الملف السياسي: حصل السودان على استقلاله كجمهورية مستقلة في 1 يناير 1956 متخلصا بذلك من ثنائية الادارة البريطانية المصرية ـ وقام حكم مدني ـ وتعاقبت عدة وزارات حزبية عجزت ، كلها عن حل المعضلات التي تواجه دولة حديثة الاستقلال, مما مهد الطريق امام الجيش بزعامة الفريق ابراهيم عبود القائد العام حينها ليضع السودان في سياق بلدان الانقلابات العسكرية التي تريد حل قضايا التنمية والتحرير والبناء بشرعية البندقية. وكل الذي استطاع عبود فعله هو ايقاف العمل بالدستور وحل الاحزاب السياسية ومجلس الرئاسة ومجلس الوزراء وتجمع السلطات كل في يد المجلس الاعلى للقوات المسلحة برئاسة الفريق عبود. ولم تمض الا بضعة اعوام حتى تجمع الغضب الشعبي فهب العمال والطلاب والفلاحون والحرفيون والموظفون العموميون ليشعلوا انتفاضة شعبية عام 1964 اجبرت عبود على مغادرة كرسي الرئاسة لصالح الحكم المدني ــ الحزبي ــ وتزعم اسماعيل الازهري الواجهة المدنية بينما شكل محمد أحمد محجوب وزارة ائتلافية ضمت العديد من الاحزاب التقليدية. وظلت الاحزاب الطائفية المهدية والميرغنية تتعاقب على الحكم دون التمكن من الاجابة الصائبة عن الاسئلة التي يطرحها تطور السودان كاقليم وكجزء من امة ومن قارة. والسودان بعد ذلك وقبله بلد التنوع والتعدد والتسامح والاعراق والاعراف والديانات واللهجات واللغات المختلفة. لقد تعاقب على حكم السودان منذ الاستقلال في 56 وحتى اليوم نوعان من الشرعية: الحكم المدني وهو محصور في حزبين او بالأحرى في طائفتين: المهدية حزب الامة, والميرغنية: الحزب الاتحادي الديمقراطي. او الشرعية العسكرية. ومن نماذجها جعفر محمد النميري الذي تعاون مع الجبهة القومية الاسلامية, جبهة الميثاق سابقا, في سن تشريعات سبتمبر التي الحقت الاضرار بالوحدة الوطنية في السودان. واساءت ابلغ الاساءة الى السودان بلد التسامح والتفتح والتآخي. وقد سقطت ديكتاتورية النميري العسكرية في يد حلفائه من الجبهة القومية الاسلامية وعسكرها. ومن هنا فإن حكم الجبهة القومية قد مثل امتدادا لحكم النميري الذي فرض الحدود الشرعية على المسيحيين. وعلى الوثنيين العراة في الجنوب وعودة النميري الى السودان ومشاركته في التنافس على الرئاسة تؤكد ذلك! صحيح ان الحكم المدني في السودان ارحم بما لا يقاس من الحكم العسكري الذي يعلق الدستور, ويفرض الاحكام العرفية. ويلغي الطبيعة الديمقراطية للنظام السوداني القائم على الشرعية الحزبية, وعلى التعدد السياسي والاستقلال النقابي, ولكن جبهة الانقاذ بزعامة الترابي قد وصلت الى الحكم عبر الانقلاب على الشرعية الدستورية. وعلى نتائج انتخابات شاركت فيها. وقامت بانقلاب عسكري عمم الاعتقالات وحظر الاحزاب, وصادر النقابات. وفيما بعد فتح بيوت الاشباح وآل الآمر الى دفع المعارضة المدنية الى حمل السلاح. والى توتير علاقة السودان بكل دول الجوار بما في ذلك الجوار العربي. ويطمح البشير في ان يقيم دولة عسكرية قطرية تتماهى مع دول الجوار. ومع امتدادها القومي. وقد لقي الانقلاب المساندة والدعم من كل دول الجوار. توخيت بهذه الخلفية لوضع السودان قراءة ما يعتمل داخل النظام فالاحزاب الطائفية: المهدية والختمية ونظام الجبهة القومية التي ميزت الاسم. وحافظت على عقلية الانفراد بالسلطة, والغاء الآخر. والعسكر كلهم والفون في اهدار دم الديمقراطية. وكلهم اعداء للهبات الشعبية ,86,70,64,56 وقد جرب الشعب السوداني حكم العسكر كما جرب حكم الاحزاب التقليدية التي تبادلت المواقع اكثر من مرة ولكنها لم تكن مخلصة للديمقراطية والتعددية. واحترام حقوق الانسان. كما انها كلها ـ وبالاخص الجبهة القومية قد عقدت الاوضاع مع الجنوب. واشعلت الحرب الاهلية. وباعدت من افق الحل. ولا يعني هذا ان القيادات الجنوبية على صواب. فهناك اخطاء مشتركة. وهناك تدخلات اجنبية تستهدف وحدة السودان وكيانه القومي. ولكن النظام السياسي في السودان يتحمل المسئولية بالدرجة الاولى. فدكتاتورية النميري. وفيما بعد النميري وجبهة الانقاذ قد دفعت بالشعب السوداني كله الى حمل السلاح. كما انها دفعت الجنوبيين الى التمرد ولم تكن الاحزاب المدنية مخلصة للحل. بل ان الجبهة القومية قد راهنت وحرضت على انفصال الجنوب لتفرض هيمنة مطلقة على اقاليم السودان الاخرى تحت مبرر وهم نقاء المعتقد. وأن وحدة المعتقد اهم من وحدة التراب الوطني وتعاطت بانتهازية مع شعار (حق تقرير المصير) والاستفتاء عليه. لقد سبق انشقاق الجبهة سباقا محموما على اجتذاب المعارضة التقليدية. ولا شك ان الحوار المكتوم والمكشوف بين الترابي والصادق المهدي. وبين البشير والصادق والاتحادي الديمقراطي قد عجل بالصراع بين الطرفين. كما ان الصراع نفسه بين هذه الاجنحة شاهد الفشل في استمرار حكم السودان بمصادرة الحريات والملمح الطيب في هذا الصراع ان كل طرف منهما يدعي ان الجناح الديمقراطي. ويدعو الآخرين للتحالف معهم. صحيح ان الحكم العسكري لا يزال يتعامل مع خصومه السياسيين بعقلية القمع والاتهام. كما حدث مع انصار الترابي في الاسبوع الماضي. ولكن تصاعد الصراع بين العسكر وحلفائهم بالامس سوف يضعف المنطق الشمولي. وسيقوي عاجلا ام آجلا لغة التفاهم والحوار والقبول بالآخر. ودفع وسيدفع باعداد كبيرة من انصار الجناحين الى المطالبة بالحكم المدني والعودة الى الشرعية الدستورية والتعددية الحزبية والسياسية التي انقلب عليها البشير والترابي معا. ولا يعني هذا اننا نقر او نحبذ قمع اي منهما للآخر الا اننا نرى ان صراعهما على لعبة الحكم والانفراد بالحكم يفضح العقل الشمولي. ويدفع الديكتاتورية التي تأكل نفسها ان لم تجد ما تأكله (الى الضعف ويقينا فإن عودة الصادق المهدي وبعض اقطاب المعارضة مؤشر مهم للتهدم الحاصل في جدار الديكتاتورية ولكن عودة السياسية التقليدية وهي حق مشروع وحتى مشاركتهم في حكم ائتلاف لا يكفي لقهر الديكتاتورية في السودان. فتجارب الشعب السوداني عبر ما يقرب من نصف قرن تدلل ان هناك ترابطا عميقا بين حل قضايا الاقليات ومسألة الديمقراطية. فلا يمكن حل قضايا جنوب السودان بدون حل قضايا الاقاليم السودانية كلها. ولن يكون بدون مؤتمر قومي تمثل فيه الفسيفساء السودانية كأحزاب وكمنظمات ومؤسسات مجتمع مدني. وكأقاليم وقوميات وديانات واثنيات وشخصيات. فهذا الشعب الذي ناضل لما يقرب من قرن من الزمان لطرد الاستعمار البريطاني. كما قاد اكثر من هبة شعبية لاسقاط الدكتاتورية العسكرية وحقق استقلالية بالنضال السلمي الديمقراطي. وأسس مبكرا لمؤتمر الدائرة المستديرة لحل مشكلة الجنوب. وقام كيانه الوطني من الخمسينيات على أسس الشرعية الدستورية. وحق التعدد السياسي والحزبي لا يمكن ان يقبل في مطلع القرن الواحد والعشرين بغير العودة للديمقراطية. وقيام مؤتمر وطني يقر المبادىء الدستورية. والخلافات المحتدمة بين اقطاب الحكم لا تعني الا فشل العسكر وجبهة الانقاذ في استمرار الاستئثار بالحكم بأساليب لم تعد مقبولة في السودان. وسيبحث الطرفان عن حلفاء لهما في المعارضة السياسية. وفي الشارع السياسي ان لم يكونا قد بدا بالفعل. ويقينا فإن اجراء الانتخابات التي قوطعت من المعارضة السياسية وجماعة الترابي سيكون ردها سيئاً ان استند عليها الحكم السوداني (كشرعية ديمقراطية) للانفراد بالحكم باعتبار الانتخابات تفويضاً شعبياً للاستمرار في حكم (المؤتمر الوطني) وهو احتمال وارد حيث حصد المؤتمر الوطني معظم مقاعد المجلس الوطني الـ ,360 الأمر الذي يغري البشير بأنه قد حصل على التفويض الشعبي للمضي في تنفيذ برنامج المؤتمر, وعدم اصاغة السمع لأصوات المعارضة السياسية, ودعوات الوفاق الوطني, وتحقيق مصالحة وطنية مع التجمع الوطني المعارض والمتمردين الجنوبيين, وربما أغرى انقسام المعارضة وتشتتها وانفضاض الدعم الدولي لها وبالأخص من دول الجوار الى تصلب النظام واستمرار الاستئثار, وقد يجتذب اليه بعض الاطراف المعارضة لتجميل الصورة. وللتأكيد على صحة نهجه وصدق التزامه بالمشاركة والقبول بالمعارضة ولا شك ان دول الجوار وبالأخص مصر وليبيا واثيوبيا تنظر بارتياح لاستبعاد (المؤتمر الشعبي) من الحكم وهو ما يفسر حماس مصر وليبيا وحتى الجزائر لتحقيق مصالحة وطنية. والواقع ان الضغط على النظام قد خفّ كثيراً بعد خروج (المؤتمر الشعبي) من الحكم مع غالبية دول الجوار, كما يفتح الباب أمام اسقاط مبررات الحصار, ودعم خيار الحرب في الجنوب. إن أهم إنجاز حققته التطورات الأخيرة هو تراجع خيار الكفاح المسلح لصالح النضال السياسي السلمي. وقد استطاع النضال الديمقراطي ان ينجز أكثر من هَبّة شعبية استطاعت التطويح بالديكتاتورية العسكرية. فهناك انسداد أفق الحرب الكريهة, وانفتاح أفق التطور الديمقراطي ونشاط المبادرات يعزز هذا المنحى. وسيكون مردودها أكبر لو حصل الدمج بين مبادرة الايجاد والمبادرة المصرية الليبية, وحتى الجزائرية ــ الجديدة ــ وحاجة السودان الى الاستقرار واستثمار ثرواته الوطنية والتنقيب عن النفط والزراعة والثروة الحيوانية والمعادن والمياه كبير جداً. والحقيقة ان مردود التصدع في نظام الجبهة القومية قد يعزز الاتجاهات الديمقراطية, ويعزز احتمالات المصالحة مع الجوار كما يعزز ذلك في الداخل أيضاً. وتبقى المحاذير قائمة في تشرذم المعارضة الديمقراطية واستمرار هيمنة (القوى التقليدية) غير الوفية للديمقراطية, وللحزب في الجنوب والمستعدة للمساومات غير المبدئية مع الاتجاهات الشمولية, والنكوص عن المطالب الشعبية الأساسية. والسؤال هل ينزل البشير والعسكر والمؤتمر الوطني للإرادة الشعبية العامة التواقة لإنهاء الحرب في الجنوب وتحقيق مصالحة وطنية حقيقية وبناء سودان ديمقراطي جديد خال من الانقلابات العسكرية والصراعات الدامية والعنف المدمر.