عندما يمثل وزير الخارجية الفرنسي السابق رولان دوما امام المحكمة اليوم الاثنين ليحاكم بتهمة الفساد ستقف طبقة سياسية بكاملها معه في قفص الاتهام, وبذلك تضمخ باريس الشهيرة بإنتاج العطور بروائح الفضائح السياسية. ويواجه دوما وهو اكبر مسئول في تاريخ فرنسا الحديث يتهم بالكسب غير المشروع تهمة الحصول على رشى من شركة الف اكيتين النفطية العملاقة التي كانت مملوكة من قبل للدولة من خلال خليلته السابقة كريستين دوفيير جونكور. وقضيته هي اول قضية كبيرة تنظرها المحاكم ضمن سلسلة فضائح فساد عصفت بالنخبة الفرنسية الحاكمة على مدى السنوات الخمس الماضية. وينكر دوما الاتهامات الموجهة اليه. ويحمل كل اسبوع مزاعم جديدة عن وقوع عمليات احتيال ورشوة تشمل جميع الاحزاب الكبرى بينما تكتسب مجموعة التحقيقات المتشابكة قوة دافعة مهددة مستقبل الجميع بدءا من الرئيس جاك شيراك فمن دونه. وجاءت اتهامات قضاة التحقيق صدمة كبيرة لبلد اعتاد معاملة قادته باحترام والتستر على الفضائح السياسية. وقال دانييل دوميل رئيس الفرع الفرنسي لمنظمة الشفافية الدولية وهي هيئة عالمية تستهدف الحد من الفساد (فقدت طبقتنا السياسية قدرا كبيرا من الاحترام خلال العامين الماضيين بسبب هذه الفضائح). واضاف (من المستحيل معرفة اين سينتهي كل هذا؟). وكان دوما اجبر عام 1999 على التنحي من منصبه رئيسا للمحكمة الدستورية وهي اعلى هيئة قضائية في فرنسا بسبب الاتهامات. وستواجه ايضا الاتهام عند بدء محاكمة دوما في 22 يناير محظيته السابقة التي اطلقت على نفسها لقب (غانية الجمهورية) في كتاب تناول سيرتها الذاتية كما سيحاكم ايضا خمسة مسئولين نفطيين سابقين. وتقف الف اكيتين التي يعتقد قضاة التحقيق ان سياسيين مبذرين نهبوها في الثمانينيات واوائل التسعينيات بتغاض من الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران صديق دوما المقرب. وقالت دوفيير جونكور انها حصلت على ما يساوي 66 مليون فرنك (9.4 ملايين دولار) بطريقة غير مشروعة من شركة الف لاقناع دوما بالموافقة على ان تبيع شركة اخرى مملوكة للدولة هي طومسون ست فرقاطات حربية لتايوان في صفقة كانت موضع جدل في عام 1991. ودوما الاشتراكي القوي البالغ من العمر 78 عاما متهم بمساعدة دوفيير جونكور على الحصول على وظيفة في شركة الف وعلى الاستفادة من الارباح التي حصلت عليها نقدا وفي صورة بطاقات ائتمان وشقة فاخرة في باريس. ويواجه دوما عقوبة سجن مدتها القصوى خمس سنوات اذا ثبت انه مذنب. وقد تمثل شخصية سياسية كبيرة اخرى هي الان جوبيه رئيس الوزراء المحافظ السابق امام المحكمة في وقت لاحق هذا العام لاتهامه بالتورط في الاستيلاء على اموال بطريقة غير قانونية من خلال كشف مرتبات مشبوه وضع لمساعدة حزب التجمع من اجل الجمهورية الذي يتزعمه شيراك كما يخضع سياسيون مشهورون اخرون للتحقيق بشبهة الكسب غير المشروع من بينهم وزير المالية السابق الاشتراكي دومينيك شتراوس كان وجون تيبري رئيس بلدية باريس المحافظ وعدد ممن كانوا يوما مساعدين كبارا لشيراك. ويخضع كل من جون كلود تريشيه محافظ البنك المركزي الفرنسي السابق وجاك دو لاروسيير رئيس صندوق النقد الدولي السابق للتحقيق على نحو منفصل بسبب الانهيار المشهود لبنك كريدي ليونيه المملوك للدولة في اوائل التسعينيات. ولم يطلق سراح جون كريستوف ابن ميتران بكفالة الا في الاسبوع الماضي بعد سجنه للاشتباه في تورطه في قضية بيع اسلحة غير مشروعة لانجولا. لكن هل فرنسا فاسدة الى هذا الحد الذي قد تشير اليه هذه التحقيقات. ينفي السياسيون ذلك بشدة ويجادلون بأن جميع القضايا الحالية تقريبا تتضمن تمويلا حزبيا يشكل القسم الاكبر من الفضائح ويتعلق بأحداث سابقة على عام 1995 عندما طبق قانون جديد يضع قواعد واضحة للتمويل. وقال شيراك متحديا في الشهر الماضي (اقول للشعب الفرنسي (انتم لا تعيشون في بلاد يسودها الفساد)). ولكن اذا لم تكن فرنسا فاسدة الى هذا الحد الان فان القضاة يعتقدون بالتأكيد ان الكسب غير المشروع كان شائعا حتى وقت قريب جدا وسيواصلون البحث في غياب اي عفو عام. ويمثل ذلك مشكلة لشيراك بينما يستعد لمعركة اعادة ترشيحه لانتخابات الرئاسة في عام 2002 حيث يركز المحققون اهتمامهم على ادارة بلدية باريس. وكان شيراك رئيسا للبلدية من عام 1977 وحتى عام 1995 ومن المحتمل ان يظهر اسمه في التحقيقات. وجاء احد الاتهامات الكبيرة من القبر في صورة شريط تسجيل صور اعتراف مستشار كبير سابق لشيراك اذيع بعد وفاته اتهم فيه الرئيس بادراة اموال غير مشروعة. وينفي شيراك قيامه باي ممارسات غير سليمة ويتمتع بحصانة ضد الملاحقة القضائية وهو في منصبه بفضل حكم للمحكمة الدستورية مثير للجدل صدر قبل فترة قصيرة من تنحي دوما. ورغم ذلك فان حقيقة تكرر ذكره في التحقيقات كان لها تأثيرها فقد تراجعت شعبيته في استطلاع اخير للرأي الى 46 بالمئة من 51 في المئة. وفي مثل هذا الوضع ربما يكون متوقعا ان يذبحه خصومه لكن ذلك لا يحدث في فرنسا. وتعتقد وسائل الاعلام ان ذلك يرجع الى ان جميع الاحزاب الكبرى متورطة وعملت مع بعضها لضمان امتلاء خزائنها. رويترز