رسالة شاملة جامعة ارسلها الاجتماع الاستثنائي الذي اخترق به مجلس الوزراء الاحد الماضي جدار الرتابة وبالاحرى القوالب المحنطة المنسية (تفعيلا) الحاضرة الغائبة, في ترجمان حقب تاريخية تعاقبت، على مدى الاف السنين في رقعة اتسعت لتستوعب ثقافة وتنوعا جسدت وحدة مليون ميل مربع تئن تحت وطأة التجريب المتواصل دون الاستناد الى هذا الارث القابع بين جدران المتحف القومي الذي استضاف لاول مرة في تاريخه القريب والبعيد اجتماع حكومة اراد سنامها ان يستنطق تاريخا جديرا بالفخر والاعزاز والانتشار لا الاستكانة او الاهمال وهي رسالة جاءت والكل يترقب تشكيلا وزاريا جديدا طفقت التكهنات بشأنه توازن بين هذا وذاك .. الرسالة في مضمونها تكون او لا تكون. واذا كان ذلك كذلك فان ذرى المجد وافاق الكينونة هذه تبدو ماثلة في عبق الماضي الذي لابد للحاضر من اتكاءة عليه حتى وان كانت على حد السكين. هكذا اراد مجلس الوزراء في جلسته التاريخية تلك ان يسلخ من عمر الزمان لحظات ستظل باقية حاضرة في سفر الخطاب الرسمي العامل والآجل الطامع في ان تسجل هذه الجلسة الصدمة اثرا غائرا متجذرا في دفاتر البحث والتنقيب, متواصلا على مر الحقب صناعة للماضي وتخليدا لعطاء الاجداد. جلسة المجلس بكامل هيئته جاءت في اعقاب خطاب للفريق البشير بمناسبة اعادة انتخابه لفترة رئاسية ثانية بشر فيه بوزارة الثقافة والتراث موكول لها شحذ الهمم وتكثيف مجالات البحث والتنقيب لسبر اغوار الآثار الذي تحتوي على الكثير مما يمور به باطن الارض والكثير الذي حوته المتاحف وما تلقفته الايدي الظاهرة والخفية وما يعمر اركان المتاحف في دول كانت لها سطوتها في ربوع المليون ميل مربع, الجلسة جاءت بعد ان زان المكان معهد للحضارة من نفض عالمه من الغبار عن ارث اثقل كاهل المتحف ومن قبله الخيمة التي ينضوي تحت لوائها وهي مصلحة الآثار التي اقعدتها الفاقة واللامبالاة عن مقابلة ضخامة وحجم المسئولية والأعمال الملقاة على عاتقها لدرجة القصور عن حماية الموجود من الآثار ناهيك عن استرجاع اقل القليل مما نهب منها والذنب ليس ذنبها, اذ ان المسئولية لا تتجزأ هنا. ومن ثم كان مجلس الوزراء صائبا ومحقا حينما قرر في جلسته التاريخية تخصيص مبلغ 50 مليون دينار لاعادة تأهيل متحف السودان القومي وعزز قراره بتكوين لجنة وزارية عليا يترأسها وزير السياحة والبيئة مهمتها اعداد دراسة عن الآثار والسياحة ورفع توصيات للمجلس بشأنها. المجلس لم يفض جلسته قبل ان يوجه بتوسيع نطاق ونشاط الكشف الاثري توثيقا له, ليتمكن بذلك معهد حضارة السودان من اعادة كتابة تاريخ السودان تثبيتا للدور العلمي والبحثي المنوط به, توجيهات المجلس امتدت لتشمل جهات الاختصاص باتخاذ ما يلزم من اجراءات لفتح كافة المناطق السياحية والاثرية امام السياح وان يستصحب الترويج للسياحة, الاهتمام بانشاء البنيات الاساسية ذات الصلة بها وان تكتمل الحلقة بقيام المتاحف الولائية والخاصة لابراز ما يسهم السودان من تنوع حضاري وثقافي عامرا باثوغرافيته وتاريخه الطبيعي. وجاء دور العالم الفذ الذي انتزع باقتدار ولسنوات خلت معهدا لحضارة السودان رصع به جيد ام الجامعات السودانية جامعة الخرطوم, ذلكم هو الدكتور جعفر ميرغني الذي استنطق التماثيل والنقوش والجدران ويشنف اذان الحضور بمعرفة دانت لها المنابر والمحابر وفي انسياب مدهش فريد اتاح الرواحل على سمات حضارة قدمت الخط والكتابة الهجائية للبشرية متمثلة في الهيروغليفية والخط المروي والخط الاثيوبي وامتدادته حتى البحر الاحمر شرقا, ليرسم بذلك خط سير لن يضل سالكه. دون اغفال دور القطاع الخاص ومساهماته في مجال السياحة الا ان الدولة لا مناص لها من اخذ زمام المبادرة وان تكون هي السباقة في الحفاظ على الارث وان لا تتكىء على ارائك الخصخصة التي ينبغي ان يكون دورها هنا مكملا متمثلا في انشاء الفنادق والوكالات السياحية والمعارض والندوات والسمنارات وكل شأن يلبي رغبات السياح من داخل وخارج السودان ليبرز بالتالي قيام البنيات الاساسية من طرق وخطوط اتصال وطيران ضرورة لازمة لاتخطئها العين. وزير البيئة والسياحة اللواء الركن (م) التيجاني آدم الطاهر الذي يترأس اللجنة الوزارية المكلفة باعداد دراسة حول السياحة والآثار استعرض امام جلسة المجلس قضايا السياحة والآثار وما يلزم لمعالجة معوقاتها وتطويرها باتجاه يستحضر صفحات من تاريخ السودان ما زالت مدفونة في باطن الارض تسعى العديد من البعثات المحلية والاجنبية التي لا تزال تجري عمليات مسحها وتنقيبها في عدة مناطق نال شمال السودان جلها والتي ستتوالى وبالتأكيد وتتواصل في ضوء توجيهات مجلس الوزراء بفتح المناطق الاثرية امام السياح وتوسيع نشاط الكشف الاثري. بقي ان نشير الى انه اذا كانت الآثار تشكل عامل جذب فعال للسياح فان في السودان ثروة هائلة في هذا المجال ومن اي ركن قصدته فثمة ما يدعو للدهشة والالفة معا ما يأخذ الالباب استحسانا .. فاذا تجلت عظمة التاريخ وخلوده في البركل بين بعانخي وتهراقا وبادماك فان في سواكن وديا الفونج ما يستدعي الترجل اجلالا واكبارا لفعل السلف الابرار واذا كانت حظائر الدندر وخبائن التاكا بهجة للناظرين فان اسرار الطبيعة حطت بكلياتها في جبل مرة الذي لن تكفيك فيه مرات ولا تكتمل الصورة اذا غابت عروس الجنوب جوبا وجبل لادو ونقولها ملء افواهنا لتكن هذه البداية وجلسة واحدة لا تكفي ولكنها خطوة في مشوار المليون ميل في ارض المليون ميل مربع.