المحرومة التخطيط لتحسين مستوى المعيشة, بناء على تجارب آخرين في مواقع مشابهة. وعن التجربة الآسيوية, يقول انريكو مونتانو مدير أحد المنظمات الأهلية المتعاونة مع برنامج انراب في الفليبين ''لقد نجحت شبكة انراب في إحداث تغيير مذهل على مستوى توفير معلومات أكثر سرعة ودقة وشمولا للمنظمات غير الحكومية, وللجمعيات التطوعية الخاصة في مينداناو. كما دعمت روابطنا بمنظمات أخرى في الفلبين وخارجها. أما أحدث إضافات شبكات اتصال إيفاد, فكانت في أفريقيا تحت اسم فيدافريك التي ستصل قريبا إلى نصف مليون منزل فقير, أغلبها في دول غرب ووسط أفريقيا الناطقة بالفرنسية. والحقيقة أن أغلب الأشخاص الذين تم ربطهم إلكترونيا بشبكة الإنترنت لديهم سبب محدد لاستخدام الشبكة. فمنهم من هي عضو في جماعات حقوق النساء الشغوفة بمعرفة المزيد عن سبل تطوير نشاطها, ومنهم الفلاحون البسطاء الحريصون على معرفة أحدث وسائل مقاومة الآفات الزراعية وتنمية المحاصيل . يقول موثو (إن الإنترنت توفر لهؤلاء البسطاء مصدر معلومات متجددا ليس له عندهم بديل. فقد يُعنى بعضهم بمتابعة أسعار سلع معينة, وقد يهتمون بالتعرف على الأسواق التي يمكنهم بيع بضائعهم فيها. فضلا عن المعلومات الفنية, مثل أفضل طرق تجفيف الأسماك وحفظها. تحضير المبيدات بالانترنت وظيفة أخرى ثانوية ــ لكنها حيوية ــ للشبكة التكنولوجية هي إتاحة فرص تبادل الخبرات بشأن قضايا بعينها, مثل إدارة الديون ومكافحة الآفات ''إنها فرصة غير عادية بالنسبة للفلاحين الفقراء كي يتبادلوا التجارب .. وإن كان بعض التجارب لا يمكن نقله'' يقول موثو, الذي لا يلبث أن يضيف موضحا ''فمثلا إذا كنا نتحاور بشأن تحضير مبيدات الآفات من الأعشاب الطبيعية, فإن الكميات وجرعات المستحضرات المناسبة لمنطقة زراعية ما قد لا تناسب منطقة أخرى. الجرعة الخاطئة قد تفتك بالمحصول كله, ومن ثم كان علينا اتخاذ تدابير وقائية. وتتمثل هذه التدابير التي يتحدث عنها موثو في توفير نوع من المداخلة الفنية عبر الشبكة, التي تصحح على الفور أي معلومات خاطئة قد يتبادلها مستخدمو الشبكة. أما الخطوة المقبلة للمشروع التكنولوجي فتتمثل في ربط شبكات الاتصال الإقليمية الثلاث ببعضها البعض, وإن كان اختلاف اللغات يشكل عقبة رئيسية على الفنيين تجاوزها. فالشبكة الآسيوية تخرج بالإنجليزية, ونظيرتها اللاتينية تستخدم الأسبانية, بينما تعتمد الشبكة الأفريقية على اللغة الفرنسية. ومن ثم يبحث المختصون في مقر إيفاد بروما حاليا إمكانية تطوير تكنولوجيا ترجمة فورية للتغلب على المشكلة . ويعترف مسئولو إيفاد بالمفارقة في أن يكون أغلب الأناس الذين تسعى المنظمة لتوصيلهم إلكترونيا بشبكة الإنترنت من الذين يفتقرون لأبسط الخدمات الأساسية في منازلهم وفي مجتمعاتهم. فيقول موثو ''لا شك أن تحديث البنية التحتية في هذه المجتمعات, مثل المدارس وخطوط المياه والرعاية الصحية, يجب أن تأتي في مقدمة الأولويات. لكن علينا أن نقر أيضا بقوة المعرفة, وبأن تبادل المعرفة قوة. الكهرباء مشكلة وفي رحلة حديثة إلى نيبال, التقى موثو -الذي يختص مكتبه بتقييم نتائج مشروع الإنترنت بأحد المستخدمين الذين يقيمون في قرية نائية لا يتوفر فيها الكهرباء سوى لنصف اليوم فقط. واشتكى آخر من أن الصور تستغرق وقتا طويلا جدا لكي تظهر على الشاشة, وشكا ثالث من صعوبة التعامل مع تقنية الكمبيوتر . ولتذليل المشكلة الأخيرة, تنظم إيفاد ورش عمل تدريبية لقادة الرأي في كل منطقة بحيث يستطيعون لاحقا تعليم الآخرين أساليب استخدام الشبكة . يقول موثو موضحا ''في الدول النامية, يضطر المبرمجون إلى تشغيل النظام على تردد أضعف, ومن ثم يستغرق الأمر وقتا أطول لإنزال الصور والملفات الإلكترونية الكبيرة. وفي دول أخرى, لا يتوفر سوى مصدر اتصال واحد لجميع مستخدمي الشبكة, مما يتسبب في (زحام إلكتروني) وتداخل الخطوط وصعوبة الوصول إلى المواقع المطلوبة على الشبكة. وعلى المستوى العملي, يجد الفنيون أن صعوبات الاتصال عن بعد باتت أقل مما كانت عليه بفضل التقدم الهائل في تكنولوجيا الأقمار الصناعية, وهو ما انعكس على تحسين الخدمات الاتصالية في العديد من بلدان العالم الثالث. وعن ذلك يقول الخبير موثو (هندي المولد) (إذا أخذت بلدي مثالا, فحتى في أبعد القرى ستجد خطوطا للهاتف هذه الأيام. قد تتوفر فقط في المدارس أو في الكنائس أو في المستشفى .. المهم أنك ستعثر دائما على خط هاتف تستطيع أن تستخدمه مقابل سعر محدد. الى الأمم المتحدة ولعل أحدث الإضافات التقنية لشبكات إيفاد, هو موقع جديد على الإنترنت يستطيع من خلاله المستخدم في المناطق الفقيرة الاستعانة بخبرة المتخصصين التابعين لمنظمة الأمم المتحدة, كما يستطيع من خلاله صناع القرار في الدول الممولة لمشروعات التنمية التشاور مع مسئولي إيفاد. ويوفر الموقع الإلكتروني دراسات عن موضوعات تتنوع بين أوعية الادخار ووسائل الاقتراض وتنقية المياه, علاوة على قائمة بمصادر معلومات مفيدة أخرى . ويؤكد موثو أن الفلاحين الفقراء في الدول النامية لم يظهروا أي خوف أو عداء نحو عالم الكمبيوتر الغريب والجديد عليهم, فيقول وجدنا الفلاحين بشكل عام مهيئين (نفسيا) لاستقبال أي تكنولوجيا جديدة والتعامل معها, بشرط أن تكون قائمة على قيم يفهمونها ويقبلونها. (ورلد نيوز لينك)