بيان الاربعاء: على كرسي البيت الابيض, يتهيأ الرئيس الامريكي الجديد جورج بوش لادخال الجمهوريين سدة الحكم بعد انتزاعها من بين ايدي الديمقراطيين في اغرب انتخابات رئاسية على مدى قرن من تاريخ الولايات المتحدة. والرئيس الجديد شكل مادة للجدل والحوار اقضت مضاجع دول كثيرة واثلجت قلوب العسكر الامريكيين, فهو يعد بعهد يعيد الامجاد للجيوش الامريكية, ويعطي للحلم الامريكي بالسيادة على العالم فرصته للتحقق. ثوابت سياسته التي حملته للبيت الابيض قد تتغير بفعل واقع الاستراتيجية الامريكية, الامر الذي ظهرت بوادره بعد اعلان المقربين منه انه بدا أقل حماسا لاحداث تغييرات فيما يخص السياسة الخارجية والعسكرية لبلاده. وبالطبع صناع القرار الامريكي يعرفون جيدا اكثر مما يعرف الرئيس كوابح الاندفاع بحماسة شديدة نحو الخيال العلمي او الخيال السياسي الذي شطح باتجاهه الرئيس الثالث والاربعين للولايات المتحدة الامريكية, كما يعرفون انه ليس كل ما يقال او يوضع في البرنامج الانتخابي يصلح للتطبيق. فالاستراتيجية الامريكية وسياستها الخارجية والعسكرية امر شديد التعقيد, مثلما هو شديد التعقيد امر اتخاذ القرار الامريكي الذي يحكمه دستور وصف بأنه اعجب وثيقة في تاريخ العالم السياسي, اذ كان ثمرة سلسلة من الحلول الوسطى الصعبة كما كان اتفاقات سياسية. وهكذا تبرز اسئلة كثيرة تبحث عن اجاباتها فيما قاله بوش او ينوي فعله, وفي خضم حقائق كثيرة وتعقيدات سياسية كثيرة, فكيف نقرأ سياسة الرئيس القادم, وما هي اتجاهات الاستراتيجية الامريكية للسنوات الاربع المقبلة في ظل حكومة عمادها جنرالات الحروب الامريكية الحديثة, وما هي ابعاد سياستها الجديدة؟ عناصر كثيرة تشكل اركان سياسة الرئيس الامريكي الجديد جورج بوش الابن, لكن اهمها واخطرها هو ما يتعلق بالسياسة الخارجية الامريكية والسياسة العسكرية. وقد ربط بوش بين هذين العنصرين على اعتبار ان احدهما يكمل الآخر, ونلمس ذلك في كثير من تصريحاته التي اشرت ذلك ومنها على سبيل المثال قوله: (ان السياسة الخارجية يجب ان تخدم خلال السنوات المقبلة مصالحنا الوطنية, وان تعمل ادارتنا مع حلفائنا في اوروبا والشرق الاقصى, سندافع عن مصالح امريكا في الخليج العربي وسنشجع على سلام دائم في الشرق الأوسط أساسه أمن اسرائيل, وان نفوذ الولايات المتحدة ليس لها منافس). وبين اصراره منذ حملته الانتخابية على ضرورة اقامة نظام الدفاع الصاروخي وبين هدأة حماسته حول ذلك النظام يبدو ان بوش اصبح اقل رغبة في احداث تلك التغييرات الجوهرية في سياسته مقارنة بفترة حملته الانتخابية. وقبل ان نقرأ سياسة الرئيس الجديد ينبغي ان نتعرف اولا على ابعاد السياسة الامريكية الجديدة وعناصرها مطلع هذا القرن, ثم على صلاحيات الرئيس الامريكي وفق الدستور الامريكي واطراف صنع القرار لنتمكن بعد ذلك من قراءة برنامج بوش وامكانية تحقيقه. المصالح الأمريكية لاشك في ان التغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة, وانهيار الاتحاد السوفييتي, دفعت بصانعي القرار الامريكي الى اعادة تقويم وترتيب منظومة مصالحهم وأولوياتهم القومية. ورغم تباين الاتجاهات والافكار المطروحة في هذا الصدد بضمنها ما يخص قادة الرأي في المجتمع الامريكي, فان ثمة اتفاقا على ضرورة دفع ودعم دور ومكانة الولايات المتحدة في شتى انحاء العالم. ويرى محللون ان امريكا عمدت الى تهميش دول ومناطق اقليمية كاملة في منظومة التفاعلات الدولية مما سمح لبعض دوائر صنع القرار في الادارة الامريكية الملتزمة بنشر القيم والمبادىء الامريكية بطرح رؤية امريكية جديدة تجاه هذه المناطق او الدول ترمي الى دمجها في منظومة الاقتصاد العالمي وتحويل قناعاتها الايديولوجية باتجاه مبادىء الفلسفة الليبرالية. ويذكر البعض ان هذه كانت سياسة الولايات المتحدة تجاه معظم دول العالم وقاراته بعد تغير الاوضاع الدولية والاقليمية بزوال مناخ الحرب الباردة وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى تحاول بسط هيمنتها على النظام الدولي الجديد, ولذا فقد ولت الخطوط الارشادية التي كانت تحكم الرؤية الامريكية وبقيت الادارة الامريكية تبحث عن رؤية جديدة تؤسس لعلاقاتها مع العالم. وتشير دراسات كثيره الى قائمة المصالح والاهداف القومية التي كانت تشكل محددا للسياسة الامريكية دون ان تخفي على احد, وهي اشتملت بشكل مركز على اربع قضايا اساسية هي: * احتواء الشيوعية: ولم يعد لهذا التهديد وجود اليوم. * حماية خطوط التجارة البحرية: ولا يوجد تهديد جدي لها. * الوصول الى مناطق التعدين والمواد الخام: وهو ما يشكل محورا اساسيا اليوم. * ودعم ونشر القيم الليبرالية: وبخاصة الديمقراطية وحقوق الانسان التي تعد ورقة ضغط امريكية تجاه معظم دول العالم. خضعت سياسة الولايات المتحدة الامريكية تجاه العالم لعملية تقويم واعادة ترتيبها لاولوياتها واهدافها, دفع الى ذلك مجموعة من العوامل والمتغيرات ابرزها وفق دراسات متعددة: * ازدياد اهمية المرتكزات الاستراتيجية التي تقوم عليها العلاقات الامريكية ــ الدولية في عصر العولمة الامريكية, فالمحددات الثابتة مثل الموقع الاستراتيجي والثروات الطبيعية وخطوط التجارة تدفع دائما للتأكيد على اهمية البلد, الاقليم, او القارة في منظومة السياسة الكونية للولايات المتحدة. * التغير الذي طرأ على سياسات التحرر الاقتصادي في وجهة النظر الامريكية مع وصول عدد من القيادات الجديدة لدول كثيرة حاولت دعم اواصر العلاقات مع الولايات المتحدة مع تزايد الاهتمام الامريكي بغزو دول العالم واسواقها. * تغير رؤى وتصورات الادارة الامريكية بشأن المشاكل والصراعات التي تعاني منها مناطق معينة في العالم, فقد ادركت بعض مراكز صنع القرار الامريكي اهمية تحقيق الاستقرار والأمن وتدعيم فرص النمو الاقتصادي بما يخدم المصالح الامريكية الحيوية في المنطقة. * اعادة تقويم اوروبا لسياساتها فاصبحت تسعى لانتهاج سياسة جديدة تعتمد المساعدات والتي اخفقت, وذلك ما جعل الولايات المتحدة تعزز من فرصها. من كل ذلك ومن تحليل الدارسين للخطاب السياسي لكبار المسئولين في الادارة الامريكية يمكن ان نتوصل الى هدفين مهمين لهذه السياسة: * الاول: دفع عملية الاندماج في الاقتصاد العالمي ولدعم هذا الهدف تعمل الادارة الامريكية على ثلاثة محاور دولية: * تطبيق مفاهيم الشراكة الامريكية التي تقوم على انهاء مرحلة تلقي المساعدات المالية من قبل الدول التي تدعمها واحلال مرحلة التبادل التجاري محلها ثم تشجيع الاستثمارات الامريكية في العالم. * دعم النظم التي تأخذ بمفاهيم التحول الديمقراطي وفقا للتصور الامريكي وخاصة في المناطق ذات الاهمية الاستراتيجية بالنسبة للمصالح الامريكية. * العمل على منع الصراعات وانهاء حروب التطهير العرقي بما يحقق الامن والاستقرار وفقا لمنظور المصلحة القومية الامريكية. * الهدف الثاني: يتمثل في حماية المصالح الامريكية الحيوية ولا سيما الاعتبارات الامنية, ولذلك فان الولايات المتحدة تولي اهتماما كبيرا لقضايا انتشار الاسلحة ودعم بعض الدول لانشطة تقع في اطار التصور الامريكي للارهاب, وثمة قضايا اخرى محل اهتمام امريكي مثل منع تدفق المخدرات والجريمة الدولية وانهيار البيئة. ملامح سياسية تلك الاهداف جعلت الولايات المتحدة ترسم ملامح سياستها الجديدة مركزة على ثلاثة مجالات اساسية وحيوية هي الاقتصاد, والامن والسياسة وفق مصادر كثيرة ومتنوعة. ويمكن تلمس اهداف التحرك الاقتصادي الامريكي الجديد في: ــ تشجيع الدول على انتهاج سياسات اقتصادية ناجحة لتحقيق نمط التنمية مما يتيح لها مجال الاستثمار. ــ سياسة المساعدات الامريكية, فالرؤية الامريكية الجديدة ترفع شعار التجارة بدلا من المساعدات لدعم جهود الاصلاح السياسي والاقتصادي. ــ الاستفادة من التجمعات الاقتصادية الاقليمية. اما في المجال الأمني وهو من ابرز ملامح السياسة الامريكية الجديدة مرتكزاته هي: ـ تحقيق الاستقرار والسيطرة الامنية في المناطق التي تعنيها استراتيجيا, مع الاعتمادات على قيادات تتسم بولائها الواضح للولايات المتحدة مع محاصرة الدول او النظم المعادية لامريكا في محيط مصالحها الاستراتيجية. ــ تشكيل قوة تدخل لمعالجة الازمات وحفظ السلام وينحصر الدور الامريكي في التدريب وتوفير المعدات اللازمة والاتصال لتحقيق الترابط بين الوحدات في الدول المختلفة وقد تعدت هذا الهدف الى التدخل العسكري مثلما حدث في البلقان. ــ التركيز على قضايا الاسلام السياسي, وهذا يطرح تساؤلات عديدة حول الحرب المعلنة بين الولايات المتحدة وحركات الاسلام السياسي وعلى رأسها جماعة أسامة بن لادن, رغم ان تاريخ الصراع والتنافر بين الاسلام السياسي والغرب قديم ومعلوم لاسيما مع اصرار الغرب على البحث عن (عدو استراتيجي بديل للاتحاد السوفييتي). وفي المجال السياسي نجد شعار الديمقراطية وحقوق الانسان هما ملامح هذا المجال ولكن يلاحظ وفق الدراسات المعنية ان الولايات المتحدة تولي اعتبارات المصلحة القومية الاهمية القصوى, وهو ما يمثله اهتمامها بنظم ليست بالضرورة ديمقراطية بالمعنى الحقيقي. كما انها في سعيها لتحقيق هذه الديمقراطية تعمل على تشكيل نخب جديدة في افريقيا موالية للغرب عموما وللولايات المتحدة بشكل خاص, ثم انها تستفيد من امكانات العولمة الامريكية في تسويق نمط الحياة الامريكي وطرح قضايا معينة.