بيان الاربعاء: من المعروف ان حكومة الولايات المتحدة حكومة مقيدة, وذلك وارد في طليعة مبادىء النظام الدستوري والتي تحدد وجود منظومة من القيود على ممارسة السلطة الحكومية. ومن اهم مبادىء الدستور الاساسية ذلك المبدأ الذي انشأه الشكل الرئاسي للحكومة, اي (مبدأ فصل السلطات) ويذكر مؤلفا كتاب (كيف تحكم امريكا) ماكس سكيدمور ومارشال كارتروانك ان الدستور ينص على وجود (منفذ) منتخب هو الرئيس, يرأس الفرع التنفيذي بوكالاته الادارية, ويتم اختياره مستقلا عن الفرع التشريعي اي (الكونجرس) وهو غير مسئول امامه. ويتمم هذين الفرعين (التنفيذي والتشريعي) فرع ثالث هو الفرع القضائي الذي ترأسه (المحكمة العليا), ويعد الكثيرون الفروع الثلاثة متساوية الا ان الدستور يخول الكونجرس السلطة المركزية اذا شاء ان يمارسها. وفي العقود الاخيرة زادت قوة الرئيس على قوة الكونجرس, ويذكر الكاتبان ان ثمة شيئا من التداخل الرسمي من قبيل دور (نائب الرئيس) الذي يشغل منصب رئيس مجلس الشيوخ مع انه عضو في السلطة التنفيذية, وثمة ضروب اخرى من التداخل غير الرسمي من قبيل الوظائف شبه التشريعية وشبه القضائية التي تضطلع بها وكالات تنفيذية كثيرة, وكذلك شغل الكثير من اعضاء الكونجرس لرتب عسكرية في جيش الاحتياط. وفي السنوات الاخيرة زادت سلطة الرئيس الامريكي زياده هائلة, ويرى الكاتبان انه قد يكون اكبر عيوب الشكل الرئاسي للحكومة هو تضخم السلطة اكثر مما ينبغي لا العجز عن ممارستها. ففي الشئون الخارجية برغم تخصيص سلطات متوازية وكوابح في يد مجلس الشيوخ, الا ان الرئيس الأمريكي يعد من اقوى مسئولي العالم سلطة فما هي سلطة الرئيس التنفيذية ومن هم صناع سياسته؟ الرئيس وصناع سياسته تقسم السلطة التنفيذية الفيدرالية لرئيس الولايات المتحدة الامريكية وفق الدستور المعمول به منذ عام 1787 الى قسمين: * اولا: الرئيس المنتخب ومرؤوسوه السياسيون, وهم عدد قد يصل الى الفين, يكونون تحت الهيمنة المباشرة للرئيس, ويشكلون معه القمة السياسية للفرع التنفيذي. * ثانيا: البيروقراطيات التي تخضع حاليا للاستئجار بموجب لوائح الخدمة المدنية على اساس الجداره غالبا لأعلى اساس الولاء. والرئيس هو الذي يشتغل الدستور نفسه بأمره اساسا, وسلطاته ومسئولياته محدده في المادة الثانية منه, فهي تنص بصراحة على ان : (السلطة التنفيذية تخول لرئيس الولايات المتحدة الامريكية). اما نائب الرئيس فهو اساسا صمام امان تحسبا لخلوات منصب الرئيس وليس لمنصب نائب الرئيس الا سلطة واحدة في حد ذاته وهي رئاسة مجلس الشيوخ, ولا يدلي بصوت فيه الا في حالة تعادل الاصوات, بل ان هذه السلطة ليست مذكورة في المادة التي تتناول السلطة التنفيذية, ولقد وصف أول نائب للرئيس في ذلك المنصب, وفق كتاب (كيف تحكم امريكا) بانه (اتفه منصب) يمكن ان يتصوره العقل اطلاقا), ونقل عن (جون تانس جارتر) وهو احد نواب الرئيس فرانكلين روزفلت قوله: (ان هذه الوظيفة لا تساوي شروى نقير). ونيابة الرئيس لا اهمية لها الا من حيث هي مرقاة الى المنصب الاعلى فقد خلف 13 نائب رئيس رؤساءهم في منصب الرئاسة, الا ان الرئيس هو المهيمن على ظروف نائبه, فهو يملك ان يعطيه قدرا كبيرا من المسئولية وفرص الظهور وان يعده ليكون خليفته, مثلما يملك ان يحبسه في زنزانة البيت الابيض). ونجد ان الدستور يمنح كل السلطة للرئيس فكل المشاكل من نصيبه وسلطاته مزيج من التحويلات الدستورية ومن اضافات تشريعية من جانب الكونجرس, واضافات اخرى وليدة العاده والصدفة ومن صفاته وقدراته الشخصية, ويتوقف دائما الشيء الكثير على قدرة الرئيس الشخصية على اقناع الآخرين وعلى البقاء فوق قمة الموقف وعلى حسن استخدام مكانته وسلطانه السياسي من غير أن يقحم سلطاته فيجاوز بها حدود احتمال الآخرين مما يسبب مجابهة, وهو يواجه مطالب كثيرة من هيئات ودوائر اساسية مختلفة. بيروقراطية وسلطات ويرى مور وكارتر وانك انه على الرئيس ان يتعامل مع بيروقراطيته هائلة الضخامة ويحول بينها وبين تقويض سياساته, وعليه ان يمنع كبار مستشاريه ورؤساء جهازه التنفيذي من الجنوح للاستقلال اكثر مما ينبغي, كما ان عليه ان يتعامل مع الكونجرس كمؤسسة, ويلبي المطالب الاضافية لاعضاء حزبه في الكونجرس, وكذلك اعضاء حزبه خارج الكونجرس الذين يتوقعون منه العون والمساعدة باعتباره الزعيم غير الرسمي للحزب. وكذلك يتوجه اليه مؤيدوه ومعارضوه الشخصيون ودائرته الانتخابية بالمطالب, كما يطالبه العالم الخارجي ايضا بالاعتبارات والمواقف ولذلك فهو وديوانه او مكتبه هدف لضغوط كثيرة من جانب معظم المجموعات ذات المصالح في الولايات المتحدة. يساعد الرئيس كبار الموظفين التنفيذيين في شتى المصالح (الوزارات) وديوانه التنفيذي, وهيئة معاونيه الشخصيين, ومجلس الوزراء وهو عادة مكون من نائب الرئيس ــ اذا اراد الرئيس ذلك ــ ورؤساء الادارات (الوزارات) وبعض الموظفين الهامين في البيت الابيض مثل مستشار الرئيس للأمن القومي, ويختلف تشكيل هذا المجلس باختلاف الرؤساء وهو لا يمكن ان يقارن بمجلس وزراء حكومة برلمانية. اما سلطاته المخولة له في الدستور للشئون الخارجية فأهمها سلطاته كقائد اعلى للقوات المسلحة مع الحق الضمني في الابتداء في العمليات الحربية وسلطته في عقد المعاهدات. ونجد ان سلطاته كقائد اعلى للقوات المسلحة زادت عندما اضطلعت الولايات المتحدة بدور هام ومهيمن في الشئون العالمية خصوصا في فترة ما بعد الحرب الباردة, فصار الرئيس طبقا لذلك زعيما عالميا اذ منحته تكنولوجيا الاسلحة في القرن العشرين ومقتضيات العصر النووي سلطات هائلة كان لا مفر من انعكاسها على زيادة القوة الداخلية, وممارسة سلطات السياسة الخارجية توازي ممارسة الكثير من السلطات الداخلية فالرئيس يقوم بالمبادرة والكونجرس يقوم برد الفعل. وتقضي مواد قرار سلطات الحرب لسنة ,1974 ان يبلغ الرئيس الكونجرس في مدى 48 ساعة اذا ما ارسل قوات الى أمة اخرى, وان يسحبها بعد ستين يوما مالم يقر الكونجرس تصرفه .. وينص القانون اكثر من هذا على ان الكونجرس يملك ان يملي سحب القوات اثناء فترة الستين يوما بأغلبية الاصوات التي لا تخضع للفيتو, وثمة صعوبات تكتنف هذا القانون بما في ذلك امكان اغراء الرئيس بتوجيه عمل عسكري قصير ولكنه بالغ التدمير لتحقيق هدفه قبل نهاية الستين يوما. وهناك بعد هذا قيود على الرئيس اولها ما يمارس على شخصيته وقدراته وهو يعوض ذلك باختيار موظفي الديوان التنفيذي للبيت الابيض, كما يخضع الرئيس لقيود اخرى كثيره بعضها تقليدي وبعضها منصوص عليه في الدستور وبعضها قررته الظروف. ويرى سكيدمور وكارتر وانك ان مصادر قوة الرئيس عظيمه لكنها محدودة بل وموزعة بعناية وحرص ولذا قد لا تكفي لتحقيق جميع اهدافه, فالماضي يكبحه والارتباطات في السياسة الخارجية مثلا ليس من السهل نقضها وتكاليف محاولة نقضها قد تعرقل له سياسة اخرى. والبرامج الداخلية تنشيء دوائر قوية تقاوم التغيير, واخيرا تسبب تصاعد المشكلات في منتصف القرن العشرين في جعل الكثير من مهام الرئيس الروتينية مكافئة للاحوال الطارئة والعاجلة بالبيت الابيض في من سبقه. وتبرز ايضا هناك مشكلة اخرى اكبر هي مشكلة الحصول على معلومات كافية, وثمة قرارات في نطاق واسع من القضايا الداخلية والخارجية وبعضها جديد في هذا القرن ويفرض عليه اعباء مرهقة مثل الاسلحة النووية والحرب البيولوجية والهيمنة على الشركات الدولية الكبرى والاسواق واستخدام الفضاء للاعمال العسكرية, وفي النهاية قد ينتقض هذا كله لاحداث غير متطورة لم يكن من الممكن توقعها من جانب قوي غير مسيطر عليها ولا يمكن السيطرة عليها, ونذكر على سبيل المثال ان مشكلة حدود السلطة التنفيذية للرئيس كانت اساس ازمة ووترجيت التي ابتلعت حكومة نيكسون الثانية.