قرر الرئيس جورج بوش استحداث منصب جديد في البيت الأبيض يسمى (مساعد الرئيس لشئون الاقتصاد الدولي), ويعد من سيشغل هذا المنصب مسئولاً أمام كوندوليسا رايس مستشارة الأمن القومي, ولورانس ليندساي, رئيس الفريق الاقتصادي للرئيس الجديد. والمبادرة في ذاتها تعكس رؤية جديدة للعلاقة بين جانبين مهمين من جوانب علاقة الحكومة الامريكية بالعالم الخارجي, الجانب الدبلوماسي الذي تختص به وزارة الخارجية, والجانب الاقتصادي الذي كان موزعاً بين وزارات وجهات مختلفة, منها وزارة التجارة ووزارة الخزانة. وكان معروفاً ــ بصورة واضحة ــ تعريف وظيفة وزارة الخارجية أو مجلس الأمن القومي, ولكن الصلة بين الاقتصاد وعلاقة واشنطن بدول العالم لم تكن تابعة لجهة محددة وواضحة, ومع تزايد اهمية هذه المساحة في آلية عمل الحكومة الأمريكية, وذلك بحكم الشوط الذي قطعته عملية العولمة فإن الرئيس الجديد رأى أن يخصص موقعاً جديداً في البيت الأبيض لمباشرة هذه المساحة والاشراف عليها. لا نعرف بعد اذا كان النفط وهمومه سيدخل في صلاحيات هذا الموقع الجديد بالاضافة ــ بطبيعة الحال ــ للدور الذي تلعبه تقليدياً بهذا الصدد وزارة الطاقة, ولكننا نعرف ان من سيجلس على ذلك المقعد المستحدث سيعالج ملفات حساسة مثل قضايا المعونة لروسيا والاتفاقيات مع دول العالم في المجالات الاقتصادية وربما قضية المعونة الخارجية. وواقع الحال ان عملية اعادة الهيكلة هذه بدأت في عهد جورج بوش الأب, وبسبب تواجد احتياج حقيقي لأداة تحقق بعض التناسق في مضمار العلاقة الاقتصادية للحكومة الأمريكية بدول العالم, فقد انشأ بوش الأب وحدة خاصة ضمت رؤساء الادارات الحكومية الأساسية ذات العلاقة بقضايا الاقتصاد, ووضع بوش الاب هذه الوحدة الخاصة تحت قيادة وزير الخزانة آنذاك. وفي 1993 قرر بيل كلينتون ان يرفع مستوى هذه الوحدة بسبب تزايد الاحتياج لمن يلعب دورها على ضوء اتساع نطاق العولمة, واختار كلينتون رجل وول ستريت المحنك روبرت روبن لقيادة الوحدة, ثم ما لبث ان عينه وزيراً للمالية, وبتعيين روبن وزيراً عادت الوحدة الى وضعها السابق اي ان اهميتها تراجعت بعض الشيء, فيما تقدم مجلس الأمن القومي ليشغل هذه المساحة الشاغرة التي بدت (بلا صاحب) كما يقولون. وتعني العودة إلى فكرة جورج بوش الأب ان هناك اتجاهاً الآن نحو (مركزة) القرار الاقتصادي الخارجي, الا ان الابن يبدو عازماً على تطبيق ذلك عبر خطوات تدريجية, اذ انه وضع الموقع الجديد تحت إشراف ليند ساي ورايس, اي انه لم يرفع ــ دفعة واحدة ــ من وزن المنصب الجديد ليتجاوز مكونات الهيكل الاداري التقليدي للحكومة الأمريكية في قفزة متعجلة. ولكن ماذا سيفعله من سيشغل هذا المنصب الجديد مع منطقة كمنطقتنا؟ يمكن رصد الملامح الأساسية لما سيحدث من قراءة مواقف ليندساي الاقتصادية, ذلك ان ليندساي الذي وضع عشرات الدراسات حيث كان يعمل في مركز الدراسات المحافظ المعروف في واشنطن والمسمى (أمريكان انترابرايز انستيتيتوت) لعب ايضا دور (معلم) الرئيس الجديد فيما يختص بالاقتصاد وقضاياه. وليندساي اكاديمي متعصب لما يسمى بحرية السوق, أو بقوانين السوق, انه يصاب بحساسية ــ قد تصل الى حدود الحساسية الفسيولوجية ــ لو سمع كلمة (حماية), أو لو دافع احد أمامه عن أمور مثل الرسوم الجمركية أو دور الدولة أو التدخل الاداري في عمل الأسواق. من هنا فإن ليندساي أحد الأنصار المتشددين لمنظمة التجارة العالمية, ولالغاء أية ملاحق أو شروط من الاتفاقيات التجارية الثنائية, ويعني ذلك ان ليندساي لايمكن أن يقبل بنص كذلك الذي وقعته واشنطن والعاصمة الأردنية عمان في اتفاقيتها التجارية التي أعلنت الخريف الماضي, فقد تضمنت تلك الاتفاقية بنوداً تتعلق بالعمال الأردنيين وحقوقهم في التفاوض الجماعي وشروطاً تتصل بحماية البيئة, وما إلى ذلك من ملاحق فرضتها اتحادات العمال الأمريكيين وجمعيات حماية البيئة في الولايات المتحدة. وقتها اعترض ليندساي قائلاً ان اتفاقيات التجارة الثنائية لا ينبغي ان تتضمن بنوداً من هذا النوع, وكان الاقتصادي الأمريكي المعروف قد اعترض أيضاً على نص الاتفاقية التجارية الأمريكية ــ الصينية, رغم انه مس هذه القضايا بصفة سطحية, اذ ان هذا المساس الخافت كان كافياً لاثارة حساسية ليندساي. وأهمية هذا كله تتلخص في ان دول المنطقة العربية التي تفكر الآن في توقيع اتفاقيات ثنائية للتجارة الحرة مع الولايات المتحدة لديها عنوان واضح من هذا االموقع الجديد الذي لم يشغله أحد بعد في البيت الأبيض, فضلاً عن هذا فإن شروط توقيع مثل هذه الاتفاقيات تختلف الآن ــ بصورة جذرية ــ عن التجربة الأردنية التي يبدو الآن انها كانت متعجلة بعض الشيء. فضلاً عن هذا فإن ليندساي ــ الذي نحسب انه هو الذي سيختار من سيشغل الموقع الجديد ــ قد يدفع في اتجاه وضع المزيد من الضغوط على الدول الراغبة في الحصول على عضوية منظمة التجارة العالمية للاسراع بفتح اسواقها والتخفيف من دور الدولة الاداري في أسواقها, ومن المبكر الآن ان نرصد بدقة ما سوف يحدث على هذا المضمار, الا ان ما ذكرناه تواً يبدو اتجاهاً عاماً سيتعين على دول المنطقة ان تتعامل معه الآن باعتباره قد تحول إلى أحد مكونات (السياسة الخارجية) للولايات المتحدة وذلك بعد اعادة التنظيم على نحو ما بدأه جورج بوش. واشنطن ــ عصام الدين عبدالعزيز