الامين العام للناتو خلال حرب البلقان خافيير سولانا والجنرال ويسلي كلارك القائد الاعلى بقوات الحلف هما من كلفا بقصف يوغسلافيا, وعلى الرغم من انني صديق الاول وعلى معرفة بالثاني, إلا انني لا املك إلا التنديد بالتناقض الظاهر والمحزن فيما قاما به في تلك الحرب المأساوية. والتفكير في هذا الامر ينقلني الى تأمل مفاده انه ما من سبب كان يدعو جيرميه سانت أمور الى ان يكون احدى شخصيات روايتي (الحب في زمن الكوليرا) ومع ذلك اكمل المهمة التي اوكلت اليه على اكمل وجه الى درجة ليس من السهل تصور الكتاب بدونه. ولندرك ذلك فالمشكلة الاساسية للرواية هي ان يصطاد السطر الاول قارئه بضربة مخلبية واحدة. من وجهة نظري هناك بدايتان كبيرتان لفرانز فكا الاولى: (عندما استفاق جريجور في صباح يوم من الايام متحولا الى حشرة مهولة) والاخرى (نسر نقر لي قدمي) وهناك بداية ثالثة لا اذكر اسم كاتبها لذلك اقتبسها من الذاكرة (كان لديه الجرأة لان يسمى نفسه روبرتو لكنه اطلق على نفسه خوسيه). اما السطر الاول من (الحب في زمن الكوليرا) فلقد كلفني عرقا ودموعا, الى ان خطر ببالي, عن طريق الصدفة قراءة رواية لأجاتا كريستي كانت لا ترى فرائحة اللوز المر ذكرتها دائما بمصير علاقات الحب المتناقضة. الصعوبة الثانية تمثلت بأن تدعم الحملة الاستهلالية باتجاه عدم استقرار القارىء حتى يمسك من خلال افتتانه بالحكاية. والروايات التي تتوصل الى ذلك ليست كثيرة وحب فلورينتينو اريزا وفيرمينا دازا هو في واقع الامر حكاية رصينة وثاقبة تطلبت سابقة لا تنسى لترغيب القارىء, اما الحل فكان انتحار جيرميه دي سانت أمور الذكرى التي احملها مذ كنت طفلا بما يكفي من القوة لاسناد التوتر حتى تتحول الحكاية لتصبح مادة هكذا حصل فعندما حدث ذلك كان الدكتور جوفينال اوربينو محكما داخل الرواية بقدمين راسختين في الارض. في حياة سانت أمور الحقيقية كان هناك بلجيكي محنك من الحرب العالمية الاولى وقد اضاع كيفية استخدام رجليه الاثنتين في حقل الغام, ولقد وصل الى اراكاتاكا ضمن السيل المهاجر لحمى شجر الموز, مع عكازين متقنين ومنقوشين بيديه ومطعمين بالعاج, وكان يدعى دون اميليو, وعرف ايضا بالبلجيكي لكني فضلت اسما اكثر غنائية فرنسي الطابع وذلك من اجل متطلبات الرواية. لم يكن مصورا للاطفال وانما معلم صياغة مثل جدي ولم تعرفه امرأة على الاطلاق لكن التي ظهرت في الرواية كانت سرا مقدسا كشفه للجد فقط, ويبدو انه كره الكلاب ايضا وما وضعته له في الكتاب كان بسبب ضعف القلب. بدأت صداقته مع جدي, في الحال, وهذا يعود ربما الى شغفهما المشترك بالصياغة, وساعده جدي لتثبيت نفسه في القرية, وهو ساعد الجد في تحسين ادائه بلعبة الشطرنج ولقد بدأ بهواية السينما وعلمه عمل السمبكات الذهبية الشهيرة, وكان بالنسبة لي شخصا بغيضا لانه في الليالي التي كان جدي يأخذني معه الى مباريات الشطرنج كان يدخل الرعب الى قلبي من هول الساعات التي يحتاجها من اجل تحريك قطع الشطرنج وفي النهاية لم ار امكانية حدوث اي شيء. لم يكن عمري يتجاوز السنوات الست, لكني اتذكر كما لو كان ذلك البارحة انهم اوصلوا خبر الانتحار الى جدي في احد ايام الاحد من شهر اغسطس عندما هممنا بالخروج الى قداس الساعة الثامنة, حينها اخذني جدي معه, مجرورا تقريبا الى منزل البلجيكي حيث كان بالانتظار كل من المختار وعميلين للشرطة. اول ما صدمني مكان النوم الذي عمته الفوضى, تمثل برائحة اللوز المر القوية والمنبعثة من السيناريو والتي استنشقها البلجيكي لكي يموت, وطيف الجثة المغطى بدثار احضر من معسكر والى جانبه حول المقعد الخشبي كان يرقد الدلو الذي دخن به السم وورقة بها رسالة ضبطت حروفها ورسمت بالرصاص مفادها (لا تتهموا احدا.. اني انتحر بسبب الحمق). لم يدم شيء في ذاكرتي مع حماس كبير مثل رؤية الجثة, عندما نزع جدي الدثار من فوقها كانت عارية ومتيبسة وملتوية مع جلد بدون لون مغطى بشعر اصفر وعيناه بمائهما الوديع كانتا تنظران الي كما لو انهما لاتزالان مفعمتين بالحياة. تكهنت جدتي ترانكيلينا اجواران عندما شاهدت الوجه الذي عدت به وقالت: لن يعود هذا المخلوق المسكين الى النوم بسلام ما تبقى من حياته وهكذا كان حيث لاحقتني نظرة الميت في الاحلام طوال سنوات كثيرة. كانت ذكرى ذلك اليوم المحوري المركزي لما يتساقط من الاوراق, روايتي الاولى المكتوبة وعمري عشرون عاما لكن يبدو انه لا احد ادرك ذلك وفي الحالتين فالذي يبقى واضحا ان ما همني من الشخصية لم يكن حياتها وانما مماتها, وفي (الحب في زمن الكوليرا) كان علي ان اختار بين ابتكار هذه الشخصية بدون فعل شيء سوى ما يتعلق بالفانتازيا او تركها على حالها وكما كنت انظر لها فإن اهميتها تنبع من كونها فجائية لكن لا تنسى, لم اشك بذلك. فشخصية بدون صنعة في رواية سوف تؤدي الى خيارين لا ثالث لهما, اما ان تدمر الرواية, واما ان الرواية ستدمرها. جيرميه سانت أمور تجاوز بالمقابل اختبار النار الذي يسأل القراء عنه على الرغم من بطولته الفانية.