يبدأ حفل تنصيب الرئيس الامريكي الجديد جورج بوش في مناخ عام يتسم بالانقسام, ولعل ذلك بالذات هو الذي دفع بالرئيس الجديد الى اعتبار ان المهمة الاولى لادارته هي تخفيف حدة الاستقطاب السياسي الحاد الذي يسود ليس فقط العاصمة واشنطن, ولكن الولايات المتحدة على وجه الاجمال. وتتبدى اولى العلامات الكبيرة على هذا الانقسام في استعداد المعارضين لبوش لحشد تظاهرات كبيرة تحيط بحفل التنصيب اليوم, وهو الامر الذي دفع مؤيدي الرئيس الجديد الى الاستعداد لحشد مظاهرات اكبر, مما دفع بقائد شرطة العاصمة الامريكية للاعراب عن قلقه من تحول واشنطن الى ساحة للمواجهة بين الفريقين خلال اجراءات حفل التنصيب. وقد لعبت المنظمات الأمريكية السوداء دورا بارزا في تهيئة المناخ للاحتجاج يوم تنصيب بوش الذي اطلقت عليه هذه المنظمات اسم (يوم الغضب), وكان القس جيسي جاكسون احد قادة حركة الحقوق المدنية قد طاف الولايات المتحدة الامريكية داعيا قادة الجاليات السوداء لارسال ممثلين عن جالياتهم الى واشنطن يوم التنصيب, وعلى الرغم من ان مؤيدي بوش (التقطوا) لجيسي جاكسون فضيحة اخلاقية نشرتها اجهزة الاعلام الا ان ذلك لم يؤثر على دوره, فقد تبين ان جاكسون ارتبط بعلاقة غير شرعية مع سيدة مجهولة وانجب منها ابنة (واعترف) جاكسون بالفضيحة في عبارات مختصرة, ثم واصل عمله الدؤوب لحشد المعارضين لبوش يوم التنصيب. وتحشد اتحادات العمال والمنظمات المعارضة للعولمة, وجمعيات الدفاع عن المستهلكين واتحادات الدفاع عن حقوق المرأة, والجماعات المعارضة لتدخل الشركات الكبرى في العملية السياسية, والمدافعون عن حق الاجهاض, وعشرات اخرى من التنظيمات الليبرالية واليسارية والديمقراطية الافا من انصارها للتوجه الى واشنطن. وقد شارك في التخطيط لموجة الاحتجاجات الكبيرة المتوقعة عند تنصيب جورج بوش عدد ممن خططوا لاحتجاجات مؤتمر سياتل لمنظمة التجارة الدولية العام الماضي وجعلوا من المدينة ميدان حرب بين المتظاهرين وقوات الامن. وسارعت قوات الشرطة في واشنطن الى طلب امدادات من ادارات الشرطة بولايتي ميريلاند وفيرجينيا المجاورتين كما لوحظ خلال الايام الاخيرة ان شاحنات خاصة بالشرطة بدأت تضع حواجز اسمنتية كبيرة في بعض الشوارع المفضية الى منصة التنصيب. وقال مدير شرطة واشنطن انه سيضع خمسة آلاف رجل حول موقع التنصيب, فيما تولت قوة الامن الرئاسي السرية التي تسمى (الخدمة السرية) عملية تنظيم وقائع الاحتفال والتحكم في مداخله ورصد وتفتيش المدعوين. ولايقتصر الانقسام على المظاهرات والمظاهرات المضادة التي ستجوب واشنطن العاصمة طوال اليوم, ولكنه يمتد الى مجالات اخرى كثيرة, فقد اظهرت جلسات استجواب وزراء الرئيس الجديد في لجان الكونجرس المختصة عمق المرارات التي راكمتها الانتخابات الرئاسة, فقد انقسم الديمقراطيون بين فريق معتدل يحبذ صياغة (علاقة عمل) مع الادارة الجديدة, وفيرق متشدد يسعى لهز الثقة بهذه الادارة منذ يومها الاول, ومن ثم يرفض صياغة ان علاقة عمل او غير عمل مع الرئيس الجديد. فقد لوح السناتور ادوارد كنيدي الذي ينتمي الى المتشددين في الحزب الديمقراطي باحتمال وقف عملية اعتماد اختيار جون اشكروفت نائبا عاما (وزيرا للعدل) بسبب اراء اشكروفت اليمينية, ولم يحدث من قبل ان اوقف الكونجرس اعتماد تعيين وزير في ادارة جديدة, ورغم وجود حالات اضطر فيها المختارون للوزارة الانسحاب قبل ان يرفضهم الكونجرس وينقسم الحزب الجمهوري ايضا ال فريق يدعو لمواجهة الديمقراطيين (بعنف) واعلان حرب حقيقية ضد اكثر عناصرهم تشددا, فيما يدعو فريق اخر الى التريث والتحلي بالصبر ومحاولة تجاوز ردة الفعل النفسية سعيا نحو تمكين جورج بوش من اداء دوره كرئيس للبلاد بفعالية اكبر. ومن الصعب ان يمارس بوش هذا الدور في مناخ الانقسام الراهن, وقد دفعه ذلك الى منح الاولوية لبناء الجسور مع القادة المعتدلين في الحزب الديمقراطي, والتركيز على ان الكونجرس اجاز بالفعل اغلب من اختارهم لشغل مناصب وزارية, وان الاعتراضات الباقية محدودة ويمكن تجاوزها ببعض الحكمة. ومن المتوقع في كل الاحوال ان ترسم المظاهرات التي ستندلع في واشنطن اليوم مع بدء وقائع حفل تنصيب الرئيس الامريكي الجديد صورة دقيقة لما سيواجهه جورج بوش خلال السنوات الاربع المقبلة, فالرئيس الجديد يكاد يكون محاصرا بين جمعيات شعبية تعارض اجندته بضراوة, وفريق من الحزب الديمقراطي يعتبر ان الحملة الرئاسية المقبلة قد بدأت للتو, في اللحظة الاولى من رئاسة جورج بوش, بل انها ربما قد تكون بدأت منذ اعلان قرار المحكمة العليا الذي حسم الخلاف حول نتائج الانتخابات السابقة. واشنطن ــ عصام الدين عبدالعزيز