بيان الاربعاء: يعد الدكتور كمال فؤاد العضو البارز في قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني, احد الشخصيات الكردية المهمة والمعروفة على نطاق واسع داخل الوطن العربي وخارجه. ود. فؤاد الذي يشغل منصب نائب رئيس الاتحاد الوطني ومؤسسه جلال الطالباني, هو أيضاً احد منظري الحركة الكردية وأحد الذين عاصروا احداثها منذ فترة بعيدة, عندما خاضت تلك الحركة معارك متصلة للحصول على الحكم الذات, وحتى اندلاع الاقتتال الداخلي بين الحزبين الرئيسيين على الساحة في العام ,1994 حيث شارك الدكتور كمال فؤاد ولايزال في قيادة أعضاء الفريق التفاوضي لحزب الاتحاد الوطني مع خصمه اللدود الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي يقوده مسعود البارزاني ابن احد القادة التاريخيين للشعب الكردي الملا مصطفى البارزاني. في هذا الحوار الذي تم اجراؤه في فندق السلام أو (آشتى) باللغة الكردية, وهو أحد أهم الفنادق في مدينة السليمانية الواقعة في شمال العراق والتي تقع في منطقة نفوذ الاتحاد الوطني الكردستاني, يستعرض الدكتور كمال فؤاد تاريخ الحركة الكردية منذ نشأتها, وابعاث الوعي القومي لدى ابناء الشعب الكردي, منتقلا إلى الواقع الحالي وآفاق المستقبل. * لنبدأ أولا بالسؤال عن كيفية الانتقال من الثورة إلى الدولة؟ ــ من الأفضل ان نقوم بتحوير السؤال أو صياغته ليدور حول الانتقال من الجبل أو الثورة إلى الحياة المدنية الاعتيادية, فما لدينا في كردستان هو شكل من أشكال الادارة المدنية, ولم نتحدث حتى الان عن الدولة أو عن تشكيل دولة كردية مستقلة, أتصور أن طرح السؤال بهذا الشكل هو الأفضل, والموضوع عموما تم بهذا الشكل, بعد تلقي العراق الضربات من قوات التحالف بعد احتلال الكويت, هذه الضربات اضطرته إلى سحب الكثير من قواته من المناطق الكردية, ولم تستطع تلك القوات ان تبقى وتقاوم, وكانت تجد نفسها وحيدة بلا غطاء في كل مشكلة تحدث لها من المسلحين الاكراد, وفي النهاية قرر النظام الحاكم مع نهاية شهر اكتوبر عام 1991 سحب قواته واداراته إلى المدن الاخرى خارج كردستان, وهذا شكل مفاجأة بالنسبة إلى الكثيرين, وبعد ان تلقت قوات النظام العراقي هذه الضربات, ولم يستطع هذا النظام الحفاظ على تواجدها بالشكل المطلوب, ولا على الامن في المنطقة, قرر الانسحاب منها, ومن المناطق التي كانت تسمى في عهد الحكومات العراقية بمنطقة الحكم الذاتي, وعندما تم الانسحاب من تلك المناطق, حدث فراغ اداري, وكان لابد لنا ان نقوم بشغله, وهو ما حدث فعلا اذ قامت الجبهة الكردستانية التي تضم ثمانية احزاب بتشكيل ادارات مشتركة في كل المدن, نعم كان هناك تردد في البداية, ولكن ماذا نفعل؟ لقد قمنا بمحاولات كثيرة قبل ان نبدأ في التحضير للاستفتاء, لقد حاولنا قبل ذلك محاورة الحكومة المركزية من اجل التوصل إلى اتفاق, ولكن لم يكن هناك اية جدوى, فالتجارب مليئة بالفشل في هذا الاتجاه, وقد استمرت هذه المفاوضات من عام 1963 إلى ,1991 وانقطعت عدة مرات وتواصل القتال مرة اخرى, ولكن ظلت تلك المفاوضات بدون جدوى. هذه المباحثات بين السلطة العراقية والفريق الكردي استمرت نحو ثلاثة اشهر, وكان الرأي السائد في البداية هو ان يتم عرض النتائج على الشعب للاستفتاء, وبالفعل شكلنا لجنة لتنظيم ذلك الاستفتاء, ولكن في احد الاجتماعات التي عقدت في قرية (خلكان) يوم 22 ديسمبر عام 1991 تقرر تعديل العملية, فبدلاً من تشكيل لجنة الاستفتاء, تم اتخاذ قرار بتحديد مهام تلك اللجنة ليكون الاشراف على اجراء انتخابات, وقد تم تكليف هذه اللجنة ايضا بسن قانون الانتخابات, وبعد حوالي ثلاثة اشهر أو اكثر اي في بداية شهر ابريل تم الاتفاق بين جميع اطراف الجبهة الكردستانية على اجراء الانتخابات, وبدأنا بالحملة الدعائية والاعلامية للانتخابات, ووافقنا على اجراء تلك الانتخابات في 17 مايو 1991 ولكن هذا الموعد تأجل ايضا لمدة يومين إلى 19 مايو, ثم جرت الانتخابات في جو بهيج أشبه بالمهرجان الشعبي, فهذه التجربة كانت هي الاولى لاجراء انتخابات في كردستان, وكان البعض يتصور انه باجراء تلك الانتخابات يمكننا حل كل المشاكل, كان الفرح غامرا, وبالفعل فان كل المنطقة التي كانت تسمى بمنطقة الحكم الذاتي التي انسحب منها العراق كانت تعيش اياما بل اسابيع منذ اقرار الانتخابات إلى يوم اجرائها وكأنها في مهرجان بالنسبة لعامة الشعب, حتى الاطفال كانوا يخرجون إلى الشوارع راقصين ومبتهجين, لدرجة اننا كنا نخشى من ان يحدث هؤلاء الصبية ارباكا لما كنا نخطط له, فكل واحد من هؤلاء كان يقوم بعمل الدعاية الانتخابية لحزب معين بينما هو وأقرانه مازالوا صبية في سن المراهقة, واتذكر هنا اننا كنا في احدى المرات متجهين إلى (شقلاوة) ورأيت هناك ان هؤلاء الصبية يبالغون في الدعاة والاحتفالات, فقمت بالنزول من السيارة وسألتهم: لماذا تقومون بالدعاية هكذا وانتم لا تملكون اصلا في هذا السن حق التصويت؟ فرد علي أحد الصبية قائلا: اننا نقوم بذلك كي تمنحونا الحق في الانتخاب, وحدثت اثناء تلك الانتخابات أشياء طريفة جدا, منها مثلا ما حصل من بعض النسوة فكما تعرف ان النساء دائما يبالغون في التقليل من اعمارهم الحقيقية, ان هذا الامر معروف على مستوى شائع, الا ان الكثيرات خاصة الشابات, كن يحاولن الزعم بكبر اعمارهن كي يصبح من حقهن التصويت في الانتخابات, لقد كانت اياما بهيجة امتلأت بالاحتفالات ليلا ونهارا, وعندما اجريت الانتخابات, تم الامر بصورة منظمة, ربما يكون قد حدث خلل ما ولكن اللجنة المشرفة وهي أوروبية محايدة, قالت ان نسبة الخلل لا تتجاوز 3 %, وهذه النسبة ضئيلة جدا, لقد جرت تلك الانتخابات في اجواء هادئة ومعقولة, واعلنت النتائج عقب ذلك بثلاثة ايام أى يوم 22 مايو, ولكن لم تحصل معظم الاحزاب المشاركة على النسبة المطلوبة ما عدا الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني, والنسبة التي حصل عليها الحزبان كانت متقاربة جدا. ولهذا كانت كل الخطوات بالمناصفة بين الحزبين, بالاضافة إلى منح خمسة مقاعد للمسيحيين الآشوريين, وكان العدد في البرلمان يضم 105 أعضاء, وكانت كل المسائل المهمة والحساسة نتفق عليها مقدما قبل اجراء الانتخابات, على كل, سارت الأمور بشكل جيد, وبعد شهر تشكلت أول حكومة لاقليم كردستان, واتفقنا على تغيير تسمية اعضاء الحكومة من امناء إلى وزراء فأصبح لدينا رئيس وزراء و15 وزيرا من مختلف القوى على الساحة, وصار البرلمان يجتمع يوميا لاصدار القوانين الضرورية والغاء القوانين العراقية التي لا تتماشى مع اوضاعنا, وبشكل هادىء تحولت السلطة وشاركت فيها القوى الرئيسية بالاضافة إلى الاحزاب الاخرى التي لم تفز في العملية الانتخابية, وجاء تشكيل الوزارة كالتالي, رئيس الوزراء وكان من حزبنا (الاتحاد الوطني الكردستاني) ونائبه كان من الحزب الديمقراطي الكردستاني, بينما كان رئيس البرلمان من الديمقراطي ونائبه من حزبنا الاتحاد الوطني, اما بقية الوزراء فقد كان عدد المنتمين إلى الديمقراطي مساو لعدد من ينتمون إلى الاتحاد الوطني, وكان لكل وزير وكيل من الطرف الاخر, اضافة إلى اسناد حقائب إلى عدد من المستقلين, كانت الامور قد ترتبت بشكل جيد لكن فيما بعد اسيء استعمال التحالفات نظرا لقلة التجارب. ومنذ ان تشكلت حكومة الاقليم ثم البرلمان بعد ذلك بشهر اي في 14 اكتوبر 1992 قام البرلمان بسن قانون لتنظيم العلاقة مع الحكومة المركزية في بغداد, على ان تتم العلاقات على اساس فيدرالي وقلنا انه يجب ان يتم ذلك ضمن عراق ديمقراطي فيدرالي. لقد سارت الامور بشكل منظم إلى حد كبير, وهكذا انتقلنا من الجبل ومن حياة التسلح والحركات المسلحة في الجبال, من هذا الشكل إلى بناء حياة مدنية, وصارت لدينا حكومة لاقليم كردستان, وبرلمان يسن قوانين, وهكذا استمر الوضع إلى شهر مارس عام ,1994 ونتيجة لبعض الحوادث التي جرت في المدن الصغيرة من كردستان تطورت الاوضاع, ونشب القتال بين الحزب الوطني الديمقراطي والاتحاد الوطني الكردستاني, وحتى الان لم تعد المياه إلى مجاريها, ونحن حاليا نواصل الحوار الذي بدأناه منذ ثلاث سنوات, ونحاول التوصل إلى صيغة مقبولة من الطرفين وكذلك من الاحزاب الموجودة على الساحة الكردستانية, بما يصب في مصلحة الشعب الكردي والمنطقة, وقد قمنا بخطوات جيدة وايجابية في هذا الاطار, ولكن مازالت الخلافات حول المسائل الرئيسية باقية, مثل مسألة الانتخابات, وتشكيل الحكومة المشتركة, وتوحيد الادارات, ومسألة الواردات, وكذلك تطبيع الاوضاع في كردستان. * هذا يقودنا إلى تساؤل يطرحه اصدقاؤكم, اليس من حق شعب ظل طيلة عشرات السنوات في حروب مستمرة, وذاق فيها الأهوال, أليس من حقه بعد ان تولى ابناؤه ادارته ان يشعر بالاستقرار؟ ــ ان هذا هو املنا ورغبتنا ولكن هناك بعض الاسباب, منها ما هو داخلي ومنها الخارجي ايضا, هذه الاسباب تتحكم في الامر وتبعدنا عن الامل المنشود, ولكننا نواصل الحوار, والمشاورات والزيارات المتبادلة, على أمل ان نصل إلى اتفاق يخلصنا من الاقتتال الداخلي, ونحن منذ سنتين تقريبا لم نشهد أي اقتتال, ولكن المسائل التي اتفقنا عليها منذ البداية كتوحيد الادارات, مازالت معطلة حتى الان, واذا اردنا التحدث عن هذه الاسباب فان قسما منها داخلي, أما القسم الاخر فهو بسبب التدخل الخارجي, وليس بسبب الحكومة العراقية فقط فهناك الكثير من الدول الخارجية تنظر بحذر إلى تشكيل كيان كردي مستقل, لان تلك الدول تعاني من المشكلة الكردية لديها, ولو ان مطالبنا وشعاراتنا التي نرفعها لحد الآن تنحصر في عراق ديمقراطي موحد وبرلماني, وان يتم تنظيم العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد على اساس الفيدرالية, لكن ايضا هذه الدول تخاف حتى من هذه المطالب ايضا, وتمارس تأثيرا سلبيا على سير المفاوضات بين الاتحاد الوطني الكردستاني والحزب الوطني الكردستاني, ربما كانت هناك رسائل اخرى تأتي من جهات خارجية اخرى وتمارس كذلك دورا سلبيا ايضا. * بالنسبة لشعار الفيدرالية هناك من يقول ان الهدف الاساسي لكم هو قيام كيان كردي مستقل ومنفصل عن العراق, وانكم تطرحون شعار الفيدرالية وعينكم على الاستقلال التام, ان السؤال المطروح حاليا يدور حول مستقبل العلاقة مع بغداد؟ ما هي رؤيتكم لافاقها؟ ـ لايوجد كردي واحد لديه شعور وطني, لا يتمنى ان تستقل كردستان وتتشكل لها دولة كردية مستقلة وحتى موحدة تضم كل ابناء كردستان, لكن هذه كلها مجرد أمنيات, أما ما نطرحه حاليا ونرفع شعاره فليس يتعدى الفيدرالية, أما الحديث عن الاستقلال والانفصال فلم يعد هناك من يقوله, والان دلني على حزب كردي واحد في شمال العراق, يقول في برنامجه أو بيان اصدره أو تصريح ادلى به ان هدف الاكراد هو الانفصال وتشكيل الدولة الكردية المستقلة, رغم ان هذا من حق الشعب الكردي, وهو أمنية كل كردي وطني مخلص, ولكن هذا شعار غير مطروح لحد الآن. الخلاف الكردي ــ الكردي * ما هو تأثير الخلافات الكردية الكردية على وضع المعارضة العراقية, وما مدى صحة ما يقال عن أن هذه الخلافات كانت وراء اضعاف تلك المعارضة؟ ــ هذا صحيح, فهذه الخلافات لها تأثير سلبي على توحيد المعارضة العراقية, ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد, لقد كنا موحدين في السابق, وكان مركز المعارضة العراقية موجود في مدن (شقلاوة) و(صلاح الدين) و(أربيل) في كردستان العراق, وكانت الأمور تسير بشكل جيد, ولكن كانت هناك عوامل أخرى وقتذاك, فقد كانت المعارضة مشتتة ولأسباب رئيسية ومهمة, فالمعارضة العراقية تتشكل أولاً من القوى القومية العربية, وأنا أتكلم بصورة عامة عن هذه القوى القومية العربية لأن أعضاءها منقسمين على أنفسهم, وثانياً من الأحزاب الإسلامية, وأيضاً هناك أحزاب اسلامية كثيرة, ولكن بشكل عام تتشكل المعارضة من تيار قومي عربي, وتيار إسلامي, وتيار كردي, وتيار ليبرالي ديمقراطي, التيار الليبرالي الديمقراطي مع التيار القومي الكردي, وأنا أقصد بالقومي الكردي معناه الديمقراطي والتقدمي وليس بمعنى التعصب القومي, ما أقصده هو القومي الكردي التحرري, ومع التيار الليبرالي يتم الاتفاق على كثير من المسائل, ولو أن هذا التيار الديمقراطي الليبرالي ليس قوياً إلى درجة القول انه مؤثر على الساحة العراقية, ولكن نظرياً التيار الكردي مع التيار الليبرالي الديمقراطي, الوشائج أو العلاقات وامكان تحالفهم واتفاقهم على كثير من المسائل, أسهل من الاتفاق بين الأطراف الأخرى, فالتيار القومي العربي فيه ايضا اتجاهات مختلفة لكن بشكل عام فانهم يريدون تغيير النظام ولكن مع الاستمرار في سياسة قومية متطرفة, مثل حزب البعث العراقي وكذلك مثل أحزاب القومية العربية الأخرى, في البلدان الأخرى مثل سوريا, طبعاً من حقهم الوصول إلى الحكم, ولكن هذا التيار القومي العربي لا يريد أن يشاركه أحد في السلطة, ولو انهم يقولون الآن غير ذلك, ولكن هذا الاتجاه معروف, انهم يريدون دائماً استئثار السلطة لأنفسهم, وكذلك التيار الاسلامي, والمنتمين اليه لا يمكن أن يقبلوا بأي شريك, ان هذين التيارين القومي العربي والاسلامي لو كان الأمر بيدهما ما قبلوا أبداً بأي شريك, وهذا الشيء واضح جداً حتى في الاجتماعات التي كانت تعقدها المعارضة العراقية, رغم أن أحدا منهم لا يجرؤ على قول ذلك صراحة, أولاً لأن هذا القول غير مقبول, وثانياً لأنه مستحيل التنفيذ على أرض الواقع, ولكن أنا متأكد انه لو تغيرت الأوضاع في العراق, فان التيارين القومي العربي والاسلامي سيحاولان الاستئثار بالسلطة بعد فترة وجيزة, ولكن الشيء المعروف لدينا ان التيار الكردي مع التيار الليبرالي الديمقراطي من الممكن أن يتعايشا, وان يتعاونا, ومن ثم يشكلان ادارة وطنية مستقلة ديمقراطية, والقبول بهذه المسائل تحتمله التطورات التي تجري في المنطقة وفي العالم, حيث لا بديل عن التعايش, وإذا تخلت القوى الإسلامية والقومية المنتمية للقومية العربية عن فكرة الاستئثار اللاواقعية والتي أثبتت التجارب السابقة فشلها, إذا ما تغيرت هذه الأفكار بشكل ديمقراطي وبقبول المشاركة مع الآخرين وتشكيل ادارة مشتركة, فان الخلافات ستكون قد قاربت على الانتهاء, أما عدا ذلك فان الخلافات ستظل حتى لو توحدت القوى الكردية, وتجاوزت خلافاتها. أي ان القضية ليست محصورة في الخلافات الكردية, كمسئول عن اضعاف المعارضة العراقية, وأنا لا أقول ان الخلافات بين صفوف الحركة الكردية لم يكن لها تأثير على المعارضة العراقية, لا فهي أثرت وبشكل سلبي, ولكن ليس هذا هو السبب الوحيد, والخلافات بين التيارين العربي القومي والاسلامي من ناحية والتيارين الكردي والليبرالي الديمقراطي أكثر بكثير, وكان لها أيضاً التأثير السلبي على المعارضة العراقية. * في رأيك هل يمكن حدوث انتقال للسلطة في العراق بأسلوب هادئ؟ ــ إشعال الحرب الأهلية في العراق شيء متوقع, هذا في رأيي, طالما ان هذه الأفكار مسيطرة على التيارات الأخرى, حيث يريد كل تيار القفز الى السلطة وابعاد الآخرين عنها, فان هذا الشيء المؤسف يصبح متوقعاً, ولكن إذا افترضنا تغير الأوضاع في العراق, فانه من الممكن خلال فترة وجيزة تشكيل حكومة انتقالية, حكومة يتفق على انها انتقالية وليست إلى أبد الآبدين, ويكون من مهامها تنظيم الانتخابات تحت اشراف دولي ويجب أن تدعم تلك الحكومة من جانب كافة القوى الوطنية المخلصة في العراق, ومن القوى الخارجية الحريصة على استقرار الوضع في العراق والمنطقة, وبالدرجة الأولى تعتمد على سياسة هذه الحكومة أو الادارة الانتقالية, وحتى إذا تم تمديد الفترة من سنة إلى سنتين أو حتى ثلاث سنوات. لذلك هناك ضرورة للتخلي عن هذه المحاولات الانفرادية, التي تريد السلطة لها وحدها, وإذا تم ذلك, فان هناك امكانية لاستمرار الاستقرار في العراق, والانتقال الى ادارة مدنية وحضارية, والا فان احتمالات نشوب حرب أهلية في العراق سيظل أمرا واردا جداً. الجماعات السياسية والعرقية * كيف استوعبت التجربة الكردية كل ألوان الطيف السياسي الموجود على الساحة في كردستان؟ ــ لأننا جميعا في الهم شرق, فالظروف اجبرتنا ان نتعايش, وجميع الاحزاب الكردستانية مهما اختلفت اتجاهاتها متفقة على ذلك, لاننا عانينا من الاضطهاد القومي ليس لمدة سنة أو سنتين بل لعدة قرون, نريد ان نتعايش مع القوى الأخرى, ولذلك فان تقبلنا للديمقراطية والتسامح هو نتيجة لما تعرضنا له من اضطهاد قومي ظل يلاحقنا لمئات السنين, قد يكون قبول المجتمع الكردي التعايش مع الآخرين يعود لأسباب نفسية, ربما حتى ان المجتمع الكردي يتكون ايضا من جماعات اثنية وعرقية ودينية, فلدينا الكاكائيين واليزيديين, ولدينا ايضا الاحزاب وأصحاب الاتجاهات السياسية مثل الشيوعيين والاسلاميين, لابد ان نقبل بالتعايش معاً, ومع الأحزاب التي تؤمن بضرورة ذلك وقد يكون هناك حزب كردي قومي أو إسلامي متطرف, ولكن الاتجاه الاسلامي والكردي السائد (الحركة الاسلامية ــ الاتحاد الوطني الاسلامي) ممثل في هاتين القوتين الرئيسيتين الى جانب التيارات الأخرى في كردستان العراق, ولكن لايوجد لدى القوتان الرئيسيتان هذا التوجه المتطرف, وليس لديهما أية مشاكل, اما هذه الجماعات المتطرفة, سواء أكانت قومية أو دينية فلا يوجد لها شعبية داخل كردستان العراق, وبالنسبة للأحزاب السياسية فهذا الاتجاه هو السائد, وكذلك الأمر بالنسبة للأحزاب الاسلامية, ولكن تبقى هناك بعض الجماعات المتطرفة لكن لايوجد لها تأثير كبير على الشعب الكردي, ولهذا السبب فان الوضع مستمر, وان شاء الله فان الاتجاه الديمقراطي والحضاري يسيطر على عقول الناس. ولابد هنا أيضاً من الإشارة الى التركمان والكلدان, وهؤلاء ليس لدينا مشكلة معهم, فهم يشعرون بالأمان في مناطقنا على الرغم من التراكمات السابقة, فنحن معا نواجه عدو شرس, وهو عدو مشترك لجميع القطاعات, من جهة أخرى فان الأفكار المتحررة والانسانية تسيطر بشكل كبير على توجهات كافة القيادات الحزبية في منطقتنا, وبالطبع فان الأمر يختلف من حزب إلى آخر, ولكن بصورة عامة هناك سيطرة للاتجاه الحضاري والديمقراطي بصورة أكبر من سيطرة الأفكار المتعصبة القومية أو الدينية. * كيف تم الحفاظ على هويتكم وخصوصيتكم في ظل الظروف الصعبة التي تواجهكم؟ ــ هذه عملية متواصلة لها أبعاد تاريخية وجغرافية, لأن كردستان تعرضت في السابق لحملات الغزو, ولكن بقيت بعض المعاقل الجبلية التي لم تستطع أي قوة غازية أو أي دولة النفاذ اليها, ولهذا ظل لدى الأكراد ملجأ, ولحسن الحظ لم يكن هناك في الزمن الماضي من يستخدم السلاح الكيماوي والأسلحة المتطورة والا لاستطاع هؤلاء الغزاة القضاء علينا. الأكراد طيلة تاريخهم, كانوا ينسحبون الى المناطق الجبلية, وتحصنوا فيها, واستطاعوا هناك أن يحافظوا على صفاتهم القومية, وبتراكم التجارب منذ القرون السابقة, صار لدى الشعب الكردي وعي قومي, استطاع من خلاله ان يدافع عن هويته, وعن نفسه, لأنه كان يدافع عن حياته وعن وجوده. الأكراد والعرب * كيف تقيمون علاقتكم بالعرب, هل ترى أي تأثير طرأ عليها نتيجة لما حدث؟ ــ علاقة الأكراد والعرب قديمة, وقد بدأت منذ أوائل العصر الاسلامي, ان هذا تاريخ وله شواهد كثيرة, أما في الوقت الحاضر وفي العراق, فان دعوتنا الدائمة هي لتوحيد الكفاح المشترك بين الجماهير العربية والكردية ومن أجل تحقيق المطالبة الشعبية والوطنية مثل التحرر والاستقلال والديمقراطية, وفي الوقت نفسه كنا دائماً نسعى الى روابط جيدة واخوية مع كافة شعوب المنطقة, ولكن بتأثير الاسلام كانت الروابط مع الشعب العربي أكثر متانة وامتزاجا, وخاصة بالنسبة الى المناطق الكردية التي تقع تحت سيطرة حكومات عربية, لقد كان للدين الاسلامي تأثير كبير في ذلك, حتى ان بعض الاكراد البارزين الذين امتزجوا بالثقافة العربية صاروا قادة سياسيين وحكام دول ورؤساء حكومات في المناطق العربية. هذا العامل أثر بشكل كبير في تقدم الأكراد نحو بناء علاقات جيدة وحميمية مع العرب, وهذا الاتجاه موجود ايضا في داخل الحركة الكردية في الوقت الحاضر, وموجود ايضا لدينا بالنسبة للشعوب الأخرى, سواء للشعب الفارسي أو الآذري أو التركي, دائماً كنا نسعى الى تشجيع العمل الوطني المشترك وتوحيد الصفوف والجهود من أجل المصالح المشتركة, ولم نشعر لحد الآن برغم ما حدث ضد الأكراد من تجاوزات وعمليات عدائية, فلم نشعر في يوم من الأيام حتى عند الجماهير البسيطة بوجود عداء كردي عربي, حتى بالنسبة للعرب لم يكن هناك نظرة عداء تجاه الجماهير الكردية, فالحكومات التي كانت تضطهد الشعب الكردي, كانت في الوقت نفسه تمارس الاضطهاد ضد الشعب العربي ايضا, ورغم كل هذه المصائب فاننا في كردستان بصورة خاصة, وفي العراق بصورة عامة لم نشعر ان هناك وجود لعداء كردي ضد العرب أو عداء عربي ضد الكرد, بل على العكس كانت هناك علاقات حميمة, والمثقفون خاصة يشعرون بوجود علاقات جيدة فيما بينهم, وهناك مساع كردية مستمرة لتنمية هذه العلاقات, فتداخل العلاقات المشتركة ينعكس ايضا في الأدبيات الكردية منذ قديم الزمان في القصائد والمقالات, حيث يوجد اصرار على استمرار العلاقات الطيبة, وفي الوقت نفسه فان هذا الأمر يثير الفخر والاعتزاز وهذا ينطبق ايضا بالنسبة للشعراء العرب, فالشاعر العربي الكبير محمد مهدي الجواهري وله عدد من القصائد, منها قصيدة خاصة بالأكراد بعنوان (ياموطن الابطال) وهي عن كردستان, وهذه القصيدة لم يقل مثلها أي شاعر كردي عن الحركة الوطنية الكردية. ان هذا الامتزاج موجود بين العرب والاكراد, وتبادل المساعدات بين الطرفين ظل موجوداً في وقت الشدة, ولم نشعر في يوم من الأيام بعداء بين الشعبين. وما حدث للكويت وهي جزء من العالم العربي, على يد نظام الحكم, ونحن نشعر بنفس الشعور الذي يشعر به الكويتيون, وخاصة بعد تعرضهم واحتلال بلادهم من قبل العراق, رغم انهم دعموا العراق مادياً وبشكل كبير. وقد حاولنا منذ زمن طويل, توصيل صوتنا الى العالم الخارجي, ولكن مقولة ان الدنيا مصالح, تنطبق على السياسة, فمصالح هذه الدول لم تكن تسمح بالدفاع عن الشعب الكردي ولو من الناحية الانسانية.